العقاب الأول

العقاب الأول

14 0

استيقظت وأنا أشعر بأن كل خلية في جسدي تؤلمني، خاصة موضع الجرح في فخذي. لم أعد أتذكر متى فقدت وعيي، ولا كيف عدت إلى هذا المنزل مجددًا. كل ما بقي عالقًا في ذاكرتي هو صورة ذلك السائق، ورأسه وهو يتحطم تحت ضربات المطرقة.

اجتاحتني موجة غثيان عنيفة.

شعرت بثقل على طرف السرير، وبرودة تلامس جرحي. رفعت رأسي بصعوبة، فرأيت غريبًا يطهر إصابتي بمادة كحولية نفاذة الرائحة، زادت رغبتي في التقيؤ. أنهى عمله، ثم ألصق ضمادة فوق الجرح، ونهض بهدوء يعيد أدواته إلى حقيبة الإسعافات الأولية.

لفت انتباهي أنه قد غيّر ملابسه. كان يرتدي قميصًا أبيض وسروالًا رياضيًا، بينما أبقى على قناعه الأسود. يبدو أن دم السائق قد لطخ ثيابه، فاضطر إلى تبديلها.

تأملت الغرفة التي كنت فيها. لقد نقلني إلى غرفة أخرى أصغر حجمًا، لكنها لم تكن أقل فخامة من سابقتها. سرير وثير، وإضاءة خافتة تبعث على النعاس، وأريكة أنيقة، وطاولة صغيرة.

قلت بصوت أجش:

ـ لماذا عالجت إصابتي؟

أجاب بثقة:

ـ لأنني لا أريدك أن تموتي... إلا على يدي.

ثم أخرج علبة سجائر من جيبه، وأشعل واحدة، قبل أن يزفر دخانها ببطء.

ـ لقد تسببتِ في الكثير من الفوضى يا مخادعتي... وهذا لا يعجبني.

اختنق صوتي وأنا أتذكر أنني كنت السبب في مقتل ذلك الرجل.

ـ لماذا قتلت السائق؟ لم يكن له أي ذنب.

ضحك بسخرية، ثم قال:

ـ لقد حاول أن يأخذك مني، وأنا لا أسامح من يأخذ ألعابي دون إذني.

كان يتحدث وكأن الأمر مجرد مزحة سخيفة، لا أرواحًا تُزهق بيديه.

ثم أضاف بنبرة يملؤها الإعجاب:

ـ لقد أثرتِ اهتمامي كثيرًا يا روكسينا. أنتِ أول ضحية تجرؤ على النظر في وجهي بهذه الجرأة، دون أن تنهار من الخوف.

عقدت حاجبي بغضب وقلت:

ـ يبدو أن ضحاياك كثيرون... وآخرهن إيلا، نادلة المطعم.

تحولت عيناه إلى نظرة قاتلة، ثم قال باستمتاع:

ـ كانت فتاة حمقاء. ظنت أنني معجب بوجهها القبيح... فنالت جزاء ثقتها بالغرباء.

رمقته بنظرة مليئة بالكراهية.

ـ أنت مختل... بحق.

انحنى قليلًا وقال بسخرية:

ـ شكرًا لإطرائك، يا مخادعتي.

في تلك اللحظة، طُرق باب الغرفة.

نهض غريب من مكانه وفتح الباب، لكنني لم أتمكن من رؤية الطارق بسبب قامته الطويلة التي حجبت الرؤية تمامًا. لم يمضِ سوى لحظات حتى أغلق الباب مجددًا، وكان يحمل بين يديه صينية طعام تفوح منها رائحة شهية.

وضعها أمامي بهدوء وقال:

ـ تفضلي... هذا عشاؤك. أتمنى أن ينال إعجابك.

اشتعل الغضب داخلي. دفعت الصينية بكل قوتي، فتبعثر الأرز وقطع الدجاج على الأرض.

صرخت بانفعال:

ـ لا أريد طعامك اللعين! أفضل أن أموت جوعًا على أن آكل منه!

تابع بعينيه الطعام المتناثر، ثم تجاوزه دون أن يلتفت إليه، حتى وقف أمامي.

ولأعترف... شعرت بالخوف يزحف إلى أعماقي، لكنني أخفيته خلف غضب مصطنع.

التفت يده حول عنقي، وألصقني بالوسادة، ثم ضغط على موضع نبضي بأصابعه الطويلة حتى شعرت بأن أنفاسي بدأت تختنق.

اقترب وهمس بصوت بارد مرعب:

ـ لقد دللتك كثيرًا يا روكسينا... ويبدو أنك بحاجة إلى عقاب يعلمك مع من تتحدثين.

اشتد ضغطه أكثر، ثم أضاف:

ـ من حسن حظك أن اللعبة ستبدأ بعد قليل... وإلا لكنتِ فقدتِ لسانك، أيتها الغبية.

أفلت عنقي أخيرًا.

بدأت أسعل بعنف، بينما أمسكت رقبتي التي أخذت تكتسي بلون مزرق، أحاول التقاط أنفاسي بصعوبة.

جلس غريب أمامي، وشبك أصابعه بهدوء لا يمت بصلة إلى التوتر الذي كان يملأ الغرفة.

قال بنبرة ثابتة:

ـ والآن... لنبدأ بشرح قواعد لعبتنا.

عقدت حاجبي باستغراب وهمست:

ـ عن أي لعبة تتحدث؟ أنا لا أفهم.

ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال:

ـ اسم اللعبة هو تجميع قطع اللوحة المفقودة.

ثم تابع، وقد حملت كلماته تهديدًا خفيًا:

ـ في هذا المنزل توجد ثلاثون قطعة تخص لوحة واحدة، مخبأة في أماكن مختلفة. وعندما تجمعينها كلها، ستكتمل صورة... تعني لك الكثير يا روكسينا، وستكشف لك أسرارًا هربتِ منها طوال حياتك.

استولى الفضول على لساني فسألته:

ـ أي أسرار تقصد؟

طرق بإصبعه على منتصف جبينه ثلاث مرات، ثم قال ساخرًا:

ـ لا تسألي: ما هي الأسرار... بل اسألي: ما هي القواعد، يا مخادعتي الصغيرة.

ابتلعت ريقي وهمست بخوف:

ـ وما هي القواعد؟

نهض من مكانه، واتجه نحو إطار خشبي فارغ يستند إلى الحائط، ثم أشار إليه قائلًا:

ـ أمامك ثلاثون يومًا لتجميع ثلاثين قطعة وإكمال هذه اللوحة.

ـ كل يوم، في تمام الثالثة فجرًا، سأصطحبك للبحث عن قطعة واحدة فقط، ولمدة نصف ساعة لا أكثر.

ـ سيكون المنزل غارقًا في الظلام، ولن أمنحك سوى مصباح يدوي صغير.

أدخل يديه في جيبيه، ثم أكمل بنبرة أكثر حدة:

ـ إذا انتهى اليوم ولم تعثري على القطعة... ستنالين عقابك.

توقف لحظة، ثم أردف وهو يحدق في عيني:

ـ وإذا انتهى الشهر ولم تكتمل اللوحة... فسأمنحك العقاب الأكبر.

جفت شفتاي، وحاولت النطق، لكن الكلمات اختنقت في حلقي.

شعرت وكأنني استيقظت داخل كابوس... لا مفر منه.

استدار نحوي ببطء، ثم انحنى حتى أصبحت عيناه في مستوى عيني، وقال بنظرة ماكرة:

ـ هل فهمتِ القواعد يا روكسينا؟ أم أنني مضطر لإعادتها من جديد؟

ارتبكت من قربه، وهززت رأسي بتردد.

ربت على رأسي برضا، وقال:

ـ فتاة مطيعة... وذكية.

غادر غريب الغرفة، وتركني وحدي أستوعب حجم المصيبة التي وجدت نفسي فيها.

لم أفهم شيئًا مما قاله. كل ما فعلته هو أنني أومأت برأسي حتى يرحل ويتركني وحدي مع أفكاري.

تلك اللعبة... وتلك اللوحة...

ما علاقتهما بي؟

ولماذا اختارني أنا بالذات لألعب معه هذه اللعبة؟

أم أن هناك ضحايا سبقوني؟

زفرت ببطء، ثم همست لنفسي:

ليس لدي خيار... يجب أن ألعب حتى أجد إجابات لكل هذه الأسئلة.

ثلاثون قطعة...

وثلاثون يومًا...

سيكون الأمر أصعب بكثير مما توقعت، خاصة مع الظلام، وجهلي التام بهذا المنزل وخباياه.

كانت عقارب الساعة تتحرك بسرعة مخيفة، وكأنها تنتظر حلول الثالثة فجرًا على أحر من الجمر.

لكن السؤال الأكبر ظل يطاردني...

ماذا لو فشلت؟

يا ترى... ما العقاب الذي ينتظرني؟

هززت رأسي بقوة.

لا... ما يهمني الآن ليس اللوحة ولا قطعها.

كل ما أفكر فيه هو كيفية الهرب من هذا المكان.

سأتظاهر بالبحث عن القطعة، وسأستغل الفرصة للخروج من هنا.

بعد صراع طويل مع أفكاري، اتخذت قراري.

سأبحث... لكن عن طريق للهرب.

دقت الساعة الثالثة تمامًا.

أخذت نفسًا عميقًا، واستعددت لأول جولة في هذه اللعبة.

في تلك اللحظة، انزلقت ورقة صغيرة من أسفل الباب.

اقتربت منها بحذر والتقطتها.

كان مكتوبًا عليها:

«أسفل السرير ستجدين المصباح... بالتوفيق في يومك الأول، يا مخادعتي الصغيرة.»

انحنيت أسفل السرير، فوجدت مصباحًا يدويًا صغيرًا، بالكاد يصدر ضوءًا خافتًا.

وما إن أمسكت به، حتى انطفأت جميع أضواء المنزل دفعة واحدة.

ابتلع الظلام كل شيء.

وفي الجدار المقابل بدأ عدّاد إلكتروني بالظهور.

30:00

ثم بدأ العد التنازلي...

29:59... 29:58... 29:57...

انفتح الباب ببطء.

سواء فتحه غريب، أم كان هناك شخص آخر... لم يعد ذلك يهم.

حان وقت تنفيذ خطتي.

خرجت بحذر، وبدأت أوجه ضوء المصباح في الممر الطويل.

أخذت أبحث عن أي نافذة.

فتحت الأولى...

كانت محمية بقضبان حديدية.

ثم الثانية...

والثالثة...

وجميعها كانت بالطريقة نفسها.

دخلت إحدى الغرف، رغم أن شيئًا بداخلي كان يصرخ طالبًا مني ألا أفعل.

بدت الغرفة فارغة تمامًا.

لا أثاث...

ولا أي أثر للحياة.

ومع ذلك...

لم أشعر أنها غرفة عادية.

لفحت أنفي رائحة نفاذة...

تشبه رائحة الصدأ القديم.

وجهت ضوء المصباح نحو مصدرها.

كان هناك صندوق خشبي ضخم موضوع في إحدى الزوايا.

التفت خلفي بتوتر.

راودني شعور مرعب بأن هناك عيونًا خفية تراقبني من بين الجدران.

اقتربت من الصندوق بخطوات مترددة...

ثم فتحته.

تجمد الدم في عروقي.

كانت بداخله أجزاء بشرية متحللة، تنبعث منها رائحة عفن خانقة، وقد بدأ الدود يلتهم ما تبقى من لحمها.

لم أتحمل المنظر.

انحنيت وأفرغت كل ما في معدتي.

ثم هرعت خارج الغرفة ألهث كالمجنونة.

وأثناء ركضي، سقط المصباح من يدي، وتحطم على الأرض.

غرق المنزل في ظلام دامس.

شعرت وكأن ثقبًا أسود ابتلعني.

ضاق نفسي، وتسارعت دقات قلبي حتى كدت أفقد الوعي.

واصلت الركض بلا اتجاه، حتى وصلت إلى الطابق العلوي.

كان مهجورًا بالكامل.

لا غرف...

ولا أثاث...

فقط جدران باهتة، وغبار كثيف، ومدفأة كبيرة تتراقص فيها ألسنة النار.

جلست على الأرض ألهث، بينما بدأت إصابتي في فخذي تعيق حركتي.

رفعت رأسي.

لمحت نافذة في الجانب الأيسر.

وقفت بصعوبة.

وأخيرًا...

نافذة لا تحيط بها قضبان حديدية.

اندفعت نحوها بكل ما تبقى لدي من قوة، وبدأت أحاول فتحها.

وفي تلك اللحظة...

دوى صوت صفارة حادة في أنحاء المنزل.

أعقبها صوت غريب، وقد امتلأ بالسخرية:

ـ انتهى الوقت يا مخادعتي...

ـ لم تجدي القطعة... وحاولتِ الهرب أيضًا.

ـ يبدو أن بانتظارك... عقابًا ممتعًا... ومزدوجًا.

انتهى الأمر...

لقد أمسك بي.

تحطم آخر أمل كان يربطني بالخروج من هذا المكان، وأصبح مجرد طريق مسدود.

وقف عند عتبة الباب، بينما كنت أشعر بنظراته تخترقني كنصل حاد.

قال بصوت هادئ، أكثر هدوءًا مما ينبغي:

ـ كنت أعلم أنك ذكية... وستحاولين الهرب.

توقف لحظة، ثم أضاف:

ـ لذلك تركت تلك النافذة مفتوحة عمدًا... لأختبرك.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.

ـ لكنها لا تؤدي إلى الخارج، بل إلى غرفة مظلمة مغلقة... وليست مخرجًا كما ظننتِ.

رفعت رأسي إليه بصدمة.

ـ كنت... تعلم؟

بدأ يسير نحوي بخطوات بطيئة.

ابتلعت رائحة عطره الثقيلة التي ملأت المكان، بينما همس بالقرب مني:

ـ لقد خالفتِ قواعد اللعبة... ولم تجدي القطعة في يومك الأول.

ـ والأسوأ من ذلك... أنك حاولتِ الهرب.

فجأة قبض على معصمي بقوة، وجرني خلفه.

حاولت مقاومته، لكن إصابتي أنهكتني.

لم يتوقف حتى وصلنا إلى القبو.

في منتصفه كان يقبع تابوت خشبي ضخم، منحوت بعناية، وكأنه صُنع خصيصًا لهذا اليوم.

التفت إليه وأنا أرتجف.

ـ ما... ما هذا؟

ابتسم برقة غريبة خلف قناعه، ثم مرر يده فوق شعري وقال:

ـ عقابك الأول... يا مخادعتي.

وضع قطعة قماش مبللة بمادة ذات رائحة نفاذة فوق أنفي.

حاولت الابتعاد، لكن جسدي بدأ يفقد قوته بسرعة.

ارتخت أطرافي...

وتشوشت رؤيتي...

ثم ابتلعني الظلام.

...

عندما فتحت عيني، شعرت بأن الهواء لا يكفي لرئة واحدة.

حاولت التحرك...

لكنني اصطدمت بخشب يحيط بي من كل جانب.

كانت المساحة ضيقة إلى حد الاختناق.

أدركت الحقيقة.

لقد حبسني داخل التابوت.

والأسوأ من ذلك...

أنني أعاني من رهاب الأماكن الضيقة.

كنت أعلم أنني إذا بقيت هنا طويلًا... فسأموت، حتى وإن لم يقتلني هو.

بدأت أسمع صوت فحيح خافت.

في البداية ظننته يأتي من خارج التابوت.

لكن...

لا.

كان معي في الداخل.

تجمد الدم في عروقي.

لم أستطع رؤية شيء.

وفجأة...

شعرت بجسم بارد وثقيل يزحف فوق بطني.

توقفت أنفاسي.

لم أعد أجرؤ حتى على الحركة.

أخذ ذلك الكائن يتسلق جسدي ببطء...

حتى توقف أمام وجهي مباشرة.

ومع خيط الضوء الوحيد المتسلل من شقوق الخشب...

رأيت رأسها.

أفعى.

ولم تكن أفعى عادية...

بل ضخمة، ترفع رأسها في هدوء، ولسانها المشقوق يخرج ويختفي، كأنها تنتظر اللحظة المناسبة لتنقض علي.

أغمضت عيني.

لأول مرة...

شعرت أن الموت أصبح أقرب إليّ من أنفاسي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الحقيقة

المؤلف aya
2026/05/15 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة