بقيت متسمرة في مكاني من هول صدمتي، عاجزة عن الإجابة، حتى انه أعاد سؤاله مرارا، واخيرا تحركت شفتاي بصعوبة وقلت :
_ انا... انا بخير، لكن هل لايزالان على قيد الحياة؟
التفت ماكس خلفه ليتأمل حجم الفوضى التي خلفها الشجار، الكراسي مقلوبة رأسا على عقب، المزهرية محطمة فوق الأرض، والرجلان ممدان بلا اي علامة تدل على سلامتهما.
اخذ نفسا عميقا ثم نظر إلي قائلا بنبرة مازحة :
_ اتمنى ذلك.
عاد ديمتري في تلك اللحظة، بعد أن انهى مكالمته بالخارج، وماإن وقع بصره على المشهد، حتى ارتسمت على ملامحه الدهشة:
_ هل ضرب زلزال المكان؟ ام ماذا؟
نظرت له واشرت لماكس :
_ اسأل عبقري الكوارث.
نظر ديمتري إلى ماكس وقال :
_ هل انت من فعلت هذا وحدك؟!
ابتسم ماكس بغرور وقال بنبرة تحمل غطرسة :
_ مارأيك في قوة عضلاتي؟
رفع ديمتري حاجبيه باعجاب :
_ لو لم أكن اعرفك، لظننتك مايك تيزون.
عقدت حاجبي بانزعاج وقلت بحدة :
_ حقا؟! بدلا من البحث عن حل لهذه الفوضى، تقفان هنا تتبادلان المزاح.
ثم اضفت بنبرة آمرة :
_ اسمع ياماكس، ستأخذ هذين الأحمقين إلى قسم الشرطة، وستتولى دفع ثمن كل ما حطمته، اما انت يا ديمتري ستعود معي إلى المركز.
نظر ماكس الي بخضوع مصطنع :
_ امرك يا غريبة الأطوار، لكن الا يجدر بك شكري على انقاذك؟ ربما عشاء فاخر سيكون كافيا.
اجبته ببرود وانا اتجه نحو الباب :
_ في أحلامك يا عبقري الكوارث.
خرجت من المقهى وانا اجر خطواتي بصمت غاضب، بينما لحق بي ديمتري، الذي لم تختفي نظرة الإعجاب من عينيه، بعدما فعله ماكس قبل قليل.
توليت انا القيادة هذه المرة، ولم نتبادل اي حديث طوال الطريق، حتى أوقفت السيارة في المكان المخصص امام المركز، أعطيت ديمتري المفاتيح، ثم اتجهت نحو مكتبي.
دفعت الباب، ودخلت، ثم القيت أشيائي باهمال فوق الطاولة، وجلست على الكرسي بتعب شديد.
فمنذ السادسة صباحا وانا غارقة بين الملفات والتحقيقات
والجثث، دون أن أجد لحظة راحة واحدة.
مررت يدي على وجهي بارهاق، ثم بدأت أرتب الأوراق المبعثرة فوق المكتب، لكن شيئا ما غير مألوف استوقفني.
ظرف اسود أنيق، مزخرف بخطوط ذهبية لامعة، وضع فوق الطاولة وكأنه لا ينتمي إلى هذا المكان الملئ بالكركبة.
استغرب من وجوده، فانا متأكدة انه لم يكن هنا عند مغادرتي انا وماكس وديمتري.
اقتربت منه، ثم التقطتها بحذر، خشية ان أفسد اناقته، ثم فتحته ببطئ.
في الداخل كانت هناك دعوة مكتوبة بخط يد دقيق، تتداخل حروفها مع لمسات فضية على خلفية سوداء تعكس فخامة لافتة.
" تتشرف عائلة كافينيلو بدعوتكم لحضور الحفل التنكري بمناسبة تخرج الانسة ايزابيلا كافينيلو"
زفرت ببطئ وانا اتمتم :
_ هذا آخر ما احتاجه، حفلة مليئة بالاثرياء المتصنعين.
وضعت الدعوة داخل الحقيبة، ثم استعددت للمغادرة، بينما ظل شعور غريب، وغير مريح يلاحقني.
كنت اقود السياره، وانا افكر في قرار الذهاب إلى الحفلة من عدمه، حتى قاطعني رنين هاتفي.
نظرت إلى الشاشة، فوجدت ان المتصلة هي اوليفيا.
اجبتها بسرعة، وما إن اخبرتها عن امر الدعوة، حتى تعالت ضحكاتها بحماس، وطلبت مقابلتي في مطعم قريب.
وبالفعل، التقينا هناك عند الساعة السادسة مساءا.
قالت اوليفيا بلهفة وهي تجلس امامي :
_ يا فتاة! لقد اشتقت اليك كثيرا.
ابتسمت لها بارهاق :
_ وانا ايضا.
أشارت إلى النادل :
_ هيا اطلبي الاكل، واخبرني بالأمر بالتفصيل.
وبينما كنا بانتظار طلبنا، بدأت اسرد لها أحداث اليوم الحافله، وبالطبع لم أخبرها عن زيارة القاتل لمنزلي.
كانت تتفاعل معي بين دهشة وضحك وقلق.
وعندما انهت طعامها، ارتشفت اخر ما في كوبها وقالت بحسم :
_ اسمعي يا روكسينا، ستذهبين إلى هذه الأمسية شئت لم ابيت، وانا سأتكفل بتجهيزك لتصبحي ملكة الحفل.
ضحكت بخفة :
_ تقصدين ملكة جمال الجثث.
دفعتني بقدمها وهي تضحك:
_ توقفي عن السخرية!
ثم اضافت مازحة :
_ وربما استعين بأحد القتلة المأجورين ليصمم لك فستانا خاصا يا غريبة الأطوار.
تجهمت :
_ لا تذكريني بذلك الابله ماكس.
بعد وقت من التسوق والاختيار، دخلنا احد المحلات الراقية لبيع فساتين السهرة، حيث اخترنا فستانا اسودا من الحرير، مع قفازات وقناع مرصع بالاحجار القرمزية.
ومع نهاية اليوم، عدت إلى المنزل مرهقة، وخلدت إلى النوم، دون حتى ان اغير ملابسي.
في اليوم التالي، استيقظت على صوت المنبه الصاخب، بينما كان النعاس يثقل جفوني، وكأنني لم انم ليلة البارحة مطلقا.
اكتفيت بفطور خفيف، قبل أن أجد نفسي غارقة وسط تحضيرات تلك الجنازة..... اقصد الحفلة، تحت إشراف اوليفيا الكامل، بدءا من الاقنعة والعناية بالبشرة، إلى المكياج الذي بدا وكأنه مشروع فني أكثر من كونه استعدادا لامسية عادية.
_ آه
صرخت بالم :
_ هل تريدين فقع عيني؟!
ردت وهي تخرج فرشاة الشعر من حقيبتها الممتلئة بمستحظرات التجميل :
_ كفي عن الحركة، لقد اوشكت على الانتهاء.
تنهدت بتعب وثقل :
_ ارجوك اسرعي، أشعر أن رقبتي ستنكسر في اي لحظة.
وبعد دقائق طويلة بدت لي وكأنها ساعات، ابتعدت اوليفيا إلى الخلف، وصفقت بحماس وهي تقول بانبهار :
_ ها قد انتهينا!!!
وقفت ببطئ، احرك رقبتي المتصلبة، ثم اتجهت نحو المرآة الطويلة في زاوية الغرفة.
_ واو!
كانت تلك الكلمة الوحيدة التي استطعت التفوه بها بعد رؤيتي لانعكاسي على المرآة، او بالأحرى انعكاس تلك المرأة الغامضة، التي بدت وكأنها شخص آخر لا يمت لي بصلة.
انسدلت خصلات شعري المموجة فوق ظهري باناقة ناعمة، بينما كان فستان الحرير عاري الكتفين يلتف حول جسدي بانسيابية هادئة تزيده فخامة.
مررت اناملي فوق عقد اللؤلؤ اللامع المستقر حول عنقي، قبل أن اتأمل القفازات المخملية السوداء التي غطت ذراعي، والكعب العالي الذي كان صوته يتردد في أنحاء الغرفة مع كل خطوة اخطوها.
اما القناع المزخرف بالفضة، فقد اضفى على مظهري لمسة غريبة جعلتني أبدو وكأنني خرجت للتو من احدى حفلات المافيا القديمة.
ابتسمت اوليفيا بفخر واضح بينما شكرتها على مساعدتها.
تقدمت نحو الباب، ثم توقفت للحظة قصيرة، وانا أحدق بالمقبض المعدني امامي.
هل اذهب حقا ام أتراجع؟
وكعادتي دائما فضولي كان أقوى.
مشيت فوق السجاد الأحمر الممتد على طول القاعة، بينما كانت رنات كعبي العالي تكسر الأجواء الصاخبة.
عزقت الالات الموسيقية مقطوعات كلاسيكية راقية، في حين تحركت الاقنعة بين الحضور بانسيابية ساحرة مع كل نغمة تعزف.
توغلت بين الأثرياء، وكانت أضواء الثريات الكريستالية الضخمة المعلقة في السقف دليلي الأول، وسط ذلك البذخ المبالغ فيه.
كل شي بدا مثاليات بصورة فاخرة، من الملابس التي صنعت داخل أشهر دور الازياء العالمية، إلى الأطعمة المرتبة فوق الطاولات بأشكال هندسية متقنة، وصولا إلى نظرات الحاضرين الممتلئة بالغرور والتصنع.
اخذت ابحث بعيني بين الوجوه حتى لمحته، كان ليام يقف بجانب ابنته الجميلة ايزابيلا، وبجوارهما ديمتري الذي بدا انيقا ببدلته السوداء ذات الطراز العالي.
تقدمت نحوهم بابتسامة هادئة، وقدمت تهنئتي لايزابيلا متمنية لها مستقبلا مشرقا. قبل أن ابتعد قليلا برفقة ديمتري.
اقترب مني بانحناءة بسيطة، ثم أمسك يدي وقبلها بنبل :
اين كنت تخفين كل هذا الجمال يا فتاة؟
ابتسمت بخجل :
_ شكرا على اطرائك، وانت تبدو وسيما للغاية.
اضفت وانا أشير إلى قناعه :
_ خاصة بهذا القناع الأزرق.
نظر لي بخبث قبل أن يشير إلى رجل يقف بعيدا قليلا، كان يعطينا ظهره بينما يتحدث مع فتاتين انسجام واضح :
_ انظري إلى ماكس، يبدو أنه وجد صحبة جديدة.
رفعت حاجبي بعدم مبالاة :
_ شيئ متوقع من متلاعب مثله.
مرت لحظات قبل أن أشعر بالعطش يتسلل إلى حلقي، استأذنت من ديمتري واتجهت نحو طاولة المشروبات لاحضر بعض الماء.
وأثناء سيري بين الحضور، اصطدمت فجأة بجسد صلب وضخم.
_ آه!
أطلقت شهقة خافتة، ليرتفع فوق رأسي صوت رجولي عميق :
_? Signorina, sta bene
, رفعت رأسي ببطئ، لكنني تجمدت للحظة.
كان طويلا بصورة لافتة، بينما اخفى قناع غريب مزين بالريش جزاءا كبيرا من ملامحه، غير ان عينيه الخضرواتين بلون الزمرد، كانتا كفيلتين باسر انتباهي بالكامل.
اعتزلت في وقفتي بسرعة وقلت باحراج :
_ آسفة سيدي، انا لا اتحدث الايطالية.
ابتسم ابتسامة غامضة قبل أن يجيب بهدوء :
_ هل انت بخير يا آنسة؟
هززت رأسي :
_ اجل، واعتذر على اصطدامي بك، فلقد كنت شاردة قليلا.
أجاب بنبرة حملت شئا غريبا :
_ لا بأس الجميع شاردون هذه الليلة.
مد لي يده ثم اضاف :
_ هل تقبلين هذه الرقصة كتعبير عن اعتذاري؟
دون وعي مني وجدت نفسي أوافق.
لف ذراعه حول خصري برفق، بينما أمسك بيدي، ووضعت يدي الأخرى فوق كتفه، لنبدأ بالتمايل ببطئ مع الموسيقى.
كنت أشعر وكانني منومة مغناطيسيا.
رفعت نظري اليه وسالته بفضول :
_ ما اسمك؟
اقترب قليلا من أذني وهمس بصوته الاجش :
_ غريب، اسمي غريب.
ابتسمت :
_ اسمك غريب بالفعل يا غريب.
انخفضت ضحكته العميقة داخل أذني قبل أن يردف:
_ ليس أغرب من لون عينيك.
_ لون عيني؟ مابه؟
أجاب وهو يحدق بي بثبات :
_ فاتن بصورة غريبة، أخبريني هل ورثته من والدك ام والدتك؟
ابتعدت عنه فورا، وكأن كلماته صفعتني .
اخذت نفسا قصيرات قبل أن اجيبه بكذب :
_ ورثته من ابي.
ظل صامتا لثوان، ثم همس لي بلكنته الإيطالية:
_ Piccola bugiarda roxina
اتسعت عيناي بصدمة فور سماعي لاسمي.
_ كيف تعرف اسمي؟
لكنه ابتعد وسط الحشود ببطئ وهو يقول :
_ ستعرفين مع الوقت.
_ اوه، اوه يا غريبة الأطوار، لم أكن أعلم أنك تجيدين الرقص بهذه البراعة.
التفت خلفي، لاجد ماكس يتقدم نحوي ممسكا بكأس نبيذ، بينما بدا واضحا من تعابير وجهه انه غير سعيد مطلقا.
تنهدت بانزعاج :
_ الا يمكن أن يمر يوم واحد دون أن تفسد مزاجي فيه؟
ارتشف من كأسه ببطئ متعمدا اصدار أصوات مزعجة، ثم قال :
_ اعتقدت أن رقصك مع ذلك الرجل قد حسن مزاجك.
رفعت رأسي ببرود :
_ هذا شيئ لا يخصك.
ابتسم باستفزاز :
_ ومن قال انني مهتم بحياتك الكئيبة يا غريبة الأطوار.
ضيقت عيني وانا اجيبه :
_ لا يبدو الأمر كذلك.
كان على وشك الرد، لكن انطفاء الاضواء المفاجئ أوقف كل شيئ.
حتى الأنفاس.
ساد الظلام القاعة بالكامل، وبدأت همسات الحاضرين تنساب بين انزعاج واستغراب، بينما راحت الموسيقى تخفت تدريجيا.
فجأة
اشتعلت الشاشة الضخمة المعلقة في منتصف القاعة بضوء أزرق بارد، ليظهر عليها ظل رجل يرتدي قناعا مخيفا.
صم انطلق صوته الهادئ عبر القاعة :
_ مساء الخير سيداتي سادتي اتمنى ان تكونوا بخير،رغم انني أعلم انكم لن تكونوا كذلك بعد قليلا.
شعرت بالتوتر يزحف بين الحضور كمرض معد.
اكمل الصوت حديثه بنبرة ساخرة :
_ دعوني اعرفكم بنفسي : انا قاتلكم المجهول. اشتقتم الي، اليس كذلك؟
شاد صمت ثقيل في القاعة قبل أن يتابع بصوت منخفض جعل الدم يتجمد في عروقي :
_ لذلك قررت الليلة ان اقدم لكم هدية خاصة، عربون شكر لمجهوداتكم الفاشلة في العثور علي.
ثم ضحك ضحكة قصيرة وباردة :
_ اقسم انني ساجعل هذه الأرض تفيض بالدماء، حتى تختنق بها أرواحكم، وستصبح صرخاتكم الموسيقى الوحيدة التي ستسمعونها.
وفي ثانية، اشتعل الضوء فجأة.
لكن قبل أن استوعب ما حدث، دوى صوت ماكس وهو يصرخ باسمي بفزع :
_ روكسينا، انتبهي!
___________________________________________
اريد ارائكم في التعليقات.
aya