مقابله.

مقابله.

15 0

كان يوماً عادياً كباقي الأيام، في عيادة ضياء.

دخل المريض وقال:

— مرحباً.

نظر ضياء إليه بابتسامة مصطنعة، ليُدخل مباشرة في صلب الموضوع، ثم همهم بصوتٍ خافتٍ لم يكاد يُسمع:

— تفضل، بمَ تعاني؟

فجأة، تغيرت نظرات المريض ولهجة كلامه تماماً، وقال:

— العميل 808، لديه لك أمرٌ مهم اليوم، وعليك أن...

ولم يكمل جملته، حتى بادر ضياء فأمسك بفمه بإحكام، وألقى نظرةً حادةً نحو الأرض، ثم اقترب منه وأدناه قليلاً وقال بصوتٍ مُحذِّر:

— إن كنتَ تطلب شيئاً، فلا تُظهره هنا. هذا مكان عملي، وأنت تعلم تماماً ما أقدر عليه.

ثم تركه، وعاد ليرتدي نظارته من جديد وكأن شيئاً لم يكن، ثم جلس على كرسي مكتبه وقال بنبرة روتينية هادئة:

— تفضل يا سيدي، بمَ تعاني؟ كيف يمكنني مساعدتك؟

تجمد المريض للحظة، ثم انحنى بوجهٍ شاحب، وقام ومضى وهو يغمغم بكلمات غير مفهومة.

أخذ ضياء نفساً عميقاً، وأرجع كرسيه إلى الخلف، وحدّق في سقف الغرفة بتفكير عميق.

وفجأة، سمع طرقاً على الباب:

طق.. طق.. طق..

قال بصوتٍ رصين:

— ادخل.

دخلت الممرضة وقالت:

— يا سيد ضياء، هناك حالة طارئة، وحضرتك مطلوب فوراً.

رد بصوتٍ مُتعبٍ منزعج:

— ألغِ أي شيء الآن، أنا مُرهق منذ الصباح، وأريد العودة إلى منزلي.

قام، وتجاوزها جانباً، وخلع معطف العيادة، ثم نزل وركب سيارته الكبيرة. ألقى نظرةً جانبية، فصدر صوت من النظارة الذكية يقول:

— تعامل مع النظارة بمهارة يا لوسيرو، أنا صانعها، لا تُعاملني بهذه الطريقة.

ضحك لوسيرو بسخرية ونظر إلى النظارة، وقال:

— ياراجل ، تجعلني أشعر وكأنها نظارة الأمم المتحدة.. يا نيمار.

ضحك نيمار بخفة، ثم أمسك لوسيرو النظارة ووضعها في جيبه، وشغل محرك السيارة وتوجه نحو منزله. وصل إلى مبنى شاهق، ودخل به حيث كان كل ركن يكسوه الرخام اللامع المتألق. لعب بالمفتاح في يده، ثم أخرج عوداً من اللبان ووضعه في فمه، وصعد إلى المصعد وضغط على زر الطابق الثاني والعشرين.

وصل إلى طابقه، فتح الباب ودخل ثم أغلقه بإحكام خلفه. كان تصميم الشقة فاخراً للغاية، يغلب عليه اللونان الأسود والرصاصي، مع نوافذ زجاجية عريضة شفافة، ومطبخ مفتوح على الطراز الأمريكي.

دخل الحمام واستحم، وبعد أن انتهى وقف أمام المرآة؛ بدت ملامحه واضحة: شعره أسود، وعيناه زرقاوين، وملامحه تمزج ببراعة بين الحدة وبريقٍ من البراءة. أمسك وعاء الصبغة، ومد يده لشعره، ولاحظ أن لونه الحقيقي بدأ يظهر من جديد، فجهز الصبغة ودهن بها شعره ليعيد إخفاءه. ثم أخذ علبة العدسات، وخلع العدسات اللاصقة من عينيه، ليظهر لون عينيه الحقيقي الأخضر الزمردي بكل تألقه.

خرج ملفوفاً بمنشفة حول خصره، ودخل المطبخ، فأخرج كأساً وقطعاً من الثلج، ثم سكب فيه الخمر. وضع إصبعه في الكأس وقلبه، ثم غسل يديه وشرب قليلاً.

شغل موسيقى هادئة، ثم استرخى على الأريكة وقال باللغة الإيطالية:

— أطفئي جميع أنوار المنزل، وشغلي الإضاءة الخافتة فقط، يا سارة.

جاءه الرد فوراً بصوت إلكتروني رقيق:

— حسناً سيدي، سأفعل ذلك على الفور.

 كان مسترخيًا على الأريكة الطويلة، فإذا بذاكرته تسرد له شريطًا من الذكريات.

عودة إلى الماضي..

كان في فرنسا، يقضي وقتًا مع أصدقائه كأي مجموعة من الأصدقاء؛ كل واحد منهم ينتمي لجنسية مختلفة. أما لوسيرو — أو ضياء، أيًّا ما كان — فكان ينتمي لجنسية تختلف عنهم جميعًا، بل وكان يتقن التحدث بكل اللغات. ورغم أن جنسيته لا تمتّ للواقع بصلة، إلا أنه معروف بغموضه، وبأنه لا يؤجّل عملًا، وكل شيء في وقته، ولا يقوم بأمر إلا على أكمل وجه.

في تلك الرحلة، وقبل خمس سنوات، لن ينسى هذا التاريخ أبدًا؛ فقد خسر فيه كل شيء. كان مع أصحابه في رحلة، يتنقّلون بين المطاعم والأماكن والحانات، مستمتعين بوقتهم. ولكن صديقه ماركوس كان يغازل فتاة، ولم يكن يعلم أنها مرتبطة برجل ذي شأنٍ في عالم الأعمال المظلم. وبينما كانوا يرقصون، فإذا بصوت صرخة فتاةٍ يُسمع، ويندلع الفوضى فجأة، حتى وجدوا صديقهم ماركوس مُلقًى أمام أعينهم، ملقىً تحت أقدامهم. وقف لوسيرو مُصدومًا، لا يدري ماذا يفعل.

فقام صديقه فابريانو، واقترب من ذلك الرجل وقال له: «ما فعلته به، سأجعلك تندم عليه». ثم أخرج مسدسًا من جيبه، وعزَم على إطلاق النار عليه، لكنه لم يعلَم أن ذلك الرجل — واسمه دنيال — كان معه حراسه. وقبل أن يتمكّن من إطلاق النار، أُصيب فابريانو بطلقة غادرة من الخلف، فسقط قتيلًا، وسال دمه أمام عيني لوسيرو. كل ذلك حدث وهو واقف في حالة صدمةٍ تامّة. ولم يكن أولئك القوم يعلمون أن لوسيرو كان معهم ورآهم.

ثم انطلقوا هاربين من الحانة، وبقي لوسيرو في مكانه مُصدومًا، حتى انهار على ركبتيه يبكي ويحاول إسعادهم.

عودة إلى الحاضر..

انقطع حبل أفكاره حين سمع دقًّا على الباب. ففتحه.

قالت له: «أهلاً، هل اشتقت إليّ يا ضياء؟»

زفر بضيقٍ، فدخلت وأغلقت الباب خلفها. وكانت هي تتكلّم وتتحرّك، وهو لا يلوي على شيء، فقال: «يا سارة، فعّلي عزل الصوت، لا أريد سماع أيّ ضوضاء».

قالت: «حسنًا سيدي، سأفعله فورًا».

ثم مضى إلى سريره ونام. وفي صباح اليوم التالي، وبينما هو نائمٌ في سلام، إذا بالستائر تُفتح. فتح عينه ببطء، وحكّ جفنه ليرى بوضوحٍ من هو الواقف أمامه.

قال بصوتٍ متعجّبٍ: «أنتَ..؟»

قال والده: «أنا أليخاندرو».

قال لوسيرو: «ما الذي أتى بك إلى هنا يا أبي؟ ماذا تريد؟»

قال والده: «من يُخاطب أباه بهذا اللفظ يا لوسيرو؟»

قال: «لا تُدعِني لوسيرو، اسمي ضياء».

قال والده مستاءً: «وما هذا الاسم البشع؟»

نهض واقفًا، ومضى نحو الباب يغادر الغرفة، ورفع صوته قائلًا: «أظنّ أن هذا لا يعنيكَ بشيءٍ، بعد ما فعلته».

خرج والده في إثره وقال: «ماذا فعلتُ لتقول لي هذا؟»

فاقترب لوسيرو منه، ونظر في عينيه بحدّة وقال: «أنا ابنك.. أتظنّ أنكَ وحدكَ في هذا العالم؟!»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝑳𝒖𝒄𝒊𝒓𝒂

المؤلف Just Jessie _72
2026/08/22 مكتملة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة