انسحبت السيارة السوداء في عتمة الأزقة الخلفية كأنها لم تكن، يختفي معها صراخ دنيال المكتوم بين قبضة ماركوس الفولاذية ونظرات ليندا التي توعدته بجحيم لا ينتهي. لم يلتفت لوسيرو خلفه ليتابع المشهد؛ فالملك لا يراقب نقل الأحجار بعد أن يحسم اللعبة.
وقف لوسيرو في منتصف الشارع المبتل، قطرات المطر القارسة تتساقط على كتفيه وتنزلق على قماشه الأسود الداكن. أخرج من جيبه منديلاً قماشياً، ومسح بأصابع ثابتة أثراً خفيفاً من الدم كان قد علق بظهر يده أثناء إمساكه بمعصم دنيال، ثم ألقى بالمنديل في مجرى الماء المتدفق على الرصيف ببرود تام.
اقتربت إيفا بخطوات موزونة، وحفيف معطفها الجلدي يمتزج بصوت المطر. لم تكن عيناها تحملان أي إعجاب أو لين، بل كانت تراقبه بتحليل بارد وشديد الحذر، كأنها تزن الخطر الذي أصبحت تقف بجواره الآن. وقفت على بُعد خطوتين منه، وقالت بصوت خفيض تقطعه ريح فيينا الثقيلة:
— "دنيال كان مجرد واجهة يا لوسيرو.. خيول الشطرنج تسقط، لكن من أدار اللعبة من البداية لا يزال يتحرك في الظل."
لم يلتفت لوسيرو إليها فوراً، بل نظر إلى امتداد الشارع المظلم، وعيناه الزمرديتان تلمعان ببرود يخترق العتمة، وقال بنبرة حاسمة:
— "تعلمين تماماً أنني لم أستهدف دنيال لإغلاق الملف.. دنيال كان مجرد الطُّعم ليخرج صاحب الرقم الحقيقي."
أخرجت إيفا من حقيبتها شاشة صغيرة أضاءت بنبضات حمراء متقطعة، ورفعت رأسها لتلتقي عيناها الثاقبتان بعينيه دون أن ترف لها جفن:
— "إشارات التشفير الخاص بأبيك أليخاندرو لم تتوقف بموته. قبل قليل، وفي اللحظة التي سُحب فيها دنيال للسيارة، تم تفعيل خادم سري في زوريخ باسم 'العميل 808'.. والرسالة الموجهة لك شخصياً أصبحت جاهزة."
ساد صمتٌ ثقيل، وتوقفت الريح لثوانٍ وكأن الطبيعة تخضع لهيبة المشهد. خطى لوسيرو خطوة نحوها، حتى أصبح على مقربة منها، لكن إيفا لم تتراجع شلواً واحداً، بل ثبتت نظراتها الجليدية في عينيه، معلنة أنها ليست تابعة لأحد ولن تكون.
أخذ لوسيرو الشاشة من يدها ببطء، وتطلعت عيناه في النص المشفر المضيء: "أهلاً بك في العرش يا لوسيرو.. أليخاندرو لم يمت، بل ترك لك الاختبار الأخير."
ابتسم لوسيرو ابتسامة ساخرة مائلة تحمل كل معاني السيطرة والظلمة، وأطبق يده على الشاشة ليحطمها بين أصابعه إلى شظايا معدنية تناثرت في المطر، ثم قال بصوت رصين يزن الجبال:
— "ليكن اختبارهم الأخير إذن.. روسي، جهّز التحرك إلى زوريخ فوراً."
Just Jessie _72