لم يكد لوسيرو يلتفت ليتجه نحو السيارة، حتى دوت في أرجاء الشارع المظلم نغمة حادة وموحدة.. صوتُ صفيرٍ هيدروليكيٍ خافض نبعَ من هواتف الجميع في اللحظة نفسها: هاتف إيفا، جهاز روسي، وحتى الأجهزة التكتيكية لحراس الممر.
توقفت المحركات تلقائياً. وانطفأت أنوار السيارات المصفحة واحدة تلو الأخرى، لتغرق المنطقة في ظلامٍ دامس لا يقطعه سوى وميضٍ أحمر متكرر على الشاشات.
وقف روسي متجمداً في مكانه، يحدق في شاشة هاتفه بوجه أبيض كالجص، وقطرات المطر تتساقط على عينيه الذهول. لم يرفع سلاحه، ولم يتحرك، لكن نبرة صوته حين تحدث كانت خالية تماماً من الحياة:
— "لقد أخطأت الحسابات يا لوسيرو.. أخطأت خطأً قاتلاً."
لم يرمش لوسيرو. أدار رأسه ببطء شديد نحو روسي، وعيناه الزمرديتان تطوقان العتمة ببرود حذر، وقال بصوت رصين ثابت:
— "ماذا هناك يا روسي؟"
رفعت إيفا شاشتها المشفرة، لكن هذه المرة لم تكن الإشارات حمراء عادية، بل ظهرت العبارة بوضوح باللون الأسود العريض: [تم تفعيل بروتوكول التصفية الشاملة: الهدف هو العميل لوسيرو].
قالت إيفا بنبرة جليلة يكسوها الجمود:
— "أليخاندرو لم يكن يبتزك بالعميل 808 ليحميك يا لوسيرو.. أليخاندرو كان 'الجدار الناري' الوحيد الذي يمنع المنظمة العالمية من اعتبارك تهديداً يجب محوه. قتلك له لم يمنحك العرش.. قتلك له فعّل التصفية التلقائية لهويتك."
ساد صمتٌ مخيف. أدرك لوسيرو في تلك اللحظة النواة المظلمة للفخ؛ والده النرجسي لم يبنِ له هذا القفص ليعيش فيه، بل بنى نظاماً مجنوناً يُقفل بالكامل لحظة موته. كل حارس، كل أصل، كل حليف، وحتى روسي وماركوس وإيفا، مجبرون سيبرانياً ومالياً عبر بروتوكول المنظمة على تحويل أسلحتهم نحو لوسيرو فوراً، وإلا ستُنسف حيواتهم وشبكاتهم خلال دقائق.
تراجع ماركوس وليندا خطوة إلى الخلف من زاوية الممر، وعيونهم تطالع لوسيرو بنظرة جمعت بين العجز والاضطرار. رفع ماركوس ذراعه المعدنية ببطء، وفي عينيه آلام خمس سنوات من الخديعة:
— "أنت جعلتنا نخرج من القبور لنواجه دنيال يا لوسيرو.. لكنك الآن أصبحت الهدف الأكبر لكل المأجورين في أوروبا. زوريخ ملغاة.. الشوارع مغلقة.. والتشفير شُل بالكامل."
انغلقت كل المنافذ. الطريق إلى زوريخ أصبح مسدوداً، والعيادة والمستقبل والماضي تحولوا جميعاً إلى حطام. لوسيرو أصبح بلا هوية، بلا أسلحة، ومحاطاً بأصدقائه وحراسه الذين تحولوا بحكم النظام إلى منفذي إعدامه.
رغم ذلك، لم تهتز للملك شعرة.
وقف لوسيرو في منتصف الشارع المغلق، والظلام يلف معطفه الأسود، وعيناه الزمرديتان تبرقان في العتمة بسخرية قاطعة وهيبة مرعبة تتحدى الحصار، ثم حرك رأسه بين وجوههم وقال بصوت جاف يقطع الصمت كالسيف:
— "إذاً القفص أُغلق بالكامل.. وأصبحتم جميعاً مجبرين على قتلي؟ ممتاز.. أروني كيف سيتجرأ أولكم على إطلاق الرصاصة الأولى."
Just Jessie _72