انفتح الباب فجأة.
تجمدت في مكاني، وسقطت الرسالة من بين يدي على الأرض. سارعت بوضع قدمي فوقها لأخفيها، ثم أنزلت كم قميصي وداريت الساعة التي كانت في معصمي.
تفحص ملامح وجهي، محاولًا قراءة أفكاري، ثم سألني باستغراب:
— ألم تنامي بعد؟
أجبته بتوتر:
— لا، لم يزرني النعاس.
— لماذا أنتِ متوترة هكذا؟
أجبته بمرارة:
— لقد نظفت مسرح جريمة قتل قبل قليل، كيف تتوقع أن أكون؟
اقترب من سريري، فخفق صدري رهبةً من أن يكتشف الأمر. مال بجسده الضخم نحوي، وشعرت وكأن روحي ستخرج من أضلعي.
وضع علبة دوائي على الطاولة الجانبية، ثم أردف وهو لا يزال يرمقني بالنظرة المشككة ذاتها:
— إن شعرتِ بالألم، فتناوليه، لكن لا تكثري منه. اتفقنا؟
هززت رأسي بينما كنت أضغط أصابعي على الفراش بقوة، حتى كساها الشحوب.
ساد الصمت للحظات.
ثم ابتعد واتجه نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يغادر واستدار نحوي مجددًا، مباغتًا إياي بسؤال جعل قلبي يتوقف للحظة:
— هل تخفين شيئًا عني، يا روكسينا؟
كانت الطريقة التي نطق بها اسمي أكثر ما أربكني.
انتفضت من شرودي وأجبته بنفي رأسي فقط، متجنبة الوقوع في أي خطأ أثناء الكلام.
لم ترق له طريقة إجابتي، لكنه أخفى ذلك خلف ملامحه الجامدة قبل أن يقول بتحذير هادئ:
— أتمنى ألا ترتكبي أي حماقة، يا روكسينا.
ثم غادر الغرفة بكل هدوء.
انتظرت حتى اختفى صوت خطواته في الممر، وبعدها أنزلت قدمي ببطء عن الرسالة.
انحنيت والتقطتها.
كانت الورقة لا تزال هناك...
لكن هذه المرة، لم أعد متأكدة إن كان غريب قد صدق كذبتي أم أنه تركني أعتقد ذلك فقط.
مرّ أسبوع آخر بسرعة البرق، وكأن الأيام نفسها أصبحت غير موجودة.
في ذلك الحين، كنت أعيش في عالم آخر، بعيدًا كل البعد عن الواقع. أسهر الليالي محاوِلةً إيجاد حل لكل تلك الأسئلة التي تتسارع في عقلي، وفي كل مرة ينتهي بي الأمر بالنوم والانتقال إلى عالم الكوابيس.
لم يكن هذا المنزل مجرد جدران وأثاث، بل كان جحرًا للأسرار، وأكبر أسراره غريب.
شيء من الماضي كان محبوسًا خلف قناعه الأسود، يحاول إخفاءه بشتى الطرق خلف تلك القسوة والدموية.
احترت بين المقاومة والاستسلام؛ فكلاهما مؤلم، وكلاهما سيكلفني شيئًا من نفسي.
منذ أن كنت طفلة، كان هناك صوت محبوس بداخلي، صوت لم أبوح به لأي شخص. صوت يخبرني بأنني أعيش في كذبة منذ اللحظة التي فتحت فيها عينيّ على هذه الدنيا.
اختفى ذلك الصوت مع مرور السنوات، لأنني تجاهلته وفضّلت العيش في عالم من الخيال.
وها هو اليوم يعود من جديد، ليثبت لي أن العقل قد ينسى الذكريات، لكن القلب يحتفظ دائمًا بأثرها وشعورها.
غريب لم يعد بالنسبة لي مجرد مختطفي أو مطاردي.
بل أصبح أكثر شخص يعرفني، وربما أكثر مما أعرف نفسي.
حتى لو كان قاتلًا، لم يعد هذا الوصف وحده كافيًا بالنسبة لي.
ربما يعود سبب قولي هذا إلى أنني بدأت أرى فيه انعكاسًا لمعاناة أخفيها أنا أيضًا.
هو اختار أن يبوح ببعض آلامه، بينما اخترت أنا دفن آلامي في أعماق نفسي.
وطيلة فترة مكوثي هنا، كان هناك سؤال يزورني كل ليلة، في الوقت نفسه تقريبًا، حين يختبئ القمر خلف الغيوم في السماء:
من أكون أنا حقًا؟
لم يسبق لي أن سألت نفسي هذا السؤال.
لكنني أصبحت أفعله الآن، بانتظام، وكأنني أخشى الإجابة أكثر من خوفي من السؤال نفسه.
غريب هو مفتاح الماضي.
وكل الدلائل تقود إليه...
حتى لو أردتُ الإنكار.
صورة تلك المرأة لا تفارق ذهني مطلقًا.
قلبي يعرفها، لكن عقلي يرفض التعرف إليها.
لم أعد أعرف من الأدرى بمصلحتي، قلبي أم عقلي؟ أم أنهما سيقودانني في النهاية إلى الطريق المجهول ذاته؟
وصل اليوم الخامس والعشرون، وكان يصادف عيد ميلادي السادس والعشرين.
لم أحتفل به يومًا.
كانت أوليفيا وحدها تصر على شراء الكعكة وإشعال الشموع في كل مرة، محاولةً إقناعي بأن لدينا سببًا للاحتفال، حتى لو كانت السعادة التي نحاول صنعها مجرد وهم مؤقت.
لذلك اعتقدت أنني سأقضي هذه الليلة بمفردي، مع أفكاري كعادتي.
لكنني كنت مخطئة.
قبل منتصف الليل بساعة، كنت مستلقية على السرير أحدق في السقف الفارغ، حين انفتح الباب ودخل هو، برائحته التي حفظها أنفي عن ظهر قلب؛ مزيج غريب من الرهبة والدخان.
جلس بجانبي ووضع كيسًا بالقرب مني.
التفتُّ إليه، وعيناي معلقتان به.
— ما هذا؟
— فستان.
ابتسمت بخفة من بساطة جوابه.
— هل ستأخذني إلى حفلة؟
نهض من مكانه وقال:
— ليس تمامًا، لكنني متأكد من أنه سيعجبك. جهزي نفسك، وسأعود لاصطحابك بعد نصف ساعة.
خرج من الغرفة، وبقيت أحدق في الكيس طويلًا.
أخرجت الفستان، فوجدته أخضر زمرديًا، بذيل طويل ينساب خلفه، وأكمام من الدانتيل مزينة بنقوش على هيئة زهور فرنسية. أما فتحة الرقبة المربعة فزينت حوافها بسلسلة فضية تلمع تحت الضوء.
ارتديته فورًا.
كان مناسبًا لمقاسي بدقة مخيفة.
رفعت شعري الذهبي على هيئة ذيل حصان طويل، وزينت أذنيّ بأقراط تتماشى مع لمعان السلسلة الفضية. غطيت عيوب بشرتي بمكياج خفيف، وختمت إطلالتي برشة من العطر الموجود فوق التسريحة.
ثم جلست أنتظر المفاجأة التي يخبئها في جعبته.
هذه المرة، لم أشعر بالفضول ولا بالخوف.
كنت فقط سأسايره.
بعد دقائق، عاد غريب.
لف قطعة من القماش حول عيني وحجب عني الرؤية، ثم أمسك بيدي وقادني عبر ممر طويل. بعد لحظات، دخلنا إحدى الغرف.
سحب القماش عن عيني.
رمشت عدة مرات قبل أن أتمكن من رؤية المكان بوضوح.
كانت هناك طاولة طويلة تتوسط القاعة، مصطفة فوقها أوانٍ ذهبية وأطباق من الطعام بدت كأنها تحف فنية. وعلى جانبي الطاولة شموع حمراء تنشر ضوءًا دافئًا في أرجاء المكان.
كان هناك كرسيان فقط.
تقدم غريب نحوي، وسحب أحدهما بهدوء، مشيرًا إليّ بالجلوس.
جلست، ثم جلس في الكرسي المقابل وشبك يديه أمامه.
قال بابتسامة واسعة اختبأت خلف قناعه:
— تبدين أكثر حيوية هذه الليلة.
رسمت على شفتي ابتسامة صغيرة، ولم أعرف ماذا أقول.
حل بيننا صمت قصير قبل أن أسأله:
— ما الذي نفعله هنا؟
تناول الشوكة والسكين وقال ببساطة:
— نحتفل بعيد ميلادك يا روكسينا.
حدقت فيه للحظات.
— أنا لا أريد الاحتفال.
— لا تكوني كئيبة يا صغيرة. لا تزال أمامك حياة طويلة.
ثم أشار إلى الطعام.
— تناولي قبل أن يبرد.
تجاهلت أسلوبه اللطيف على نحو غير معتاد، وبدأت أتناول الطعام وسط جو صافٍ لم أعتده منذ وقت طويل.
وبعد لحظات، سألني:
— هل أعجبك الطعام؟
— أجل. هل أنت من طبخه؟
نفى برأسه.
— لا. الطباخ.
رفعت حاجبي.
— هل لديك خدم وطباخون؟
— بالطبع. لماذا؟ هل توقعتِ أنني أقوم بكل هذه الأعمال بنفسي؟
ثم أضاف بنبرة عادية:
— أنا متفرغ لك فقط.
توقفت للحظة، ثم أخذت لقمة أخرى.
— أنا محظوظة إذن.
حل صمت قصير.
ثم وضعت الشوكة جانبًا وسألته فجأة:
— لماذا حاولت قتل ماكس تلك الليلة؟
توقفت يده للحظة.
وضع السكين على الطبق بهدوء، ثم أجاب وكأنه يتحدث عن أمر لا يستحق النقاش:
— رأيته يحوم حولك كثيرًا في الآونة الأخيرة، لذلك قررت التخلص منه.
اتسعت عيناي.
— هل أنت معتوه؟ هل تقتل كل من يحلو لك؟
رفع عينيه نحوي، وبقي هادئًا بشكل أثار غضبي أكثر.
— ولماذا أنتِ مهتمة به هكذا؟
توقفت للحظة، ثم عقدت حاجبي.
— لأنه صديقي.
مال برأسه قليلًا، وكأنه لم تعجبه الإجابة.
— صديقك؟
— أجل، وما المشكلة؟ ليس لك دخل بعلاقتي به.
ساد الصمت للحظات.
ظل يحدق بي بنظرة يصعب تفسيرها، ثم أعاد يده إلى أدوات الطعام وكأن شيئًا لم يحدث.
— تناولي طعامك يا روكسينا.
لكن نبرته لم تكن كما كانت قبل قليل.
كان هناك شيء آخر خلف هدوئه...
شيء لم أستطع فهمه
شهقتُ بخنقة والتزمت الصمت مجددًا حتى أكملت طعامي.
— تعالي معي إلى الشرفة يا صغيرة.
خطوت خلفه حتى وصلنا إليها، وهناك وجدت كعكة صغيرة تتوسطها شموع مشتعلة.
حملها بين يديه، ثم قال:
— عيد ميلاد سعيد، يا روكسينا.
كانت تلك الجملة بمثابة دلو من الماء البارد سُكب فوق رأسي.
حدقت فيه للحظات، عاجزة عن استيعاب ما يحدث.
— هيا، انفخي وتمني أمنية.
ظللت أحدق به بتوهان، حتى طبع قبضةً خفيفة على قفاي، في حركة عفوية تشبه مزاح الأصدقاء.
للحظة، نسيت كل شيء.
نسيت أين أنا، ومن أكون معه، ولماذا أحضرني إلى هنا.
قررت أن أعيش اللحظة، حتى لو كانت مزيفة.
أخذت نفسًا عميقًا ونفخت، فانطفأت الشموع دفعة واحدة.
وضع الكعكة جانبًا، ثم قال:
— اطلبي ما تشائين، وأنا سأنفذ طلبك اعتبارًا من هدية عيد ميلادك.
أجبته دون تردد:
— أريد معرفة اسمك الحقيقي.
توقفت ملامحه للحظة، وكأن بساطة طلبي فاجأته.
— هل هذا ما تريدين معرفته حقًا؟
ثم أضاف:
— ظننت أنك ستطلبين مني أن أطلق سراحك.
هززت رأسي مؤكدة.
— أجل. هذا ما أريده فقط.
صمت لبرهة، وكأنه يزن خطورة الإجابة.
ثم نظر إليّ وقال بهدوء:
— اسمي ألكسندر..
لم أتفاجأ كثيرًا من الإجابة، فقد كنت أشك في الأمر منذ أن قرأت تلك الرسالة.
رددت اسمه ببطء، وكأنني أختبر وقعه للمرة الأولى:
— ألكسندر...
رمقني بنظرة هادئة، ثم سأل بعدما طال صمتي أكثر مما ينبغي:
— ألم يعجبك اسمي الحقيقي؟
— كلا، أنا فقط متفاجئة من إفصاحك عنه بهذه السهولة.
— إنها حالة خاصة.
دفن يده في جيبه وأخرج سيجارة تضاهي فخامة ملابسه. أشعلها ووضعها بين شفتيه، يستنشق سمها ببطء قبل أن يخرجه على هيئة سحابة سوداء كثيفة تلاشت في هواء الليل.
ساد الصمت للحظات.
ثم سألني فجأة:
— هل سبق أن قرأتِ رواية «الليالي البيضاء»؟
أسندت ظهري إلى سور الشرفة.
— أجل، قرأتها عندما كنت في العشرين.
— هل تعتقدين أن حالم أخطأ حين وقع في حب ناستينكا؟
شعرت بالغرابة من سؤاله، لكنني أجبته بعد لحظة تفكير:
— أظنه تسرع في التعلق بها. لم يكن يحبها حقًا، بل كانت شخصًا أخرجه من وحدته، فظن أنها حب حياته.
أومأ ببطء.
— وجهة نظر معتبرة.
زفر بعمق، ثم سأل:
— وماذا عنكِ؟ ما رأيك أنت؟
نظرت إلى القمر قبل أن أجيبه:
— لم يخطئ حين أحبها. مأساته أنه وجد فيها وطنًا، بينما كانت تراه مجرد محطة عابرة في حياتها. ثم عاش بعدها بلا قلب، بعدما دفنه مع ذكرياتها.
صمت ألكسندر.
كانت عيناه معلقتين بالقمر، وكأن شيئًا بعيدًا جدًا ينعكس في ملامحه.
قلت محاولة كسر الصمت:
— لماذا تحول حديثنا إلى الحب فجأة يا غريب؟
— لا أعلم... ربما مجرد فضول.
ثم أضاف، وهو لا يزال مسلطًا نظراته الباردة على القمر:
— هل تعتقدين أنني وقعت في الحب يومًا؟
توقفت للحظة.
كان في صوته حزن عميق، حزن بدا وكأنه احتُجز طويلًا في حنجرته قبل أن يسمح له بالخروج.
لم يكن قاسيًا هذه المرة.
بل كان ضعيفًا على نحو لا يشبه صلابته المعتادة.
— أعتقد أن...
ترددت، ثم قلت بصراحة:
— لا أعتقد أن لديك قلبًا حتى تحب.
خرجت الكلمات أقسى مما توقعت.
استدار نحوي ببطء، وأبعد خصلة متمردة عن وجنتي.
ظل صامتًا للحظات، ثم قال بمرارة قاسية:
— ذات يوم كنت أملك قلبًا لا يخدع...
توقفت أنفاسي.
تابع بصوت خافت:
— حتى أحرقه من كان يسكن ذاكرتي، وتركني كرماد تذروه الرياح.
ثم أضاف بالإيطالية، وكأنه لا يريدني أن أفهم أكثر مما سمح به:
— Un tempo possedevo un cuore che non ingannava, finché non fu bruciato da chi viveva nella mia mente, lasciandomi come cenere dispersa dal vento.
لم أعرف لماذا شعرت أن تلك الكلمات لم تكن مجرد استعارة.
كان يتحدث عن شخص حقيقي.
شخص ترك خلفه جرحًا لم يندمل، مهما حاول ألكسندر إخفاءه خلف القناع والقسوة.
بقيت ذكريات تلك الليلة محفورة في ذاكرتي، بكل ذرة من أحاسيسها.
كان وراء كلماته الأخيرة قصة مؤلمة، قصة قد تكون السبب في تحوله إلى الوحش الذي يقف أمامي اليوم.
لا أعرف ما نوع المآسي التي عاشها غريب... أو ألكسندر، كما عرفت اسمه أخيرًا، لكنني متأكدة من أنها كانت أقسى مما يستطيع العقل تحمله.
ثم جاء اليوم الذي كنت أخشاه منذ بداية اللعبة.
اليوم الأخير.
كنت متأكدة من خسارتي هذه المرة.
لم أتمكن من جمع سوى ست وعشرين قطعة.
لعبت للمرة الأخيرة، بحثت واختبأت خلف الجدران للمرة الأخيرة. والأغرب أنني كنت أخشى مغادرة هذا المنزل، لأنني شعرت بالأمان فيه رغم كل الألم الذي عشته بين جدرانه.
كان صادقًا معي على نحو غريب، وجعلني أرى جانبًا من نفسي لم أكن أعرف بوجوده.
اكتشفت أسرارًا جعلتني لا أنام ليلًا، ولا أستشعر لذة الصباح.
والآن... انتهى كل شيء.
لم أكن خائفة من أن يقتلني.
كان هناك فقط ذلك الانقباض الغريب الذي غزا قلبي.
حان وقت اللقاء الأخير...
أم الوداع؟
لم أعرف أيهما التعبير الأنسب لنهاية هذه الرحلة.
وقفت أمامه للمرة الأخيرة، مطأطئة الرأس بخيبة أمل، مستعدة لعقابي... أو لموتي على يد جلادي.
ظل يتفحصني بنظرة غريبة، كأنه يستعد للبوح بأكبر أسراره.
ثم قال:
— قبل أن أخبرك بعقابك الأخير، أريد أن أخبرك بشيء.
رفعت رأسي ببطء.
— ما هو؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال:
— أنا أعرف والدك ووالدتك منذ زمن طويل. أعرف مكانهما، اسميهما، وكل تفاصيل حياتهما.
لم تدخل كلماته إلى عقلي.
حدقت فيه بعدم فهم.
— ما الذي تهذي به؟
— هذه هي الحقيقة يا روكسينا.
صمت للحظة.
ثم قال:
— أعرف عائلتك... لأنني أنا من قتلتها.
توقف الزمن.
لم أعد أسمع شيئًا سوى طنين حاد يملأ أذني.
هززت رأسي بلا وعي، ثم خرجت مني ضحكة مرتجفة، بينما بدأت الدموع تتجمع في عينيّ وتنحدر على وجنتي.
— لا...
هززت رأسي بعنف.
— هذا مستحيل.
اقترب خطوة.
— روكسينا...
— مستحيل أن تكون جادًا!
ارتفع صوتي.
— هذه مجرد لعبة جديدة، أليس كذلك؟
بدأت أشعر بأنني أفقد عقلي.
— هيا! أخبرني أنها كذبة!
ارتجف صوتي.
— أرجوك... لا تفعل هذا بي.
ثم صرخت:
— أنت لم تقتلهما!
سألته والدموع تغرق وجهي:
— أجبني... أرجوك.
نظر إليّ بشفقة لم أحتملها.
— كلا.
صمت لحظة.
— لقد فعلت.
ثم أضاف:
— وسأخبرك بكل شيء.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أصفعه.
— اخرس!
صفعته مرة أخرى، ثم انهالت ضرباتي الضعيفة على صدره.
— أيها الكاذب... اخرس!
لكن ضرباتي لم تحركه قيد أنملة.
كان جسده ثابتًا، بينما كانت روحي تتمزق من الداخل.
وبينما كنت أضربه، بدأ هو يروي القصة ببرود جعلني أتمنى لو أنني لم أطلب منه الحقيقة يومًا.
— كنتِ في الثامنة من عمرك عندما دخلت منزلكم، في إحدى ليالي الشتاء الباردة.
تجمدت يداي.
— كنتِ نائمة في غرفتك بعد يوم طويل من اللعب بدراجتك الهوائية، وعلى وجهك ابتسامة أمان خالصة.
أغمضت عيني بقوة.
تابع:
— تقدمت نحو المطبخ، حيث كانت والدتك تطهو العشاء بانتظار عودة والدك من العمل.
ثم توقف لحظة قبل أن يكمل:
— كانت تغني لكِ تلك التهويدة التي لطالما أحببتِ سماعها في طفولتك.
«نامي يا صغيرة، نامي... وردة بين أنغامي.
نامي وقلبي لكِ أمان، والليل حولكِ في حنان.
نامي، فنجم قد أضاء عتمة الليل ليحرس أحلامكِ.»
ارتجف جسدي.
لم أعرف لماذا شعرت أن الكلمات مألوفة إلى هذا الحد.
ثم قال:
— وقفت خلفها.
صمت.
— رأتني.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
— وحين أدركت أنني وصلت إلى منزلكم، بدأت تصرخ خوفًا عليكِ.
توقفت أنفاسي.
— انهمرت دموعها وهي تنظر باتجاه غرفتك، وكأنها كانت تحاول حمايتك حتى آخر لحظة في حياتها.
ثم قال ببرود:
— أطلقت الرصاصة.
شهقت.
— استقرت في قلبها، فسقطت أرضًا وعيناها لا تزالان معلقتين بباب غرفتك.
انفجرت شهقاتي.
تابع:
— أما أنتِ... فلم تشعري بشيء.
وضعت يدي على فمي.
— بعدها دخل والدك.
كان يحمل كيس هدايا، وينادي زوجته وابنته بفرح، غير مدرك أن واحدة منهما رحلت بالفعل.
صمت للحظة.
— وجد زوجته غارقة في دمائها.
بدأ صوتي يختنق.
— انحنى نحوها واحتضن جسدها، غير مصدق أنه فقد شريكة حياته في لحظة واحدة.
ثم قال:
— أطلقت الرصاصة الثانية.
أغمضت عيني.
— واستقرت في جمجمته.
ساد الصمت.
— وانتهت حياته.
انهار شيء بداخلي.
تشوش كل شيء حولي، وضربت صاعقة من الألم رأسي، ولم يعد لدي أي سيطرة على شهقاتي أو صرخاتي.
تمنيت الموت في تلك اللحظة.
أي شيء كان سيكون أرحم من الاستماع إلى هذه الحقيقة.
شعرت وكأنني دخلت دوامة من الكذب، لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تكون كذبة.
لم أعد أستطيع مجاراة الواقع.
سقطت على الأرض بلا قوة.
كانت رؤيتي تتشوش تدريجيًا، وبدأ العالم من حولي يختفي.
آخر ما رأيته كان وجه ألكسندر فوقي.
ثم ابتلعني الظلام.
aya