كنتُ غارقةً في كوابيسٍ عديدة، مستلقيةً على سريرٍ بدا وكأنه قطعةٌ من الحديد البارد. كان جسدي متيبسًا ومشدودًا، ينتظر اللحظة التي يعود فيها شعور الاحتراق ليغمره من جديد.
كان رأسي مثقلًا بأسئلةٍ كثيرة، ومخاوفَ تفتك به ببطء. أصبحت أخشى فتح عيني، فأجد النار تتراقص حولي. أردتُ البكاء... أردتُ الصراخ... لكن دموعي وقوتي خذلتاني في كل مرة.
كلما أغمضت عيني، أغرق في دوامةٍ من أحداثٍ لا أفهم مغزاها. اختلطت الأيام بالليالي، والنوم باليقظة، حتى أصبح التنفس مهمةً شاقة بالنسبة إليّ. شعرتُ وكأنني دخلت بوابةً غريبة، يُمنع فيها كلُّ أنواع الراحة.
كل خليةٍ في جسدي كانت تصرخ بأوهامٍ لا حقيقة لها. ورائحة الدخان ما زالت عالقةً داخل أضلعي. أما الغرفة، فقد أصبحت جدرانها باردة... باردة كوجه الموتى داخل قبورهم.
لا أعلم إن كانت الحياة قد ماتت في عيني، أم أن كل ما أراه كان حقيقةً مؤلمة.
ستقولون عني مجنونة لو أخبرتكم أن غريب كان الأنيس الوحيد وسط كل هذا الخراب. حتى أنا استغربت من نفسي... كيف لي أن أشعر بشيءٍ نحوه، رغم أنه سبب كل هذه المعاناة؟ وربما كانت الحمى قد بدأت تعبث بعقلي فعلًا.
من وقتٍ إلى آخر، كنت أشعر بشيءٍ بارد يُوضع على جبيني. أظنها كماداتٌ لمحاولة خفض حرارتي المرتفعة. وفي كل مرة كنت أغرق فيها، كان غريب ينتشلني من الهلاك الذي صنعه بيديه.
مر الوقت، وخفت آلامي الجسدية، على عكس نفسي التي بقيت حطامًا. كنت لا أزال نائمة، أخشى الاستيقاظ... أو ربما أحاول الهرب من واقعٍ أخشى مواجهته.
لكن اليوم... استجمعت قواي من جديد.
لن أخرج من هذا المنزل إن بقيت ألعب دور الضحية الضعيفة التي تسقط مع كل ضربة. كان هذا هو الحل. فالقوة وحدها لا تكفي عندما يكون ما بداخلك هشًّا. يمكنك أن تأمر جسدك ألا يتألم، وأن تطلب من قلبك أن يختنق، أو أن يتجاهل مشاعره... لكن ذلك لا يعني أنه سيفعل.
لطالما كان هذا شعاري طوال حياتي، ولم أعتقد يومًا أنه سيصبح واقعي.
انفرج جفناي، مبتعدين عن بقايا النعاس الطويل. هذه المرة لم يكن جسدي عدوًا لي. وضعت قدمي على الأرض برعشة، وكأنني طفلة تتعلم المشي لأول مرة. غلّف الضباب عيني للحظة، ثم تلاشى في ومضة.
أخرجت زفيرًا مرتجفًا من أنفي، واستنشقت الهواء الطبيعي بعد انقطاعٍ طويل.
خطوت نحو الحمام، وفتحت صنبور المياه ليتدفق ببطء. رفعت رأسي إلى المرآة، فتأملت انعكاسي بصمت. تشكلت هالات داكنة أسفل عيني من شدة الإرهاق، وشحب لون بشرتي من كثرة بقائي في الظلام، حتى اللمعة التي كانت تزين عينيّ اختفت منذ زمن. أما شعري، فكان منكوشًا بطريقة تثير الضحك والشفقة في آنٍ واحد.
غسلت وجهي بالماء البارد لعلني أستعيد شيئًا من يقظتي، ثم دخلت لأستحم.
ومع كل قطرة ماء كانت تنساب فوق جسدي، شعرت وكأن ذرة من الخوف تغادرني، وتترك مكانها لقوة جديدة... ربما كانت زائفة، وربما كانت حقيقية.
تسلل إلى أذني صوت انفتاح الباب.
أغلقت المرش بسرعة، وخرجت من الحمام. لحسن الحظ أنني كنت قد أحضرت ملابسي معي قبل دخولي، فارتديتها على عجل، بينما بقيت عيناي معلقتين بالباب.
استجمعت شجاعتي، وخرجت بهدوء مصطنع.
لم أكلف نفسي حتى عناء النظر إليه.
سحبت كرسي التسريحة وجلست أمام المرآة. فتحت الدرج، وأخرجت مجفف الشعر والمشط المسنن. حررت خصلات شعري من المنشفة، وبدأت أسرحها، متعمدة تجاهل وجوده.
لكنني شعرت بظله الطويل يتمدد خلفي، وعطره الثقيل يقتحم حواسي بجنون.
ارتجفت أناملي، وبالكاد استطعت السيطرة عليها.
وضعت المشط فوق الطاولة، إلا أنه انتشله بيده المغطاة بالقفاز الجلدي.
مرره ببطء بين خصلات شعري...
توقفت عن الحركة، وحبست أنفاسي داخلي.
جلست أتأمل ما يفعله بذهول.
فجأة، تحركت راحة يده برفق نحو انعكاسي في المرآة، والتقت عيناه الزرقاوان بعيني المفتوحتين.
وفي اللحظة نفسها...
تحولت تلك اللمسة الهادئة إلى قسوة.
قال بلغته الإيطالية المتقنة، بصوت يحمل غضبًا مكبوتًا:
"Sei la sua copia carbone... Persino i tuoi maledetti capelli hanno lo stesso colore e la stessa consistenza."
ثم تراجع إلى الخلف، وعاد إلى مكانه المعتاد. مرر يده على قناعه، وكأنه يحاول استعادة هدوئه.
تمنيت لو أنني فهمت معنى تلك الجملة، لكن نظراته وحدها كانت كافية لتخبرني أنها لم تكن تحمل شيئًا جيدًا.
أسند قبضته إلى خده، وجلس يتأملني للحظات، ثم قال بنبرة خالية من أي شعور:
— لقد أضعتِ يومين كاملين في النوم، أيتها الأميرة.
اتسعت عيناي بدهشة.
— يومين؟
أجاب بلامبالاة:
— جسدك لم يتحمل الصدمة. دخلتِ في انهيار عصبي، واضطررت للاعتناء بك حتى لا تفقدي حياتك.
ثم أضاف، وكأنه يصف حقيقة بديهية:
— صدقتِ كل ما حدث داخل غرفة المحاكاة.
انفرج فمي من شدة الصدمة.
إذًا... كل شيء كان مزيفًا؟
وهذا يفسر عدم وجود أي حروق على جسدي.
لم يتركني أستوعب الأمر طويلًا، إذ قاطع أفكاري ساخرًا:
— ليس هذا وقت الاستغراب، يا مخادعتي. بعد قليل ستبدأ لعبتنا الممتعة.
التفت نحو الساعة الرقمية.
كانت العقارب تقترب من الثالثة فجرًا.
شعرت بذلك الضباب يعود ليتجمع داخل عيني للمرة الثانية.
همست بصوت بالكاد يُسمع:
— من تكون تلك المرأة؟
عدل من جلسته قليلًا، وقال:
— ماذا قلتِ؟ لم أسمعك.
ترددت...
ثم ابتلعت السؤال، وفضلت الاحتفاظ به لنفسي.
وقبل أن يحين الموعد المحدد، غادر غريب الغرفة كعادته، تاركًا إياي وحدي أتخبط مع مصيري المجهول.
ومن هنا...
بدأت ليلة جديدة، في مواجهة واقعٍ محتوم.
أصبحت الأيام متشابهة إلى درجة أنني لم أعد أعدها. لم أعد أعرف إن كان هذا اليوم هو الحادي عشر أم الثاني عشر، ولم يعد ذلك يهمني أصلًا.
كان كل يوم يبدأ عند الثالثة فجراً، وينتهي إما بنجاحٍ باهت... أو بعقابٍ جديد.
وخلال تلك الأيام، كشفت كثيرًا من خبايا هذا المنزل، حتى شعرت أحيانًا أنه هو من يخشاني، لا أنا. أصبحت أدخل كل باب دون تردد، وأسير في كل ممر وكأنني أملكه. لم أعد أضيع وقتي في تفتيش كل زاوية، بل أصبحت أميز مكان القطعة بنظرة واحدة، وكأنني بدأت أفهم الطريقة التي يفكر بها هذا المنزل.
حفظت قواعد اللعبة كما أحفظ اسمي.
أحيانًا كنت أنجح، وأحيانًا أخرى أخسر. ومع كل خسارة، كان غريب يحرص على أن يجعلني أواجه أحد مخاوفي بأبشع صورة ممكنة.
بدأت اللوحة تتشكل أمامي شيئًا فشيئًا. لم تكن صورتها واضحة بعد، لكنها لم تعد مبهمة كما كانت في البداية. كنت أقضي ليالي طويلة أحدق إليها، محاوِلة تخيل شكلها الكامل، لكنني في النهاية كنت أعود إلى السؤال نفسه...
ماذا سيحدث عندما أجد آخر قطعة؟
الغريب أن هذا السؤال لم يعد يشغلني كما في السابق.
لقد اكتشفت لغزًا أعقد من جميع تلك القطع...
غريب.
ذلك الرجل الذي يحمل من اسمه نصيبًا يفوق الوصف.
أحيانًا كان يعاملني وكأنني أثمن ما يملك، وأحيانًا أخرى يخبرني، بكل هدوء، أن أمنيته الوحيدة هي أن ألفظ أنفاسي الأخيرة على يديه.
كان يحمل بداخله تناقضًا لا أجد له تفسيرًا.
وكلما حاولت فهمه... غرقت أكثر.
كل كلمة ينطق بها كانت لغزًا، وكل تصرف يصدر عنه كان يفتح أمامي عشرات الأسئلة الجديدة.
لم يعد بالنسبة إلي مجرد قاتل أو مختل.
كان إنسانًا مختلفًا...
كل شيء فيه مختلف.
طريقة حديثه، وطريقة تفكيره، وملابسه، وحتى صمته... كلها كانت تخفي قصة لا أعرفها.
أما قناعه...
فذلك القناع لم يخلعه يومًا.
حتى بدأت أشك أنه لم يعد مجرد قناع، بل جزء من وجهه.
كثيرًا ما كنت أتساءل...
هل يخفي وراءه تشوهًا؟
أم أنه يخشى رؤية نفسه قبل أن أخشاه أنا؟
وفي إحدى الليالي، قادتني اللعبة إلى مكتبته.
لم تكن مجرد غرفة مليئة بالكتب...
بل كانت عالمًا كاملًا.
رفوف تمتد حتى السقف، وكتب بلغات مختلفة، ولوحات فنية، وخرائط قديمة، وأوراق مبعثرة فوق مكتبه، وكأن كل شيء فيها يحكي جانبًا من شخصيته.
ومن هناك أدركت أنه يعشق القراءة.
كما لاحظت أن اللون الأسود يطغى على كل شيء يخصه، حتى ظننت أنه لونه المفضل.
لكن أكثر ما كان يرعبني...
أنه كان يعرف عني أشياء لم أخبر بها أحدًا.
القهوة التي أفضلها...
الأطعمة التي أحبها والتي أكرهها...
بل وحتى عطري المفضل.
كان يعرف عني أكثر مما أعرفه أنا عن نفسي.
يا ترى...
ما الذي يخفيه خلف ذلك القناع؟
كان هذا السؤال يسلب النوم من عيني كل ليلة.
وفي كل مرة أقنع نفسي أنني بدأت أفهم غريب...
كان يفعل شيئًا جديدًا يثبت لي أنني لم أعرف عنه شيئًا بعد.
وللمرة الأولى منذ أن دخلت هذا المنزل...
لم أعد أفكر في الهرب.
لم يعد الهرب هدفي...
بل أصبح هدفي أن أكشف الحقيقة الكاملة، وأن أعرف من يكون غريب حقًا.
كان هناك شيء واحد فقط أرغب فيه...
رؤية القمر.
أصبحت تلك أمنيتي الوحيدة.
بعد إحدى الليالي التي خرجت فيها منتصرة من اللعبة، أخبرته بذلك. لم أتوقع منه سوى السخرية، لكنه فاجأني.
لبّى طلبي بكل بساطة.
أخذني إلى إحدى الغرف التي تتوسطها شرفة واسعة، تطل على الغابة بأكملها. كان القمر معلقًا في السماء، ينثر سكينته على الأشجار، وكأنه يحاول تضميد جراح الليل.
لأول مرة منذ فترة طويلة...
رأيت العالم خارج هذه الجدران.
ولأول مرة...
تنفست هواءً لا تفوح منه رائحة الرطوبة أو الخوف.
وقفت دقائق طويلة أحدق في الأفق، أحاول استيعاب أنني خرجت أخيرًا من تلك الغرفة، ولو لساعات قليلة.
غادر غريب المكان، وتركني وحدي.
ظننت أنه لن يعود، لكنه عاد بعد دقائق، يحمل فنجانين من القهوة.
جلس بجانبي بكل هدوء، وناولني أحدهما بأدب لم أعتده منه، ثم استدار ينظر إلى السماء.
ساد بيننا صمت غريب...
صمت لم يكن مزعجًا كما توقعت.
ارتشفت رشفة من القهوة، فعجز لساني عن وصفها.
لقد كانت قهوتي المفضلة...
مصنوعة بالطريقة نفسها التي أعشقها، حتى درجة حرارتها كانت مثالية.
وضعت الفنجان جانبًا، وأسندت رأسي إلى ركبتي.
حينها، انتبهت إلى خصلات بيضاء قليلة تسللت بين شعره الأسود الفاحم.
كسرت الصمت وسألته:
— غريب... هل لديك عائلة؟
التفت نحوي ببطء.
بدت الصدمة واضحة في عينيه، وكأنه لم يتوقع أن أسأله عن شيء يخصه.
ظل صامتًا للحظات، ثم قال بصوت هادئ:
— كانت لدي...
عائلة مزيفة.
عقدت حاجبي باستغراب.
— عائلة مزيفة؟ كيف؟
أخذ رشفة من قهوته، ثم قال وهو يحدق في القمر:
— عائلة بُنيت على الخيانة... وعلى الكذب.
لا أعلم لماذا...
لكنني شعرت بالحزن يتسلل من بين كلماته، رغم أنه لم يُظهر أي انفعال.
التزمنا الصمت من جديد.
لم أجد ما أقوله.
لكن هذه المرة، هو من كسره.
— وأنتِ؟
نظر إليّ بطرف عينه.
— هل لديك عائلة؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
— أنت تعرف الإجابة.
أطرق برأسه قليلًا، ثم سأل:
— هل فكرتِ يومًا في أن تقابليهم؟
خرست.
طال الصمت بيننا، قبل أن أقول ببرود مصطنع:
— لا أعتقد أنني بحاجة إليهم... لقد اعتدت غيابهم.
ارتسمت ابتسامة ساخرة أسفل قناعه.
— أنت تكذبين...
عندما يتعلق الأمر بنفسك.
ثم أمسك إبريق القهوة، وملأ فنجاني من جديد بعدما برد.
وقال بنبرة هادئة، لكنها أثقل من أي صراخ:
— لا أظن أنك ستحبينهم عندما تقابلينهم.
ومن الأفضل... أنك كبرتِ بعيدًا عنهم.
لكن في النهاية...
الماضي لا يترك صاحبه، حتى يأخذ منه ثأره.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
كان يتحدث وكأنه يعرف شيئًا عني...
شيئًا لا أعرفه أنا.
رفعت رأسي نحوه وسألته بقلق:
— ماذا تقصد؟
نهض من مكانه، ومد يده نحوي قائلًا بهدوء:
— أقصد... أن عليكِ النوم، حتى تتمكني من اللعب غدًا.
أمسكت يده، ونهضت ببطء.
لكن النوم...
لم يطرق بابي تلك الليلة.
ظللت أفكر في كلماته حتى سرقني خيالي إلى مكان بعيد... بعيد جدًا عن كل هذه الفوضى.
كانت تلك الليلة مختلفة...
كان هناك شيء بداخلي يخبرني بأنها لن تمر على خير، وأن مفاجأة سيئة تنتظرني خلف أحد الأبواب.
عثرت على القطعة الجديدة في وقت قياسي، على غير عادتي.
نظرت إلى ساعتي، فوجدت أن سبع عشرة دقيقة ما زالت تفصلني عن انتهاء الوقت.
قررت استغلالها في استكشاف أماكن جديدة.
حملت المصباح، واتجهت نحو أحد الممرات الطويلة. كان غريبًا... فلا أبواب، ولا نوافذ، ولا أي شيء يلفت الانتباه. لم أتذكر أنني رأيته من قبل.
كدت أغادره، لكن شعورًا غامضًا شدني إليه.
سرت فيه لدقائق، حتى وصلت إلى نهايته.
كانت هناك بوابة صغيرة، مطلية باللون نفسه الذي يغطي الجدار، حتى إنك لن تلاحظ وجودها إلا إذا دققت النظر في حوافها أو في مقبضها المعدني اللامع.
وضعت يدي على المقبض وأدرته...
لكنه لم يتحرك.
كان الباب مقفلًا.
وقفت أفكر للحظات، ثم خطرت ببالي تلك الحيلة التي طالما شاهدتها في الأفلام.
نزعت دبوس شعري، وأدخلته داخل فتحة القفل، أحرّكه يمينًا ويسارًا بحذر.
مرت ثوانٍ ثقيلة...
ثم دوّى صوت طقطقة خافت.
لقد انفتح.
وقبل أن أخطو إلى الداخل، تذكرت تحذير غريب:
"إياكِ والعبث بأشياء لا تخصك... وإلا فلن أرحمك."
ترددت للحظة.
لكن فضولي كان أقوى من خوفي.
دفعت الباب، ودخلت...
ثم أغلقته خلفي بهدوء.
أغمضت عيني فورًا من شدة الإضاءة.
كيف يمكن لغرفة داخل هذا المنزل المظلم أن تكون غارقة بهذا القدر من النور؟
فتحت عيني تدريجيًا بعدما اعتادتا الضوء، وأخذت أتفحص المكان.
كانت الغرفة بسيطة...
هادئة...
تكاد تخلو من الأثاث.
لكن في منتصفها تمامًا...
كان يقبع صندوق خشبي قديم.
توقفت مكاني.
كم أصبحت أخشى الصناديق...
كل صندوق فتحته في هذا المنزل أخفى وراءه كابوسًا جديدًا.
اقتربت منه بحذر.
كان هو الآخر مقفلًا.
ابتسمت بسخرية، وأخرجت دبوس شعري من جديد.
لم يستغرق الأمر طويلًا حتى استسلم القفل.
وضعت يدي على الغطاء...
وأغمضت عيني.
رفعت الغطاء ببطء، منتظرة أن تنبعث منه رائحة عفن أو دم أو موت...
لكن...
لم يحدث شيء.
فتحت عيني.
حبست أنفاسي.
كان الصندوق مليئًا بأشياء لا رابط بينها.
رسائل قديمة...
دمية صغيرة...
صور مقلوبة...
أسلحة عتيقة...
مذكرة جلدية مغلقة...
وعشرات الريشات السوداء.
ابتلعت ريقي بتوتر.
مددت يدي إلى الداخل، والتقطت المذكرة.
بدت قديمة جدًا، حتى إن أطرافها بدأت تتآكل بفعل الزمن.
كان قلبي يخفق بعنف.
وما إن رفعتها...
حتى انزلقت من بين صفحاتها صورة قديمة.
التقطتها بسرعة.
وفي اللحظة التي وقعت عيناي عليها...
توقف الزمن.
لم أعد أسمع سوى صوت أنفاسي المرتجفة.
إنها...
هي.
المرأة نفسها التي رأيتها داخل غرفة المحاكاة...
والتي ظلت تطاردني في كوابيسي.
حدقت بالصورة غير مصدقة.
لم تكن تشبهني فقط...
بل كانت نسخة طبق الأصل مني.
الفرق الوحيد أن شعرها كان أطول.
شعرت بأن رأسي سينفجر.
أنا أعرفها...
لا أعلم كيف...
لكنني أعرفها.
كان ذلك الإحساس يصرخ في أعماقي.
اشتد الصداع حتى كاد يشل تفكيري.
أعدت الصورة بسرعة إلى مكانها، وكأن مجرد النظر إليها يؤذيني.
وقعت عيناي على الدمية.
كانت معظم ملابسها محترقة، وخصلات من شعرها الأشقر متفحمة.
ارتجفت يدي.
التقطت إحدى الرسائل الصفراء، وفتحتها.
لكن الصداع ازداد حدة.
حاولت مقاومته، وبدأت أقرأ.
لم أفهم شيئًا...
كانت مكتوبة بالإيطالية.
كل ما استطعت تمييزه...
أنها موجهة إلى رجل يدعى...
ألكسندر.
وقبل أن أتمكن من متابعة القراءة...
انفتح الباب بعنف.
رفعت رأسي.
كان غريب يقف هناك.
لكنه...
لم يكن غريب الذي عرفته.
لم يكن ذلك الرجل البارد الهادئ.
بل وحشًا...
بعينين تشتعلان كالجحيم.
وقبل أن أنطق بحرف واحد...
اندفع نحوي.
دفعني بعنف حتى ارتطم جسدي بالأرض.
ثم انحنى بسرعة، وأغلق الصندوق، وهو يصرخ بصوت زلزل الغرفة:
— كيف تجرأتِ؟!
تجمد الدم في عروقي.
استغليت انشغاله، ونهضت راكضة بكل ما بقي لدي من قوة.
لم أكن أحمل المصباح.
ركضت وسط الظلام بلا وجهة، أتعثر بالجدران والأرضية.
كنت أسمع صوته يقترب...
ويعلو...
حتى خيل إلي أنه يملأ أرجاء المنزل كله.
وفجأة...
ساد الصمت.
توقفت.
التفت ببطء...
لكنني لم أر شيئًا.
وفي اللحظة التالية...
ارتطم شيء ثقيل بوجهي.
سقطت أرضًا.
سال الدم من أنفي.
قبض على ياقة ملابسي، وجرني بعنف حتى اصطدم ظهري بالحائط.
ثم أحاط عنقي بيده.
كان يخنقني بكل ما أوتي من قوة.
تشبثت بذراعه، وبدأت أضربه بلا فائدة.
اختفى الهواء من رئتي.
بدأ بصري يظلم.
شعرت أن روحي تستعد لمغادرة جسدي.
وفجأة...
أفلتني.
سقطت على الأرض ألهث بعنف.
زحفت بيأس، حتى وصلت إلى أعلى الدرج الطويل.
عرفت ما ينوي فعله.
همست برجاء:
— أرجوك... لا تفعل...
لكن كلماتي لم تكتمل.
دفعني.
وتدحرج جسدي فوق الدرج.
درجة...
بعد أخرى...
ومع كل ارتطام، كنت أسمع صوت عظامي وهي تصرخ.
وفي آخر لحظة...
لمحت الدم يسيل من رأسي...
ثم...
ساد الصمت.
ولم أعد أشعر بشيء.
aya