تكملة الفصل الثاني

تكملة الفصل الثاني

45 0

الساعة الثامنة صباحا، أقف امام المرآة انظر لانعكاس وجهي الشاحب، لقد كانت هناك فتاة تشبهني لكنها ليست انا، وضعت آخر لمساتي على شعري المنسدل فوق كتفي، وحملت هاتفي وحقيبتي، اغلقت الباب خلفي ببطئ خوفا من أن اخرب ذكرياتي الساكنة.

رحلت وتركت هذه الغرفة الكئيبة، بعدما انتهت مدة مكوثي في المشفى لمدة أسبوع كامل، مشيت في الرواق الطويل، وانا اقلب انظاري بين مريض وآخر، حتى رأيت الدكتور ويليام يقترب مني والابتسامة تشق محياه قائلا :

_هقد استرجعت عافيتك ووقفت على قدميك مجددا، وستعودين إلى مطاردة المجرمين، فلقد اشتاقوا لك كثيرا.

استلطفت كلامه، وشكرته على مجهوداته، وغادرت المكان جسدا لا روحا.

اتجهت نحو سيارتي الجديدة التي لم يمضي زمن منذ أن اشتريتها، ركبتها وسوقتها عائدة إلى دياري.

كان الطريق زلقا لذلك كنت اسوق بخذر شديد كي لا اتعرض لحادث آخر لا تحمد عقباه، وفي أثناء سياقتي لمحت وجود حديقة على الجهة المقابلة، يلعب فيها الأطفال، وصدى ضحاكتهم تسلل كالمغناطيس الرنان إلى اذني، جاعلا مني اتوقف عند بابها، نزلت ودخلتها، وآه على المنظر الذي شهدته مقلاتي، كم كان جميلا ان ارى بلورات الثلج تكسوا كل شجرة ذابلة، وهواءا ينعش القلب ويدخل له البهجة، املت رأسي لاتأمل الكراسي الخشبية المرتجفة من البرد، ومازاد المشهد براءة هو وجود تلك الكائنات الصغيرة، يستمتعون باللعب، ولا يدركون بشاعة العالم من حولهم.

ظللت فترة اتأمل الحديقة، حتى شاهدت طفلا يناهز عمر السادسة سقط من إحدى الارجوحات، ويبدو ان ركبته قد جرحت، فراح والديه يركضان نحوه كما لو ان قلوبهم هي من سقطت، يتفحصونه كجوهرة ثمينة يخشون فقدانها، حينها مرت عليا عاصفة كلمات ديمتري، في الحقيقة هو على حق كيف لي أن أشعر به، وانا لم امسك يد ابي يوما، ولم تحكي لي امي قصة قبل النوم، تنزع بها خوفي من الوحوش الموجودة في الخزانة، لكنني احيانا اتسائل لماذا؟

لماذا قدر لي الحرمان من أبسط حقوقي؟ ، لقد تمنيت فقط حضنا دافئ، وسندا اتكئ عليه عندما اتعب

لماذا ملزم علي ان ارى حاجتي عند غيري؟ لقد بدأت أشك بأنني مصابة بلعنة ستطاردني لبقية حياتي.

كل هذه الأفكار تزاحمت في عقلي محدثة ضجيجا لا نهاية له.

واخيرا بصعوبة شديدة انتشلت نفسي من مستنقع الحنين الذي حاوطني من كل الجهات، عدت ادراجي إلى المنزل، أخرجت المفاتيح وفتحت الباب، لتستقبلني أحضان الدفئ المنبعثة منه، ترحب بي بعد زمن طويل من الاشتياق.

نزعت معطفي وعلقته، وانتشلت حذائي المبتل ووضعته في مكانه المخصص، مشيت في الارجاء، وسط موجة من الأمان اجتاحتني تغمرني في راحة مثالية بعد اسبوع حافل بالمفاجأت.

ما أجمل أن تعود لموطنك بعد غياب كنت مجبرا عليه.

تقدمت نحو غرفة الجلوس اتفحص المكان، كان كل شيئ كما تركته، تلك اللوحات القديمة المعلقة لدوستوفوسكي، الورود تجلس داخل الفازة، ذابلة تنتظر من يغيث حياتها، الكتب مرصوصة بعناية فوق الطاولة التي تتوسط السجادة المطرزة، الضوء الخافت تسلل من الصباح يعكس الظلال على الجدران، ولكل ظل حكاية منسية.

1

ارتميت على الاريكة اتنفس ببطئ، واستمع إلى سمفونية عندليب جارتي العجوز.

قاطع لحظات استرخائي صوت طرق على الباب، استغربت الأمر فما عساه الطارق، نهضت بثقل وفتحت الباب، فإذ بها اول فيا تقف وبيدها كيس كبير، وعلى وجهها ابتسامة واسعة، وبمجرد ان رأتني قفزت علي تحضنني بحنين.

بادلتها الحضن برحابة صدر، ثم طلبت منها الدخول.

دلفت اولوفيا إلى البيت بينما تتفحص المكان حولها وهي تقول :

_ واو منزلك مرتب توقعت وجود فوضى عارمة بعد كل هذا الغياب.

اجبتها بصوت مرتفع من المطبخ :

_ لقد أخبرت الأشباح ان تنظف المنزل قبل عودتي

_ خسارة كنت مستعدة لإلقاء محاضرة عن ترتيب الحياة.

رفعت حاجبي باستنكار :

_ محاضرة منك، هذا مستحيل، وعلى أي حال القهوة تأتي اولا ثم الوعظ.

_ حسنا لكن انا أحذرك ان كانت قهوتك بنفس الجودة ساطالب بتعويض امعائي.

_ اعتقدت انك اشتقتي إلى مرارة لذيذة

_ بصراحة اجل فلا أحد يحرقها مثلك

_ هذا ليس حرقا انها نكهة خاصة

ضحكت وهي ترفع الكوب :

_ ساسميها نكهة الصمود.

جلست انا وهي نتسامر حتى حلول الظلام، فطلبت منها المبيت معي هذه الليلة فليس لدي رغبة للعودة إلى قوقعة الوحدة مجددا، وبعد الحاح طويل وافقت اخيرا.

في الصباح الباكر استيقظت على ازعاج رنين المنبه، مشيرا إلى وصول الساعة 7:00، تزحزحت من السرير بخمول ودلفت إلى الحمام لاقوم بروتيني المعتاد، وضعت بعض المكياج اخفي به هالاتي السوداء من سهر ليلة البارحة، ارتديت بنطالا اسود مع بلوزة صوفية حمراء، وغطيتها بجاكيت كي يحميني من العاصفة بالخارج، علقت السلاح على خصري، ورفعت شعري في شكل ذيل حصان، وخرجت تاركة اولوفيا غارقة في سبات عميق.

ركبت السيارة ومررت بمقهى المدينة المشهور، وكالعادة كام المحل مكتض بعدد لا يحصى من الزبائن، وبعد وقت ليس بالطويل، استطعت أن احصل على طلبي الذي كان عبارة عن لاتيه مثلج مع كعكة بذوق التوت.

2

مرت نصف ساعة حتى ركنت العربية امام المركز شامخ البناية.

ولجت إلى الداخل وكلي حماس لعودتي إلى مكتبي.

الطريق بدا طويلا أكثر من المعتاد، وكل انعطافة في الممرات تجعل ذاكرتي تعود إلى أصوات وصور لا استطيع نسيانها.

دخلت إلى المكتب حيث كان الجو هادئا على نحو مقلق، تكدست فوقه ملفات قديمة صامتة، تحت ضوء مصباح باهت، انتشرت رائحة الورق العتيق والحبر في جميع زوايا، وبدا الكرسي خلف المكتب فارغا ينتظر عودتي.

فجأة استوقفني ووجود ملف غريب كان موضوعا على كومة المستندات، لم يكن عليه أي معلومات تدل على محتواه، لا اسم، لا هوية، فقط ورق اصفر، وهنا توقف الزمن بي للحظة، شعور متناقض بين الفصول والخوف تسلل إلى قلبي، حتى الهواء أصبح ثقيلا. وقبل ان المسه بأطراف اناملي، فتح الباب على حين غفلة، ودخل الشرطي وهو يلهث قائلا :

_ سيدتي الرئيس يريدك فورا في الاجتماع!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الحقيقة

المؤلف aya
2026/05/15 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة