أطفأ روسي سيجارته في منفضة السيارة ببطء شديد، عيناه تصطدمان بتفاصيل وجه لوسيرو الخالي من الرحمة. لم يظهر على ملامح روسي أي ذهول؛ كأنه كان يعلم أن هذه اللحظة قادمة لا محالة، وأن طاقة الكبت والتخفي التي عاشها لوسيرو لخمس سنوات خلف قناع الطبيب الهادئ كان لا بد أن تنفجر في وجه صانعها.
نفث روسي الدخان الأخير، ثم حرك السيارة بسلاسة لتنساب داخل عتمة الشوارع المبتلة بالمطر، وقال بنبرة هادئة تحمل وزناً ثقيلاً:
— "إن قطعك لأعتى خيوط الماضي كان أول خطوة حقيقية نحو حريتك يا لوسيرو.. لكنك بهذا القتل فتحت باباً لن تستطيع إغلاقه بسهولة."
لم يلتفت لوسيرو، بل ظل يشاهد انعكاس أضواء الشوارع الخافتة على قطرات المطر المتساقطة على زجاج السيارة، وقال بصوت صلب لا يقبل المماطلة:
— "توقف عن الحديث بالألغاز يا روسي. العميل 808.. من يكون؟ وما علاقته بليلة فرنسا؟"
عدّل روسي مرآة السيارة الجانبية، وألتقط بنظرة خاطفة ممر الطريق خلفهما ليتأكد من خلوه من أي ملاحقة، ثم قال:
— "808 ليس مجرد شخص يا لوسيرو.. 808 هو التشفير الرقمي لملف التصفية الذي كُتب في تلك الليلة في باريس. الملف الذي ظننتَ أن صديقك فابريانو وماركوس ماتا بسببه عن طريق الخطأ."
ساد الصمت القاتل داخل السيارة، ولم يكن يُسمع سوى صوت مساحات الزجاج التي تمسح المطر بإيقاع منتظم. واصل روسي بنبرة أكثر جدية:
— "أبوك أليخاندرو ودنيال كانا شريكين في إدارة تلك الشبكة المظلمة، وحين اكتشف أصدقاؤك جزءاً من تلك اللعبة في فرنسا، صدر القرار بتصفية الجميع دون رحمة. واليوم، 808 هو الهوية التي يتخفى خلفها الشخص الوحيد الذي نجى من تلك المذبحة، وهو يسعى لتدمير منظمة دنيال وما تبقى من إرث أليكخاندرو."
ضيق لوسيرو عينيه الزمرديتين، وشعر ببرودة تسري في جسده وهو يستوعب أبعاد الخديعة، فسأل:
— "ناجٍ آخر؟ من يكون؟"
أخرج روسي من جيب معطفه شريحة ذاكرة معدنية صغيرة ورماها في يد لوسيرو، ثم زاد من سرعة السيارة وهو يضيف:
— "الفتاة التي كانت تقف تحت نافذتك وسط المطر.. إيفا. هي ليست مأجورة لدنيال كما ظننت، إيفا هي المساعد الأول لـ 808، والوحيدة التي تملك المفتاح التكميلي للبيانات التي قمت بتشفيرها أنت بنفسك في عيادتك."
قبض لوسيرو على الشريحة المعدنية في يده حتى كادت تختفي داخل قبضته، وتطلع نحو الطريق المظلم الممتد أمامهما، مدركاً أن موت أليخاندرو لم يكن نهاية الكابوس، بل كان المخرج الوحيد الذي ألقى به في قلب الحرب الحقيقية.
Just Jessie _72