تكملة الفصل الرابع

تكملة الفصل الرابع

31 0

شعرت بغثيان يزحف إلى معدتي، مع تسرب رائحة الحديد الثقيلة في الأجواء، لذلك ابتعدت عن مسرح الجريمة عدة خطوات، محاولة استعادة انفاسي، حينها لمحت ديمتري يتحدث مع رئيس فرقة الشرطة العلمية، بينما ارتسم الانزعاج بوضوح على ملامحه المتجهمة.

فجأة غطى الدخان المكان، بينما تقدم ماكس بخطواته المتعجرفة نحوي، وهو يحمل سيجارته المعتادة بين اصابعه، ثم قال بسخرية لا تتناسب مع جدية الموقف :

_ غريبة الأطوار لماذا تأخرتي؟ هل كنت تنتظرين اميرا ليأتي و يوقضك؟

زفرت بهدوء محاولة ضبط اعصابي، ثم اردفت :

_ بصراحة كنت احلم بك تغرق في بركة ماء.

لمع المكر في عينيه ورد بنبرة لعوبة :

_ بالتأكيد لم تستطيعي تحمل وسامتي وغرقت معي.

_ آسفة يا عبقري الكوارث، لكنك بدوت بشعا بشكل مؤسف.

اقترب خطوة إضافية، وابتسم ابتسامة مستفزة، ثم نفث دخان سيجارته نحو وجهي.

سعلت بقوة وصرخت به :

_ ابعد عني هذه القمامة!!

وقبل ان يرد علي ماكس، أنظم لنا ديمتري وقال بهدوء :

_ لا توجد اية أدلة او بصمات، حتى الكاميرات معطلة بسبب الأمطار الغزيرة، ولم تتمكن من تسجيل اي شىئ.

نظرت له وقلت :

_ يد المرأة مقطوعة، وانا أشك بنسبة كبيرة انها نفس اليد الموجودة في ذلك الصندوق.

في تلك اللحظة رمى ماكس سيجارته ودعسها بقدمه بلامبالاة، قبل أن يسأل :

_ عم تتحدثون بالضبط؟

شرح له ديمتري باختصار كل ماحدث.

تقدم ماكس نحو موقع الجثة، وتأملها بدقة شديدة،ثم قال بنبرة تحليلية :

_ الضحية لم تقتل هنا، بل تم القاء جثتها في هذا المكان لتشتيت التحقيق.

اشار للجثة ثم تابع :

_ لاحظوا كمية الدماء المتدفقة انها ناتجة عن شق في الرقبة فقط، لما بالنسبة للجلد المسلوخ، فالدم يكاد يكون جافا، ولو سلخ الجلد هنا لكانت كمية الدم أكبر بكثير من ذلك.

وجهت نظري نحو ماكس بدهشة من دقة تحليله :

_ معك حق من المستحيل ان تكون الجريمة قد حدثت كاملة هنا، لانه ببساطة كانت ستحدث جلبة كافية لايقاظ سكان العمارات. حتى ملامح وجهها تبدو وكأنها تعرضت لضربة مباغتة.

وقبل ان اكمل، دلف الينا احد رجال الشرطة وهو يحمل بيده تقريرا وقال :

_ سيدتي، الوفاة كانت في الساعة الثانية والنصف، نتيجة نزيف داخلي في الرأس بسبب ضربة قوية تعرضت لها الفتاة.

ساله ديمتري بسرعة :

_ هل وجدتم اي آثار لمقاومة على جسدها؟

أجاب الشرطي :

_ لا يا سيدي، لكن هناك امر مهم أخبرتنا به احدى صديقاتها.

تبادلنا النظرات بصمت ليكمل :

_ قبل وفاتها بساعتين، اتصلت بها واخبرتها انها ستركب مع رجل وسيم ليقلها إلى منزلها لان سيارتها تعطلت، وبعدها انقطع الاتصال،ولم يفتح هاتفها مجددا.

هكذا اذن......

أعطيت الشرطي الصندوق الذي يحتوي على اليد، وطلبت منه اخذها لعرضها على الطب الشرعي مع الجثة، وايضا التحقيق مع صديقتها عن امر المكالمة، فربما تكون بداية حل لهذا اللغز.

بقينا هناك انا وديمتري، وماكس، قرابة ساعة قبل أن ننطلق نحو المركز لبدء التحقيق رسميا في القضية.

بمجرد وصولنا، دلفنا إلى مكتبي وعلامات الإرهاق بادية على وجوهنا، لكن كل واحد منا اخفاها بطريقته الخاصة.

جلسنا لبضع دقائق دون كلام، حتى قطع هذا الصمت ماكس وهو يتفحص المكان حوله :

_ مكتبك غريب مثلك تماما.

رفعت رأسي نحوه وقلت ببرود :

_ انه افضل من غرفة المراهقين التي تعمل بها.

ابتسم بسخرية واجاب:

_ اسمه الفن يا منعدمة الذوق.

تناولت ملفا من فوق الطاولة ورميته نحوه، لكنه اصاب وجه ديمتري بالخطأ.

صرخ متألما :

_ آه!! روكسينا، وجهي!!

نظر إلي ماكس وهو يمرر لسانه فوق أسنانه باستفزاز :

_ انت مصوبة سيئة، مارأيك ان اعطيك دروسا خصوصية في التصويب؟

نهضت بهدوء قاتل من الكرسي، وانا اقبض على يدي بضيق:

_ منعدمة الذوق، و مصوبة سيئة، هل تريد الموت يا عبقري الكوارث؟!

اختبأ ماكس خلف ديمتري بخوف مصطنع، وهو يقول بدرامية :

_ ياالهي الم أخبرك انها مصاصة دماء!؟ انظر اليها ستتحول وتقضي علينا.

وهنا طفح الكيل...

انقضضت عليه كأس جائع، وشددت شعره، بينما حاول ديمتري عبثا فض هذا الشجار، قبل أن ينجح بصعوبة بعد محاولات.

_ اقسم لك يا ماكس، ان تجرأت وعبثت معي مجددا، ساقتلع عينيك من محجريهما، اتفهم؟

همس بصوت مسموع وهو يعدل ياقة قميصه، وخصلات شعره الشقراء امام المرآة :

_ تشه... فتاة متوحشة بحق

_ ماكس!!!!!!!!!!!!

صرخت بانفعال.

زفر ديمتري بيأس من تصرفات هذا المراهق، ثم قال بجدية :

_ يا رفاق، اتمنى ان تؤجلوا قتالكم لوقت آخر لانه لدينا قضية علينا حلها.

تنحنحت بحرج وعدت إلى مقعدي.

_ هل تعتقدين ان القاتل يعرفك شخصيا؟

سأل ديمتري.

اجبت بكلمات مهزوزة :

_ لا أعرف حقا، أشعر انني دخلت دوامة لا نهاية لها، لكن ما يحيرني هو لماذا انا بالذات؟ أعني كان بإمكانه فعل ذلك معك أو مع ماكس ايضا... وكيف عرف عنواني ورقم هاتفي، ووصل الي بهذه السهولة؟ لا أدري.

ظل ماكس صامتا لبرهة، قبل أن يقول :

_ ربما يكون شخصا يحمل ثأرا قديما ضدك من العمل.

هززت رأسي نافية :

_ لا اظن ذلك، جميعهم في السجن.

تراجع ماكس بكرسيه إلى الخلف، واسند رأسه على المقعد، ثم اردف بقلق واضح خلف عينيه الزرقاوين :

_ اسمعي يا غريبه الأطوار... الأمر لا يستهان به، يجب أن تأخذي حذرك حتى نقبض على الفاعل، ومن الأفضل أن تغيري مسكنك، او على الاقل تستأجري حراسا لحمايتك.

هربت مني ضحكة مباغتة، عندما تخيلت نفسي اسير في الشارع بين حارسين ضخمين كصوص ضائع.

في لحظة، اشتعل الغضب داخل أعين ماكس، ونهض من الكرسي بعنف :

_ هل هناك شيئ مضحك بحق الجحيم؟! هل تريدين الموت يا فتاة؟ كل ما يتعلق بحياتك تأخذينه على محمل المزاح!

في المرة السابقة كدت تموتين على يد ذلك المختل اللعين، وهذه المرة زراك قاتل في منزلك.... وفي المستقبل لا أعلم ماذا سيحدث! حقا انت غريبة، غريبة لدرجة تفقدني صوابي!

أنهى كلماته، ثم اندفع خارج المكتب، رازعا الباب خلفه بقوة جعلته يهتز، كما لو أنه تعرض لعاصفة.

ساد هدوء قاتم بعد مغادرة ماكس للمكتب، والذي تبعه ديمتري ذاهبا للكافيتريا المجاورة للمبنى، بينم بقيت وحدي أواجه أفكاري المشوشة.

مرت دقائق طويلة بدت كأنها دهور، قبل أن يعود ديمتري اخيرا.

القى فوق الطاولة ملفا سميكا جلديا، فتبعثرت منه صور مروعة لمسرح الجريمة.

_ لقد وصل ما كنا ننتظره.

فالها بمزيج غريب من التوتر والحماس.

رفعت نظري نحوه وسألته :

_ اين ماكس؟

أجاب وهو يجلس قبالتي :

_ رأيته يدخن بالخارج و.......

توقف فجأة عن الكلام، عندما انفتح الباب ودخل ماكس تسبقه رائحة التبغ الباردة.

قال بصوت اجش من اثر التدخين :

_ هل وصل الملف؟

اجبته بهدوء :

_ اجل

اقترب ببطئ من الطاولة، ثم تكلم بنبرة اخفض من سخريته المعتادة :

_ اذن ماذا تنتظران؟ افتحاه.

فتح ديمتري الملف وبدأ يقرأ المعلومات الأولية التي جمعت عن الضحية.

علمنا ان الفتاة تدعى آيلا فلاديمير، كندية الجنسية، تبلغ من العمر 25 سنة، وتعيش بمفردها في الشارع رقم 45 في شقة متواضعة.

جائت من كندا إلى هنا بمنحة دراسية، تعمل كنادلة في احدى مقاهي مدريد الصغيرة، من أجل تغطية تكاليف دراستها ومعيشتها.

كانت فتاة جميلة، ذات اعين صافية بلون البحر، وشعر ناري متوهج، وابتسامة مفعمة بالحيوية.

اما عن آخر مرة شوهدت فيها، فكانت عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، بينما تغادر من العمل.

وضعت الصور أسفل المصباح لتتضح معالمها بشكل مربك،ثم اقتربت منها ببطئ اراقب وضعية الجثة بعين متفحصة.

كان جسدها ممدا على ظهره، كما لو انه القي بعشوائية بعد انتهاء الجريمة، بينما قطعت يدها اليسرى تاركة فراغا بشعا يحيط به الدم المتجلط.

كانت ركبتها مطوية الى الداخل بطريقة توحي انها سحبت لمسافة قصيرة، وهذا ما أكدته آثار التربة العالقة بملابسها.

اما طريقة السلخ فكانت احترافية بشكل مرعب، لكن اثناء قطع اليد، بدا واضحا ان القاتل مر بلحظة توتر او استعجال، إذ ظهرت خدوش متعرجة حول المعصم تدل على حركة غير ثابتة، نفذت دون تركيز كامل، وهذا عزز من احتمالية انها انتزعت هنا، في لحظة قصيرة مضطربة.

كلما تعمقنا أكثر في التفاصيل ازداد الرعب بداخلي، من شدة ذكاء هذا القاتل المتمرس، خاصة بعدما توصلت إلى استنتاج صادم :

لقد شق رقبة الضحية عمدا، فقط ليغرق المكان بالدماء ويقنع الشرطة بأن الجريمة حدثت هنا.

فتح ديمتري احدى الأوراق داخل الملف، ثم قال بتركيز :

_ يا رفاق اقرؤا هذا، لقد تم تحليل دم آيلا، ووجدوا نسبة مرتفعة من مخدر Ketamine.

قطبت حاجبي بتعجب:

_ اليس هذا النوع من المخدرات يستخدم من طرف الشرطة في الحالات الطارئة.

أجاب ديمتري وهو يقلب الصفحة التالية :

_ بلى، لكنه لا يباع بشكل عادي، واستعماله مقيد قانونيا.

سألت باستغراب :

_ لكن كيف وصل إلى جسد آيلا؟

لم يجب احد.

شعرت بالصداع يفتك بما تبقى من تركيزي، تقدمت نحو النافذة وفتحتها على عجل .اندفع الهواء البارد إلى الداخل، فأخذت شهيقا طويلا احاول به ترتيب أفكاري المبعثرة.

وفجأة لمعت في ذهني تفصيلة صغيرة كنت قد تجاهلتها.

استدرت بسرعة نحوهما.

_ الم يخبرنا الشرطي ان آيلا اتصلت بإحدى صديقاتها قبل إختفائها بساعتين؟ وقالت انها قابلت رجلا وسيما سيوصلها؟

أجاب ديمتري :

_ اجل لماذا؟

اقتربت من الطاولة، واسندت يدي فوق الصور المبعثرة.

_ وآخر مرة شهدت فيها كانت عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، صحيح؟

_ صحيح

رفعت نظري نحوهما :

_ منزلها يبعد عن المطعم بحوالي ساعة ونصف بالسيارة، ولو افترضنا ان ذلك الرجل اوصلها وهي ماتزال حية، فهذا يعني انها كانت ستصل قرابة الثانية والنصف.

ساد الصمت للحظة قصيرة.

_ لكن تقرير الوفاة يشير إلى انها ماتت تقريبا في ذلك الوقت، وهذا يعني أن آيلا لم تصل إلى البناية حية اصلا.

ضيق ماكس عينيه وهو يتابع كلامي بصمت بينما واصلت :

_ اعتقد انها توفيت بعد ذلك الاتصال مباشرة حيث عرض عليها الفاعل ماءا او مشروبا وضع فيه المخدر سابقا.

أشرت الى الملف :

_وبما ان التحريات تؤكد انها كانت تستهلك الكحول باستمرار، فمن المحتمل أن تأثير المخدر لم يكن كاملا في البداية لذلك بقيت شبه واعية بما يحدث.

تبادل ديمتري وماكس النظرات، بينما اكملت بصوت أكثر انخفاضا :

_وهنا اضطر القاتل الي ضربها بقوة على الرأس لإفقادها الوعي لكنه لم يدرك ان الضربة كانت قاتلة.

شعرت بقشعريرة باردة تزحف عبر جسدي، وانا اصل إلى الجزء الأخير من تحليلي :

_ بعد ذلك اخذ جثتها إلى مكان قريب من البناية، كي يسهل نقلها بعد انتهائه من تمزيق جسدها، من أجل تظليل التحقيق، ثم تذكر فجأة انه بحاجة إلى اليد.

خفضت بصري نحو الجثة :

_ وفي لحظة استعجال، قطعها بطريقة فوضوية، ووضعها داخل الصندوق، وارسلها الي، قبل أن يختفي في الظلام

يتخلص من كل ما يربطه بآيلا

قال ديمتري بهدوء :

_ لكن هناك امر غير مفهوم، كيف ركبت آيلا مع هذا الرجل الغريب بسهولة؟ ومالذي يثبت انها لم تختطف بالقوة؟

نظرت إلى قطرات الندى التي بدأت تتشكل على زجاج النافذة :

_ ربما لم يكن غريبا كما نظن......

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الحقيقة

المؤلف aya
2026/05/15 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة