ساد الصمت الشديد القاعة لعدة ثوانٍ، كأن الكلمات التي ألقاها لوسيرو جمدت الدماء في عروق الجميع. لم يبتسم ماركوس، بل تحركت عضلة فكه بقسوة وهو ينظر إلى عيني لوسيرو الزمرديتين بثبات يتخلله توتر مكتوم؛ لم يكن يتوقع أن يرى الفتى الذي تركه في باريس يغرق في الدموع، بل وجد أمامه حاكماً اعتلى عرش إمبراطورية مظلمة دون أن يرمش له جفن.
خطت ليندا خطوة للأمام، وحفيف معطفها الداكن يكسر حدة الصمت. كان صوتها مبحوحاً بنبرة تقطر مرارة وانتقاماً وهي تقول:
— "لم نعد لنلعب دور الضحايا يا لوسيرو.. ولم نعد نطلب حمايتك. نحن هنا لأننا نعلم أنك قطعت رأس أليخاندرو بيدك، وأنك الوحيد الذي يملك الشجاعة ليحرق 'دنيال' ومدينته بالكامل."
ألقى ماركوس نظرة سريعة على روسي وإيفا الواقفين خلف لوسيرو كأحجار الشطرنج المستعدة للقتل، ثم رفع ذراعه المعدنية قليلاً وهو يتحدث بصوت خشن تشوبه بحة ميكانيكية:
— "دنيال لم يتركنا نعيش في باريس رحمةً بنا.. جعلنا حقول تجارب في مختبراته السرية لخمس سنوات كاملة. نحن لم نَمُت يومها، لكننا متنا ألف مرة تحت يده حتى استطعنا الهرب وتأسيس هذه الشبكة تحت اسم 'الظل 90'. واليوم، نحن نطرح عليك مقايضة يا لوسيرو: رأس دنيال مقابل كل الأسرار التي دفنها أبوك أليخاندرو."
لم تتغير ملامح لوسيرو، بل خطا خطوة بطيئة بثقة مطلقة تزينها هيبة المالك، حتى أصبح بينه وبين ماركوس شبر واحد. أطفأ سيجارته بأطراف أصابعه ببرود مرعب دون أن يبالي بالحرارة، ثم نظر مباشرة في عيني صديقه القديم وقال بنبرة حاسمة تهتز لها جدران القصر:
— "أنا لا أقيم مقايضات يا ماركوس.. ولا أتحالف مع موتى خرجوا من جحيم دنيال ليطلبوا مني خوض حربهم. إن كنتم تريدون ثأركم، فستسيرون خلفي وتحت إمرتي.. خطوة واحدة بالخطأ، وسأعيدكما إلى القبر الذي خرجتما منه بنفسي."
تلاقت نظرات الجانبين في صراع قوة مكتوم، قبل أن يمنح ماركوس انحناءة رأس خفيفة يكتسيها الإذعان المطلق لهيبة لوسيرو الصارمة. في تلك اللحظة، تقدمت إيفا خطوة وأخرجت جهازها المضيء، لتظهر خريطة مشفرة لأحد الفنادق الفاخرة في قلب فيينا، وقالت ببرود قاطع:
— "إذاً القواعد وُضعت.. ودنيال يصل إلى فيينا خلال أربعين دقيقة لحضور اجتماع النخبة. حان وقت إسقاط الستار."
Just Jessie _72