بعد مدة قصيرة، ذهبت إلى مكتبي لالقي نظرة على ملف القضية، وارى ما به من معلومات، وبالفعل غرقت وسط تلك الكومات من الأوراق، دون احساس بمرور الوقت.
في البداية احسست برهبة من فتحه، لكنني مجبرة على ذلك.
اول ما قابلني هو صورة القاتل العبارة عن لا شيئ، لا اسم، لا هوية، لا عنوان، وكأنه سراب يختفي بين الأصابع، بدأت اقلب في صور الجرائم الماضية، حيث كانت تتراوح اعمار الضحايا بين العقد 20 و 40، والشيئ الوحيد الذي جمع بين هؤلاء الضحايا هي تلك الريشة السوداء، التي يضعها كتوقيع لقاتل يريد حفر اسمه في كل جريمة.
طريقة القتل كانت نفسها في كل الجرائم، سلخ الجلد وتقطيع الجثة، ومن خلال تدقيقي في الصور لاحظت ان طريقة القطع كانت عبارة عن خط مستقيم، كل شيئ فيه يشير إلى يد تعرف بالضبط ما تفعل، وكأن القاتل محترف الى حد مثير للرهبة، لكن ما لم أفهمه هو عدم وجود أي بصمات على اجساد الضحايا، او حتى آثار لمقاومة، وهذا يزيد من احتمالية ان الفاعل دائما ما يكون قريبا من الضحية.
امضيت ساعات وانا احاول إيجاد اي ثغرات او خيوط تكشف لي هذا الغموض، دون فائدة، واخيرا غلبني النعاس وغرقت في غفوة ثقيلة، لكن شعورا غريبا ظل يشدني، كأن شيئا ما يراقبني، غفوت لكن تلك الغفوة لم تكن عادية، بل كانت غارقة في ظلام يلتهم كل شيئ.
وجدت نفسي في أعماق غابة موحشة، لا يسمع فيها سوى صرير الأشجار تحت صفعات الرياح القاسية، لم يكن للضوء أثر، فحتى القمر بدا شاحبا كالاموات.
ارتجف جسدي من قسوة الهواء البارد، لكن مازاد رعبي، هو تلك الأنفاس الساخنة التي كانت تضرب عنقي، وكأن أحدهم يقف خلفي لكنه لم يكن.
فجأة اخترق سكون الغابة صراخ حاد، نابع من قلب الألم، التفت لاجد سربا من الغربان، لكنها لم تكن عادية، كانت اجسادهم ضخمة، واعينهم حمراء متوهجة كجمر مشتعل وسط الغيهب.
صرخوا في وقت واحد!!!!
صرخة واحدة كانت كفيلة بجعل الدم يتدفق من اذني.
وضعت يدي على اذني احاول النجاة من هذا الصوت، لكن الزمن تجمد لثواني تحولت إلى عذاب طويل.
وعندما فتحت عيني، تمنيت لو انني لم أفعل.
كان هناك شيئ امامي، كائن مشوه لا يتقبله العقل، اظافره طويلة وحادة كالسكاكين، وعيناه توسطتهما دائة بيضاء خرجت منها اياد ملوثة بدماء سوداء، تنزلق ببطئ بينما انيابه تقطر قسوة.
حاولت الصراخ لكن صوتي اختفى، كأن أحدهم انتزع حنجرتي من جذورها، ركضت وركضت دون وعي، اتوغل أكثر في الغابة، وصدى خطوات ذلك الشيئ تلاحقني، حتى إنزلقت قدمي وسقطت.........
لم أدرك اين انا حتى شعرت بالدماء تلتصق بملابسي، نظرت للاسفل وتجمدت حينما وجدت نفسي أغرق، وسط بحر من الجثث، وجهوهم باهتة، واعينهم مفتوحة تحدق بي، حاولت النهوض لكن شيئا ما امسك بقدمي، وسحبني إلى الأعماق، وبدأت الأجساد تتحرك نحوي، وتحيط بي،
ثم رأيته.......
ظل رجل يقف فوق مرتفع بعيد، انعكس عليه ضوء القمر الشاحب، كان ينظر إلي مباشرة، نظرته اخترقتني واوقفت نبض قلبي، ثم قال بصوت لن انساه ما حييت :
_ لقد وجدتك!
صرخة قوية خرجت من فمي بعدما تحررت من اغلال ذلك الكابوس.
كان قلبي يضرب بعنف، كطبول حرب لا تعرف التوقف، بينما إنزلقت قطرات العرق على وجهي، واستقرت فوق أوراق الملف امامي.
خرجت من الحلم لكن شيئا منه لم يخرج مني.
مازالت أشعر بتلك العيون تراقبني.
مازالت صورة ذلك الكائن عالقة في ذهني، وصراخات تلك الغربان كانت واقعية أكثر مما ينبغي.
قبضت على رأسي بتأوه خافت. الألم لم يكن عابرا بل اشبه بمطرقة تحطم جمجمتي.
فجأة رن هاتفي، ارتجف جسدي دون ارادة مني، واتجه بصري نحوه ببطئ، لقد كان الرقم مجهولا.
ترددت لثوان ثم رفعت السماعة، وانا ابلل حلقي بصعوبة :
_ مرحبا من معي؟
لم يجبني احد، لاكرر سؤالي مجددا قبلت بالصمت، ولكن هذه المرة لم يكن صمتا تاما بل اختلط بأنفاس بطيئة ساخنة والتي كانت تشبه لحد كبير ما ضرب عنقي في الحلم.
لا أعلم كيف لكنني بطريقة ما استطعت انهاء الاتصال باصابع مرتجفة.
مالذي يحدث معي بحق الجحيم؟
انا لا أفهم الأمر، هل يعقل ان هذه بداية لبوابة لم يكن علي دخولها؟
____________________________________________طرق خفيف على الباب
انتفضت، ثم تمالكت نفسي :
_ ادخل
فتح الباب وظهر ديمتري مترددا، كانه لم يقرر بعد أن كان عليه الدخول او التراجع، لكنه حسم امره اخيرا، وتقدم نحوي بخطوات ثقيلة، قبل أن يجلس بمقابلي، تأمل وجهي لثوان، ثم قال بقلق واضح :
_ روكسينا هل انت بخير؟ وجهك مصفر.
تجنبت النظر اليه :
_ انا بخير على ما اعتقد
عقد حاجبيه قائلا :
_ لا اظن ذلك ابدا
رفعت نظري نحوه مردفة بنبرة باهتة :
_ لا اظن ان هذا سبب مجيئك
تنهد وقال :
في الحقيقة، اردت الاعتذار عنا حدث الاسبوع الماضي في المستشفى، انت تعلمين انني لم أكن اقصد، فقط... فقدت اعصابي، ولم....
قاطعته بهدوء جاد :
_ ديمتري لقد انتهى الأمر
صمتت لثوان ثم تابعت :
_بل انا المخطئة لم يكن علي التدخل في مالا يعنيني، لذلك دعنا نطوي هذه الصفحة.
_ كنت فقط اريد......
_ رجاءا، لا تفتح هذا الموضوع مجددا، ان كنت تريد أن نحافظ على ما تبقى من صداقتنا.
نظر إلي مطولا، ثم اومأ بخفة :
_ حسنا كما تريدين
صمت قصير خيم بيننا حتى قطعه بقوله :
_اتمنى ان تنسي ما حدث
ابتسمت ابتسامة خافتة لم تصل إلى عيني وقلت :
_ النسيان صعب لكن التذكر أصعب
____________________________________________
لا أدري مالذي فعلته للتو لكن يبدو أنني طردت ديمتري بحديثي المبتذل، بطريقة غير مباشرة.
حسنا في الحقيقة هذا غير مهم، ذلك افضل من ان ينشب بيننا شجار جديد.
رجعت إلى الوراء بالكرسي، اتنفس الصعداء ، بينما عيناي
مسلطتان على تلك الأوراق المبعثرة على سطح المكتب.
لقد حاولت العديد من المرات ان المسها واكمل ما بدأته، لكنني هذه المرة لم استطع، كأن يدا خفية تمنعني من فعل ذلك.
وببساطة تركت كل شيئ، وجررت ذيول خيبتي، وخرجت من المبنى.
ارتطمت بتيارات الرياح القوية، بينما احاول اقناع عقلي المضطرب بأن كل ما ممرت به اليوم مجرد مصادفة لا غير.
وفي النهاية كنت اعرف انني اكذب على نفسي.
بعد مصارعة طويلة مع أفكاري، دلفت للمنزل، واستمتعت ببعض لحظات الهدوء.
اخذت حماما دافئا ازيل به تعب العمل عن اكتافي، ثم جلست في المطبخ احضر العشاء واستمع إلى اغنيتي المفضلة، التي لطالما كرهتها اوليفيا
________________________________
je remue le ciel, le jour, la nuit
je dance avec le vent, la pluit
un peu d'amour, un brin de miel
et je dance, dance,dance, dance
_______________---______________
بعد فترة وجيزة انتهيت، وارجعت كل شيئ إلى طبيعته، ماعدى تفكيري النابض بالضجة.
لم استطع النوم تلك الليلة، لذلك بقيت مستيقظة في الصالة، أشاهد فلما مملا، حتى أعلنت الساعة وصول الثانيه والنصف ليلا، كان ذلك تزامنا مع ضغطي لزر إيقاف التشغيل الخاص بالتلفاز.
سحبت قدماي من أسفل دفئ البطانية، ونهضت ناوية الذهاب إلى غرفتي، لكن صوت الطرق على الباب اعترض طريقي.
تجمدت في مكاني وعيني معلقة على الباب، لم تكن الطرقات قوية بل بطئية، وكأن صاحبها يعرف انني أقف خلفه، هناك أنفاس خلف هذا الباب.
تقدمت بخطوات مترددة، وعقلي يصرخ بعبارة واحدة لا غير لا تفتحي......، لكن الخوف او ربما الفضول كان أقوى.
وضعت اصابعي على مقبض الباب وضغطت عليه ببطئ لاجذبه وافتح المدخل.
لم أجد شيئا، هذا ما اعتقدته.
أخرجت رأسي قليلا، لالمح طرف شريط اسود، تتبعته بعقل مغيب حتى وصلت إلى صندوق او على الأغلب هدية، مغلفة بغلاف احمر، ومزينة بريشة سوداء.
حملته باصابع مرتجفة وادخلته للداخل، ثم اغلقت الباب لابقى محاصرة بمفردي مع ظلال ذلك الصندوق الغامض.
حل صمت غريب على المكان، وكأن الليل اقسم ان يشهد هذه اللحظة، ازدردت ريقي بقلق، بينما تسللت اناملي المضطربة تكشف الستار المخفي.
وما أن سقط الغطاء حتى جحضت عيناي، وكأنها تريد التسلل بعيدا،ولاول مرة في حياتي اسمع صوت دقات قلبي بهذا الوضوح... تك......تك........تك
في تلك اللحظة انقطعت كل سبل التنفس في صدري، وكان جاثوما غزا اسود كوابيسي.
كانت تلك اليد موضوعة بعناية، اصابعها منحنية قليلا، جلدها شاحب وبارد كالصقيع، ورائحة الدماء الطازجة فاحت منها، لتجعل كل اعظائي تصرخ دون صوت.
بدا الصندوق وكأنه ينظر لي...... يهمس بكلمات لا استطيع فهمها.
وفجأة رن الهاتف.
لم يكن رنينا عاديا، بل رنينا قتل كل ذرة شجاعة تبقت بداخلي.
حملت الهاتف، واجبت بآخر نفس منحه لي عقلي :
_ اتمنى ان تعجبك هدية تعارفنا الأولى مخادعتي!!
aya