ملف بلا هوية

ملف بلا هوية

45 0

لطالما تسائلت كيف يكون شعور الموت؟

اهو مؤلم كما يدعون؟ ام انه خلاص لعذاب الروح؟

1

____________________________________________

لا أعلم أين أنا الآن، ولا ان كنت لا ازال على قيد الحياة ام انني عبرت عالما آخر.

اجبرت جفوني ان تفتح بتلاتها ببطئ شديد، وكأنها تقاوم قرارا لم تتخذه بعد. اخترق الضوء عيني كسهم حاد، فاضطررت لاغلاقهما مجددا، ثم شيئا فشيئا بدأت اتأقلم مع نور الغرفة.

اول ما وقعت عليه انظاري كان عددا من الالات الطبية تحيط بي، تصدر أصواتا منتظمة تنخر في رأسي بإلحاح مزعج. رائحة الكحول سيطرت على المكان، والجدران البيضاء الشاحبة بدت كأم ثكلى فقدت أبنائها دفعة واحدة، عندها فقط أدركت الحقيقة..... انا في المستشفى.

تدريجيا بدأت ذاكرتي تعود، مشوشة ثم واضحة..... الطعنة... الألم.... وصوت تلك الطلقة النارية، التي لا يزال صداها يتردد في اذني حتى الآن.

جسدي كان ثقيلا، وكأن اطنانا من الحديد وضعت فوقه، وحين حاولت التحرك لاستقيم، اجتاحتني موجة عنيفة من الألم شلت كياني، فصرخت دون وعي.

2

مرت ثوان حتى فتح الباب، ودخل رجل قصير القامة، حليق الرأس،يرتدي نظارة طبية، ومعطفا ابيضا بدا قديما بعض الشيئ، مما زاد من سوء مظهره. وقبل ان انبس ببنت شفة، تحدث بنبرة تحمل طمأنينة غير متوقعة :

_ لا تقلقي آنسة روكسينا، انت في المشفى الآن، لقد تعرضت لطعنة على مستوى الكلية، ولو لا تدخل السيد ديمتري لكنتي في عداد الموتى.

استوعبت تلك الكلمات ببطئ شديد، ثم سألته :

_ اين هو الآن؟

_ انه في الطابق السفلي، يدفع تكاليف.....

وقبل ان يكمل الطبيب كلامه، انفتح الباب، لتندفع اولوفيا إلى الداخل ودموعها تسبقها، وخلفها ديمتري بطوله الفارع، وهيبته الصامتة.

_ ياالهي يا صاحبة عمري! كنت ستقتلين على يد ذلك المسخ، آه يا زهرة شبابك الضائع بين ايدي المجرمين والمرضى النفسيين!

1

انهت صديقتي كلامها وهي تذرف دموعا مسترسلة على خديها المطلية باحمر الخدود.

بدون وعي مني وجدت نفسي اضحك...

ضحكة خفيفة متعبة، لكنها حقيقية، كسرت ثقل الوجع للحظة قصيرة.

نظرت لها بمزيج من السخرية واردفت :

_ هيا يا فتاة توقفي عن ذرف الدموع، وكأننا في مشهد درامي رخيص، انا لازال على قيد الحياة، والعار عليك! بدل ان تفرحي بعودتي قطعة واحدة، تقفين هنا تبكين؟!

لم يدم بكاؤها طويلا، وسرعان ما تحول إلى غضب يكاد يخرج من عينيها ويحرقني،لدرجة انها انتزعت باقة الورد من يد المحقق ورمتني بها وهي تصرخ بانفعال :

_ اتعلمين وضعك الآن؟ ساعة واحدة فقط مرت على خروجك من غرفة العمليات، ومع ذلك لديك الجرأة لتسخري؟ كدت ان تموتي، وانت تتصرفين وكأنك كنت في نزهة!

1

كانت تلك اللحظات تشبه الأمل الذي يأتيك بعد أن تعلن استسلامك في حرب الحياة، كطفل ظن ان لعبته المفضلة ضاعت للأبد، ثم وجدها فجأة.

مرت الدقائق كنسمة الهواء، حتى انني نسيت وجود الدكتو و ديمتري، اللذين تنحيا جانبا، وكأن المشهد بات يخصني انا وذلك الكائن متقلب المزاج.

بعد فترة من الوقت، طلبت من اولوفيا الخروج بحجة ان الطبيب يريد مناقشة اجراءات الخروج معها، لكن الهدف الحقيقي كان غير ذلك.

هناك سؤال ينبض في رأسي بلا توقف منذ أن فتحت عيني على هذا السرير...... وهو الوحيد الذي يعرف اجابته.

خيم الصمت علينا ثقيلا للحظات، تعد على رؤوس الأصابع، حتى قطعته بصرخة سؤال كانت كفيلة بأن تذيب ملامح وجهه الجامدة :

_ لما أطلقت عليه؟

توقف ديمتري فترة وجيزة، يستوعب كلماتي الثقيلة، وعيناه تتراقصان بغضب وندم، ثم أجاب ببطئ، يحاول ان يتدارك زمام الفاظه، وكأن كل كلمة يطلقها فمه تقتله : _ لم استطع رؤيته يتنفس امامي بعد كل ما فعله بها، لقد اردت ان اجعله يتجرع من نفس الكأس الذي سقيت منه طيلة هذه الدهور.

_ وهل انتقامك سيعيدها للحياة؟

لم ينطق بحرف واحد، وبكلامي هذا اعلم جيدا انني قد اشعلت لهيب الذكريات المؤلمة، التي اخذت طريقها إلى عقله بماض اسود، قدر له ان يعيشه. وجهت نظراتي المتفهمة، وقابلته بكلام لن يغير حقيقة الواقع لكنه قد يغير شعوره :

_ انا ادري ان انطونيو كان سببا في موت اختك الوحيدة، التي كانت كل عائلتك، لكن صدقني الانتقام ليس حلا لكل هذا، عقلك يخدعك طيلة هذه السنوات بأن قتله سيطفئ نار غليلك.

يجب أن تنسى.... لا يوجد حل غير النسيان.

هنا فقط فقد ديمتري اعصابه، ولمحت رعشات الألم تجتاح جسده دون أن يبوح بها، وبدون وعي منه رماني بكلام حطم قلبي :

_ لا استطيع! لا استطيع النسيان..... لا استطيع ان انسى صوت توسلاتها، ولا منظر جثتها المقطعة بين يدي، لم استطع انقاذها، لقد ماتت بسببي، لو لم اتورط مع لعنته لكانت الان حية بجانبي، لقد اخذ مني آخر ذكرى لي من والدي، كيف تردينني ان انسى ببساطة؟ هل تعتقدين ان الامر سهل علي؟ لقد حاولت، حاولت حتى انهكت طاقتي، انت لم تعيشي مع عائلة حقيقية، ولا تعرفين معنى الحنان او الفقد، لذلك لا تتكلمي وكأنك.......

4

لم اتمالك نفسي اكثر من ذلك، ولم اعد احتمل وقع كلماته القاسية، وفجأة انطلقت يدي بقوة، لا أدري من اين استمدتتها، صفعته صفعة قوية، صدمتني بحدة بقدر ما صدمته، وكأن كل غضبي، حزني، انفجر في تلك اللحظة

_ اخرج، اخرج ولا أريد رؤية وجهك امامي مرة أخرى.

____________________________________________

هذا الجزء الأول من الفصل التكملة ستكون في فصل آخر، اتمنى ان يعجبكم.

2
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الحقيقة

المؤلف aya
2026/05/15 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة