جلست إيموجين بهدوء أمام والدها في غرفة الصالون، وابتسمت وقالت:
— إذن... ما رأيك أن ترفع دعوى من الآن ضدهم؟
ظل والدها صامتًا لحظات، يحك ذقنه بتفكّر، ثم رفع عينيه إليها وقال:
— عن طريق ذلك المحامي الذي تتعاملين معه؟
أومأت إيموجين، وفتحت حقيبتها، ثم مدّت له البطاقة وقالت:
— هذا رقمه. يمكنك التواصل معه دون أن تشرح التفاصيل... هو سيعرف سريعًا، وسينفّذ طلبك.
حدّق والدها في الرقم مليًّا، بينما راقبت والدتها زوجها بصمت، ثم التفتت إلى ابنتها وسألتها:
— وماذا عنكِ أنتِ يا إيموجين؟
عضّت إيموجين على شفتيها، وصمتت للحظات، ثم قالت فجأة:
— أنا مدعوة... إلى حفل زفاف جوليان.
اتسعت عينا والدتها بارتباك، وقالت باستنكار:
— مهلًا... ماذا؟ لماذا هذه الخطوة؟
نهضت إيموجين وقالت:
— لا داعي للقلق يا أمي، إنها خطة.
نظر إليها والدها متسائلًا:
— وما هي تلك الخطة بالضبط؟
صمتت إيموجين للحظات، وكأنها تزن كل كلمة قبل أن تنطق بها، ثم ابتسمت ورفعت كتفيها بقلة حيلة، وقالت بثقة وهي تغادر:
— أفضل ألا أقول.
وما إن اختفت خلف الباب، حتى التفتت والدتها إلى زوجها وقالت بهدوء:
— هل أنت واثق منها؟
ظل والدها صامتًا لحظات، ثم نظر إلى زوجته وقال بروية:
— دعينا نثق بها.
---
مرَّ يومان، قضتهما إيموجين في التحضير والاستعداد. كانت تشعر في أعماقها أن تلك الليلة تحمل تغييرًا جذريًا في مسار حياتها؛ وكأنها تطوي صفحة قديمة لتفتح أخرى جديدة، وتتغير فيها موازين القوى كلها. ولم تكن وحدها في ذلك، إذ وقفت إلى جانبها كلٌّ من مايبل وجيما، تساعدانها لتظهر بأفضل إطلالة ممكنة.
وها هو ذاك اليوم قد أتى.
كانت مايبل وجيما تنتظرانها في أسفل شقتها، تتبادلان أطراف الحديث، حتى سمعتا وقع خطوات بطيئة على الدرج، بسبب كعبها العالي. نزلت إيموجين أخيرًا، وكادت تتعثر للحظة لكنها تماسكت بسرعة، عدّلت فستانها، ثم وقفت باستقامة ولوّحت بابتسامة:
— مرحبًا، صديقتاي!
التفتا نحوها، وما إن وقعت أعينهما عليها حتى لمعت فيهما دهشة صادقة وإعجاب خفي. كان شعرها هذه المرة منسدلاً ناعمًا ولامعًا، مرفوعًا بطريقة أنيقة، وغُرتها تنزلق بنعومة تغطي جبينها برقة. عيناها الكهرمانيتان الواسعتان، المحددتان بالكحل، منحتاها نظرة أعمق وأكثر ثقة، فيما بقي مكياجها خفيفًا وأنيقًا للغاية.
ترتدي فستانًا كحليًا يصل إلى ركبتيها، بياقة مغلقة تحيط برقبتها بإحكام، وأكمام دانتيلية طويلة واسعة، تنتهي بأسورةً حريرية تطوق معصميها. حذاؤها ذو كعب خفيف بلون فضي، يتناغم مع مجوهراتها البسيطة. وفوق كل ذلك، معطف قصير أنيق أسود، وحقيبة يد بيضاء تزيدها رقيًا.
ابتسمت إيموجين وسألت بهدوء:
— كيف أبدو؟
اتسعت ابتسامة مايبل، وقالت بسعادة غامرة:
— أوه، لا يا إيمي! تبدين كأنك نجمه من السماء.
اقتربت جيما منها، وأمسكت بذراعها بحماس، وقالت:
— هيا بنا يا فتاة، لا أطيق الانتظار لرؤية رد فعل جوليان.
توقفت إيموجين مكانها، وقالت بتعالٍ مصطنع وغطرسة مبالغ فيها:
— على مهلكِ، أين تظنين نفسك؟
رمقتها جيما ببرود، وأجابت:
— هارفي ينتظرنا في نهاية الشارع، سيُوصلنا.
فتحت إيموجين عينيها بحماس، وقالت:
— إذن ماذا تنتظرين؟ هيا بنا.
---
توقفت السيارة في الموقف القريب، وبقي هارفي جالسًا للحظات خلف المقود، قبل أن ينظر إليهما من المرآة الأمامية ويقول:
— هل الدعوة جاهزة؟ لأن هناك حراسًا في الساحة الخلفية، حيث يُقام الحفل.
ابتسمت الفتاتان، وأخرجتا الدعوتين معًا. أومأ هارفي بهدوء، ثم قال وهو يرمق الطريق أمامه:
— هيا، انزلا.
نزلت إيموجين وجيما، واقتربتا من بعضهما وهما تتفحصان المكان بفضول. وكادتا تتحركان حين التفت هارفي وقال قبل أن يبتعدا:
— سأبعث لكِ الصور يا إيموجين.
التفتت إيموجين إليه، وأومأت برأسها، ثم بقيت تنظر إليه للحظات قبل أن تقول بنبرة خافتة:
— كن بخير... حسنًا؟
أومأ بهدوء، ثم نزل من السيارة واستدار مبتعدًا، متجهًا نحو ما بدا وكأنه مكان آخر. وقفت الفتاتان تراقبان ظهره للحظات، قبل أن تقول جيما بشرود وابتسامة عريضة:
— ذلك الرجل... إنه غريب حقًا. أعجبني... سآخذه.
ضربت إيموجين ذراع جيما بمزاح، وقالت لها بابتسامة ماكرة:
— هذا ليس وقته بتاتًا... هيا بنا إلى ذلك الحفل.
ثم استدارتا وبدآ يمشيان نحو المدخل، حتى بلغا البوابة وأخرجتا الدعوتين ليطلع عليهما الحارس. تفحص الدعوة جيدًا، ثم رفع عينيه ليرمق إيموجين لوهلة، وقال بعدم فهم:
— إيموجين ميدلتون؟ حقًا؟
ثم حدق فيها للحظات ورفع حاجبيه بدهشة. شعرت إيموجين بالتوتر، فأسرعت تقول:
— نعم، إنها أنا... بما أنني... يعني... كنتُ أجري مقابلة معه في أحد الأيام بالبرج، وقال إنه من الأفضل أن يدعوني.
ظل الحارس صامتًا يرمقها، ثم يعود لينظر في الدعوة، قبل أن يسلمها إليها ويقول:
— وجودكِ لشرف بالطبع يا آنسة... تفضلي.
أومأت إيموجين بابتسامة دبلوماسية مصطنعة، ثم تبعت جيما التي كانت تحاول جاهدة كبح ضحكاتها المكبوتة. رمقتها إيموجين بعصبية، وقالت لها همسًا:
— كفي عن هذا.
ثم انتقلت نظراتهما نحو ذاك الحفل المزدحم بالناس؛ رجال ونساء في أبهى حُلّة، يتنقلون هنا وهناك، أو يجلسون في مجموعات متفرقة. هذا يتحدث ويمزح، وذاك يتناقش في أمر ما. كان المكان يعج بضجيجٍ حقيقي، مزيجًا من الأصوات والضحكات الخافتة ونغمات الموسيقى الناعمة.
بقيت إيموجين تتلفت حولها، تبحث بعينيها عن جوليان بين الحشود المتراصة، بينما كانت جيما تراقب الموجودين بنظرة ثاقبة، حتى وقعت عيناها على فتاة خرجت ترتدي فستانًا أبيض، قصيرًا من الأمام وطويلًا من الخلف، بأكمام من التول مثبتة على كتفيها، كانت برفقة نفس ذلك الرجل... فاستنتجت سريعًا أنها ربما تكون هي.
ابتسمت جيما بخبث، وتقدمت بخطوات رشيقة تخترق الحشود.
أما إيموجين، فظلت تشعر بعدم الارتياح في هذا المكان، وهدفها المحدد لم يتبلور بعد. لكنها سرعان ما وقعت عيناها عليه وهو يخرج من أحد المداخل، وخلفه أهله يتبادلون أطراف الحديث. بدا كالعادة بملامح باردة محايدة، أو ربما مزاجه سيئ، لكن لا يُقرأ شيء من ملامحه الغامضة.
راقبته إيموجين باهتمام، غير مبالية بالحشد الذي يحيط بها، مركزة فقط على تلك اللحظة التي يقفان فيها هناك، مراسم ما بعد التوقيع على الأوراق القانونية. وقفا كليهما في مشهد غير تقليدي، أمام بعضهما البعض، وملامحهما محايدة كوجهين من حجر.
ظلت إيموجين تراقب طويلًا، مثبتةً نظرتها على جوليان خاصةً، مأخوذةً بجاذبيته وسحره في تلك البدلة المصممة على مقاسه. لكن ألمًا خفيفًا تسلل إلى صدرها في اللحظة التي انتهت فيها المراسم، وتبادلا قبلة باردة وجافة في النهاية. استدارت إيموجين سريعًا، لا تريد أن تنظر أكثر، وأخرجت هاتفها لترمقه: هل أرسل هارفي شيئًا؟ لكن شاشتها ظلت صامتة.
أفاقت من شرودها على صوت التصفيق الحار من الجميع، ثم عودة الناس إلى شؤونهم، لكنها لم تستطع البقاء هنا أكثر. بحثت حولها، حتى وقعت عيناها على مدخل جانبي، لكنه -للأسف- قريب جدًا من المذبح، أي أنها ستكون مرئية لأي أحد. أخذت نفسًا عميقًا محاولةً تهدئة نفسها، وقررت التسلل إليه عبر الحشود دون أن تلفت الأنظار. لكنها توقفت فجأة، إذ أدركت أنها ستكون مكشوفة تمامًا، وأن كعبها العالي سيعيق حركتها.
جثت للحظات، وخلعت حذاءها، وبقيت حافية القدمين. ثم رفعت معطفها ووضعته فوق رأسها، ثم تسللت بسرعة دون أن تحاول جذب الانتباه، واجتازت العتبة أخيرًا.
لكنها لم تكن تعلم أنه بينما كان جوليان واقفًا، يشعر بالملل ويرمق الحشد بعينين ثاقبتين، كان قد لمحها هي بالتحديد. عقد حاجبيه، ونظر حوله ببطء، ثم ألقى نظرة على والديه البعيدين اللذين يتحدثان مع والد عروسه، ثم راقب عروسه الجالسة مع صديقاتها -على الأرجح تشتكي منه.
عاد لينظر إلى المدخل مجددًا، متأكدًا من أن لا أحد يراقبه، ثم انسحب بخطوات خفيفة حذرة، حتى بعد دقائق من الترقب والحذر، دخل خلفها بسرعة.
---
خطت إيموجين إلى الداخل بخُطًى حذرة، تتلمّسُ فضاء المكان الخالي، تتجول هنا وهناك باحثةً عن ذلك المكتب. وضعت معطفها وحقيبتها مع حذائها جانبًا، كي تنطلق في بحثها بحرية، بينما تنادي بصوتٍ خفيضٍ حذر:
— هارفي! أين أنت؟
ثم وقفت في حيرةٍ تامةٍ وسط تلك الردهة، تُحدّق في الأبواب الموصدة أمامها. حتى وقعت عيناها أخيرًا على بابٍ يتسرّب من تحته شريطٌ من الضوء الدافئ... ربّما هو المكتب؟ عزمت أمرها، وانطلقت بخطواتٍ واسعةٍ سريعة، تكاد لا تُحدث صوتًا، حتى بلغت الباب، فأمسكت بالمقبض وأدارته برفقٍ، ثم فتحته... فإذا هي مكتبةٌ أنيقة، وهارفي ليس هنا.
رمقت المكان للحظات، وخيبة الأمل ترتسم على محيّاها. لكنها ما لبثت أن قفزت مذعورةً، حين شقّ الصمتَ الحاضرُ صوتُ جوليان الحادّ:
— لماذا تتسلّلين في قصري، يا آنسة إيموجين؟
تراجعت بسرعة مذعورة، وعقدت ذراعيها على صدرها في وضعيةٍ غريبةٍ عفوية، وابتسمت ابتسامةً متوتّرة، وقالت باضطرابٍ:
— أوه... جوليان روكلي بنفسه؟ واو... كنتُ أبحث عنك لأهنئك، في الحقيقة.
عقد حاجبيه، وشبّك ذراعيه على صدره، وقال بحِدّةٍ:
— كفّي عن العبث، يا فتاة... لماذا تتسلّلين إلى قصري هكذا؟ ماذا تريدين؟ وكيف أتيت أصلا؟
ابتلعت غصّتها بصعوبةٍ، وارتعشت قبضتها على ذراعيها ارتعاشةً خفيفةً، وقالت بصوتٍ متهدّجٍ، يكاد يُفضح ارتباكها:
— أنا... في الحقيقة... يعني...
لكنها تجمّدت في مكانها. وجسدها كله تصلّب حين وجدته يقترب، وانحبست أنفاسها في حلقها. حاصرها، وأمسك بمقبض الباب خلفها، فأغلقه بحركةٍ حادّةٍ، ثم استند بكفّه عليه، وأخذ يرمقها للحظات، صمت ثقيل ينساب بينهما، قبل أن يقول بهدوءٍ مريبٍ:
— أتظنينني لا أعرف أنك تتجسّسين علي؟ أنا أعرف كلّ شيء عنك، يا إيموجين ميدلتون.
أشاحت بنظرها عنه، وقالت بصوتٍ متوتر:
— أنا لا أفعل شيئًا سيئًا يا جوليان روكلي.
ثم عادت تنظر إليه مجددًا، وبينما كانت عيناها تلمعان بثقةٍ مصطنعة —أو ربما بدموع تحاول جاهدةً ألا تنزل— أتمت بجديةٍ ثقيلة:
— كل تحركاتي، وكل ما أفعله، هو من أجل عائلتي... أليس كذلك؟ ألم تخبرني أنت بنفسك، وبصياغةٍ ما، أن العائلة هي الأهم؟ وأنك استغليت مشاعري من أجلهم؟ فلماذا تلومني الآن؟
بقي يرمقها للحظاتٍ، يتفحص ملامحها بحيرةٍ ظاهرة، وعيناه ترتعشان ارتعاشةً خفيفةً مما قالته، بينما تابعت هي، وصوتها يكاد يكون هامسًا:
— التجسس... شيء سيء، صحيح؟ لكنك علمتني يا جوليان روكلي... أنه طالما كان الأمر يخص العائلة، ويُرضيهم... فهو جيد.
اتسعت عيناه حينها، صدمة ودهشة تمازجتا في نظراته. وقد بقيت أنظارهما معلقةً في بعضهما، والجو بينهما مشحونٌ بتوترٍ كثيفٍ. هو ينظر في عينيها باحثًا عن شيءٍ، وهي تنظر إليه بعكس نظراته تمامًا: محايدة، جادة، مركزة، كأنها تراه لأول مرة.
لكن سرعان ما تحولت ملامحه إلى ذلك الغضب الذي حاول كبته سنين طويلة، وفجأة، دون مقدمات، قبض على كفه وضرب الباب خلفها ضربةً عنيفةً، ارتجّ لها الإطار، بينما انكمشت هي قليلًا من ذلك العنف المفاجئ. أما هو فابتعد عنها خطواتٍ، ودار حول نفسه، وقال بصوتٍ يغلي غضبا:
— تبا لك يا إيموجين، وتبا لي، وتبا للعائلة.
ثم استدار إليها فجأة، وصرخ بها، وصوته يكاد يتمزق:
— كيف تفهمين أنت؟ ها؟ أتظنين أني فعلت ذلك من أجل عائلتي؟ من أجل إرضائهم؟ إذن أنا بالنسبة لك الابن الناجح لإرضاء عائلته، حقًا؟!
اقتربت منه حينها بخطواتٍ واثقةٍ ومصممة. رفعت وجهها لتنظر إليه، و أشارت بإصبعها نحو صدره، ترمقه بحدةٍ في عينيه، حتى كاد الفصل بينهما أن يتلاشى، وهي تصيح بغضبٍ مماثل:
— أنت لا تشرح شيئًا، أنت لا تتحدث، أنت دائمًا تبرر لنفسك وتغير الإجابة حين تجد نفسك في مأزق، وهذا بالضبط ما فعلته معي الآن!
صمتت للحظاتٍ تلهث، ثم تغيرت ملامحها تمامًا، ولانت قسمات وجهها. تراجعت خطوةً إلى الوراء، لكن دون أن تفكك التواصل البصري بينهما، وأكملت بهدوءٍ شابه ألمٌ خفي:
— إن لم يكن لإرضاء عائلتك، إذن، ولا لأي أحد... فما هو دافعك يا جوليان؟ لا يوجد إنسان يتحرك دون دافع... أيا كان. الدوافع عديدة، أحيانًا تكون وجودية... بل أحيانًا تكون مجرد صدى لفراغٍ داخلي. لذا أخبرني يا جوليان... ما هو دافعك؟
ساد صمتٌ ثقيلٌ بينهما، لم ينطق فيه أحدٌ بحرف. لكن إيموجين بقيت واقفةً، صامدةً، تنتظر بصبرٍ يشبه العناد، تحدق فيه دون أن تطرف، بينما هو أبعد نظراته نحو الأرض.
وهي أكملت، وأشاحت بنظرها نحو اللاشيء، وكأنها تخاطب نفسها أكثر منه، بنبرةٍ متأملةٍ هادئة:
— لأنه على حسب علمي، قد يكون دافعك الأنانية والسطوة فحسب. شيء تعتقد أنه... أنه القوة... بينما في الحقيقة هو استنزافٌ للروح. مجرد وهمٍ يلبس ثوب العظمة، يخفي تحته فراغًا يصرخ.
عادت تنظر إليه مجددًا، واقتربت خطوةً واحدة، وقالت بتساؤلٍ خافتٍ:
— هل ما خمنته أنا صحيح؟ لكني أتمنى ألا يكون صحيحًا... أخبرني أنه ليس صحيحًا، جوليان.
بقي مترددًا للحظات، ثم رفع نظراته بهدوءٍ نحوها. تأمل ملامحها مليًّا، لاحظ ذلك الأمل الذي بدا غريبًا على غير العادة، ذلك الهدوء الذي لم يتوقعه، وثباتها الذي هزّ شيئًا في داخله. انقبض صدره بشعورٍ مجهول، ربما ألم، ربما إدراك متأخر، وربما شيء آخر لا يجرؤ على تسميته.
حينها حرك شفتيه، وأكمل ببرودةٍ بدت متكلفةً فجأة:
— أنت لا تعرفيني يا إيموجين... وتوقفي عن استنتاج استنتاجاتٍ غبية، لأنه ليس من شأنك.
التزمت الصمت حينها، بينما تراقبه بعينيها الثاقبتين، واحتفظت ملامحها بهدوئها الغريب، قبل أن تومئ بإيماءةٍ مضطربةٍ، وتقول بخفوتٍ:
— إذن... ليس من شأنك أن تجمع معلومات عني، لأنه تطفلٌ. مثل سؤالٍ بسيطٍ مني، أحاول منه أن أفهمك... تظنه تطفلًا.
ما إن أنهت كلماتها، حتى ساد صمت ثقيل في الجو، محمل بمشاعر مجهولة. لكن سكون اللحظة لم يدم طويلًا، إذ قطعته فجأةً فوضى عمّت في الخارج، وصوت العروس يصرخ بكلماتٍ غير واضحة، تتداخل مع أصواتٍ مذعورة.
تسمرا في مكانيهما للحظات، قبل أن يستوعبا أن الفوضى حقيقية، وأن شيئًا ما يحدث في الخارج. حينها انطلق جوليان بسرعةٍ، وتبعه إيموجين بسرعةٍ مماثلة. و في طريقها، التقطت أغراضها.
وما إن خرجا حتى تفاجآ وتسمّرا في مكانيهما مما رأياه. كانت العروس قد نزعت الخاتم من إصبعها، بينما يحاول والدها وصديقاتها تهدئتها، والجميع مصدومون يحاولون فهم ما يجري، وهي تواصل الصراخ بانهيار، وقد مزّقت أوراق الزواج، وصاحت:
— أنا لن أكمل هذا الزواج، مفهوم يا أبي؟ حتى لو كانت هذه الزيجة مصيري، لا يهمني أبدًا. لا يمكنني العيش هكذا، هذه ليست أنا!
وقفت إيموجين في مكانها متجمدةً، قبل أن تقترب منها جيما بخطواتٍ خفيفةٍ، وعلى وجهها ابتسامة خبيثة تفيض رضًا. التفتت إيموجين نحو جيما بدهشةٍ ممزوجةٍ بفضولٍ ملحٍ، وسألت بصوتٍ خفيضٍ:
— ما الذي حدث؟
ضحكت جيما واضعةً يدها على فمها، وقالت بنبرةٍ متهللةٍ:
— ذهبت إليها وجلست بين صديقاتها، وبدأت أمتدح مظهرها وفستانها كي تثق بي... ثم قلت لها الحقائق، من هو جوليان حقًا، وأنه كان لديه حبيبةٌ من قبل واستغلها، وكل شيء. اتضح أنها تعرف والدها جيدًا، وكانت رافضةً لهذا الزواج تمامًا من البداية... إنها مجبرةٌ يا إيموجين. لكن يبدو أنها ما إن عرفت أن هناك من يعرف القصة، حتى ازدادت قوةً وثقةً، وانفجرت هكذا مشتعلةً، تمزق العقود وكأنها تمزق قيودها.
اتسعت عينا إيموجين دهشةً مما سمعته، وبرق في عينيها بريقُ حماسٍ مكتوم، وقالت بصوتٍ ينبض بالإعجاب:
— واو... هذا رائع.
وبينما كانت تحكم قبضتها على معطفها وحقيبة يدها، شعرت فجأةً باهتزاز هاتفها في كفها.
فأخرجته بسرعة، وألقت نظرة سريعة على الشاشة، فإذا بالصور قد وصلتها، وإلى جانبها رسالة مرفقة بملصقٍ يحمل وجها مبتسما ابتسامة جانبية ساخرة، تقول:
— لقد تم كشف أمري.
صمتت إيموجين للحظات، وشعرت بالقلق يتسلل إلى صدرها، بينما نظرت جيما معها إلى الهاتف، ثم أمسكت بمعصمها بقوةٍ وقالت لها بعجلةٍ مذعورة:
— هي يا إيموجين، لا وقت للتفكير الآن.. لنستغل هذه الفوضى ونهرب.
نظرت إليها إيموجين بتوترٍ بالغ، وقالت وصوتها يرتجف:
— لكن هارفي كشف أمره.
تنهدت جيما بتنهدٍ ثقيلٍ يشبه الاستسلام، وقالت بجديةٍ حازمة:
— اتركيه يا إيموجين، هذه ليست نهاية حياته يعني.. هذه مشكلته، سيتعامل معها وحده.
لكن فجأةً، وقبل أن ترد، انقطعت الأصوات فجأةً، وساد صمتٌ مفاجئ ثقيلٌ، حين ألقى سيد روكلي بملاحظته التي شابها الدهشة والتساؤل:
— إيموجين ميدلتون؟
Julie Sami