آلَمًقُآبًلَةّ

آلَمًقُآبًلَةّ

9 0

كان المكان عند المؤتمر مزدحمًا، ممتلئًا بالمراسلين الذين بدؤوا التسجيل، والصحفيين يتهافتون، والمصورين الذين تومض كاميراتهم كل دقيقة كالنجوم. بالطبع، كان ذلك في الخارج.

أما في الداخل، فكان المكان أكثر هدوءًا، وأكثر تنظيمًا، كعالم موازٍ لا يصل إليه الضجيج.

اتفقت إيموجين مع مايبل على أن تقوم هي بتصوير كايل، بينما ستصور إيموجين مع حشد الصحافة الآخرين الذين ينتظرون الأسئلة ودخول الأعضاء الرئيسيين.

بقيت إيموجين، كلما اعتقدت أنه أتى، تستعد بكاميرتها لتصويره... لكن يتضح أنه شخص آخر. ليس ذلك فقط، بل الجميع في عجلة من أمرهم، يدفعونها باستمرار وكأنها ليست هناك.

لكنها سئمت.

بدأت تتدافع بينهم، غير مكترثة باللباقة الآن. مصورة محترفة؟ حسنًا، لتصبح محترفة بمعنى الكلمة.

حتى، وأخيرًا، بينما كانت تصوّر من بعيد، توقفت تلك السيارة السوداء. فلمعت عيناها بشغف متجدد، وضبطت عدسة كاميرتها جيدًا، صوبت كالقناص الذي لا يخطئ هدفه.

ثم خرج الحارس الشخصي أخيرًا، وفتح الباب، فخرج جوليان روكلي بهالته التي تجذب الأنظار.

تكاد تنهال عليه الأسئلة ووميض الكاميرات الذي يعمي الأبصار، لكن الحارس الشخصي وقف كجدار حديدي، يُبعد الجميع ليتمكن السيد جوليان من العبور بسلام.

وإيموجين... لم ترفع عينها عن عدستها للحظة.

وللحظات، شعرت إيموجين أن الضجيج يتلاشى من الخلفية. كأن العالم خفض صوته فجأة، وكأن الزمن توقف عند تلك العتبة.

تسارع خفقان قلبها بشكل واضح، لدرجة أنها شعرت به ينبض في أذنيها، يكاد يخرج من صدرها. وقفت متجمدة تمامًا، عيناها اتسعتا، وحاجباها ارتفعا.

ترمقه بدهشة وانبهار، وكأنها تراه لأول مرة.

شرِدت في مظهره تمامًا بينما يمر دون أن يلتفت يمينًا أو يسارًا، وكأن لا أحد هناك. أخفضت الكاميرا قليلًا عن وجهها لترمقه بعينيها اللتين لمعتا بالعديد من المشاعر المتضاربة.

حتى اختفى خلف الأبواب.

بقيت تستوعب للحظة أنها تقف هنا بالفعل. لكن... هل وقوفها ذا فائدة؟ لم يرها. لم يلتفت. فقط كعادته، ينظر أمامه.

ثم، سرعان ما تسلل الضجيج مجددًا إلى مسامعها. وعندها أدركت أنها كانت تكتم أنفاسها.

نظرت حولها للحظات، ثم فجأة، التفتت وغادرت المكان، متجهة إلى أقرب مقهى، تاركة خلفها كل شيء: الضوضاء، الكاميرات، ووهج اللقاء الذي لم يحدث.

---

دخلت إيموجين المقهى فجأة، فالتفتت إليها الأنظار للحظة، لكنها لم تكترث. تقدمت بخطوات واسعة نحو دورة المياه الخاصة بالمقهى، وما إن دخلت حتى أغلقت الباب خلفها بقوة.

وقفت للحظات تتأمل المكان، حتى وقعت عيناها على الحوض هناك. اقتربت منه وفتحت الصنبور بقوة، وضعت راحتيها تحت الماء ليغمرهما، ثم رفعت يديها بسرعة لتغسل وجهها، لعله يغسل أيضًا ثقل الماضي الذي لا يفارقها.

ظلت ترش الماء على وجهها حتى ابتلت ملابسها عند الصدر، وشعرها المجعد المحيط بوجهها صار رطبًا في لحظات.

رفعت عينيها نحو المرآة، تتأمل ملامحها المنهكة. للحظات، وقفت صامتة تحدق في وجهها الشاحب، ثم تنهدت بعمق. سحبت منديلًا ورقيًا، جففت به يديها، ثم استدارت بخطوات مثقلة وغادرت الحمام.

اقتربت من طاولة قريبة، جلست وأسندت رأسها عليها، تغمض عينيها للحظات. شعرت بإرهاق يسحق كل شيء.

لكن فجأة، امتدت يد تمسك بذراعها برفق. رفعت وجهها بسرعة، متسائلة عمن يجرؤ على فعل ذلك، حتى أدركت أنها آيفي، التي أشارت إليها بأن تهدأ.

تراجعت إيموجين للخلف قليلًا، ومررت يدها في شعرها المبلل، وقالت بهدوء:

— لماذا تركتِ المكان؟

تنهدت آيفي وجلست أمامها، وقالت في هدوء:

— الفِرق الداخلية تتولى أمر البث... لذا من داعي لأن تأخذ الفِرق الخارجية استراحة.

ضحكت آيفي قليلاً، ثم قالت:

— لكن يبدو أن كايل لم يتعب. ما زال يثرثر في البث خارج المبنى، ويعطي رأيه وتحليلاته، وهو حاليًا في مداخلة مع البرنامج. يا إلهي... لقد شعرت مايبل بأن يديها قد تخدرت.

ابتسمت إيموجين، ومالت إلى الأمام مستندة على الطاولة:

— أكيد مايبل تسبني الآن في سرها.

ضحكت آيفي بخفة، ثم تابعت:

— أما ديلان، فهو يصور البث في الداخل، ويبدو أنه جالس يشعر بالملل لدرجة أن الطاولة بجانبه امتلأت بزجاجات الصودا. أما ريس... فكما تعرفين، هو المسؤول عن تحويل البث المباشر عبر الإنترنت والقناة الفضائية على التلفاز.

ابتسمت إيموجين بهدوء، وقالت بصوت دافئ:

— كم هم فريقًا جيدًا حقًا... أنتم رائعون.

بادلتها آيفي الابتسامة، وقالت بهدوء:

— أنتِ أيضًا رائعة يا إيمي. مهارتكِ تكمن في استخدام العدسة بطريقة احترافية. أنتِ لستِ مجرد مصورة مثل مايبل وديلان... أنتِ قناصة.

احمرت وجنتا إيموجين، وأشاحت بنظرها للحظات، ثم قالت بخجل:

— أوه... هذا الكلام يشعرني حقًا بالخجل. لأنه ربما... ليس حقيقيًا.

تنهدت آيفي، وقالت بنبرة واثقة:

— وما الذي يدرِيكِ أن كلامي ليس حقيقيًا؟ بل هو كذلك.

صمتت إيموجين، لم تستطع الرد. فامسكت آيفي بيدها بلطف، وقالت بهدوء:

— أخبريني بما يزعجك. هل هو السيد جوليان، كما تقول مايبل؟

تنهدت إيموجين، وحكت مؤخرة رأسها بتوتر، وقالت بصوت مبحوح:

— أنا... لا أعلم. أشعر بالارتباك.

— لا بأس، إيموجين. لتتخطي هذه المشاعر، فكّري في حدث اليوم على أنه مجرد عمل. لا داعي للحزن، ولا للارتباك. ولا داعي... للغضب. لا داعي للمشاعر الشخصية يا إيموجين. إن أردتِ أن ترتاحي، وتجدي السعادة، فقط اجعلي تصرفاتك في وجوده أو أمامه قائمة على العمل. دون أن تبرري له أي شيء.

رفعت إيموجين نظرها نحو آيفي، التي كانت ترمقها بنفي هادئ شبه ثاقب. أطالت إيموجين النظر، حتى أكملت آيفي بهدوء قاطع:

— أنا جادة.

ابتلعت إيموجين غصتها بصعوبة، ثم صمتت للحظات تفكر. حتى عقدت حاجبيها، ونظرت إلى آيفي وقالت بصوت يعلوه التصميم:

— أتعرفين؟ أنتِ على حق تمامًا.

ابتسمت آيفي بارتياح حينها، بينما بدأت ابتسامة مليئة بالترقب تتشكل على ثغر إيموجين، فقالت:

— بالطبع سأفعل ذلك...

رفعت آيفي حاجبها بفضول، وسألتها:

— في ماذا تفكرين؟

نظرت إليها إيموجين للحظات، ثم أمالت عنقها قليلاً، واتسعت ابتسامتها أكثر، حتى بدت عريضة تكشف عن أسنانها. قالت بثقة غامضة:

— لا شيء.

تفاجأت آيفي من تغير سلوكها المفاجئ، وراقبتها وهي تقف، تأخذ كاميرتها، ثم تعيد النظر إليها وتمد يدها قائلة:

— هيا بنا... لنعد إلى الموقع.

ابتسمت آيفي حينها، وأمسكت بيدها ونهضت خلفها. أخذتا حقيبتيهما، ودفعتا مكان جلوسهما، وغادرتا المقهى معًا، وعيناهما على ما هو قادم.

---

كانوا قد عادوا إلى المبنى مجددًا، حيث لا تزال ثرثرة المراسلين تملأ الأجواء، وأصوات الكاميرا وهي تلتقط الصور دون توقف. لكن الجو كان قد خفت حدته قليلًا، كأن العاصفة مرّت وتركت خلفها همسًا.

وقفت إيموجين تضبط إعدادات كاميرتها وعدستها بدقة، ورمقت الساعة بترقب. وما إن انتهى المؤتمر حتى تقدمت في الصف لاستكمال عملها، وتصوير من يخرجون منه.

قامت بعملها بالفعل على أكمل وجه: صورت كل شيء، الأقل والأكثر، أصغر التفاصيل وأكبرها.

وما إن خرج السيد والسيدة روكلي، حتى عقدت حاجبيها بتركيز، تراجعت للخلف قليلًا، وضبطت العدسة جيدًا. التقطت الصور بينما كانا يسيران متجهين إلى سيارتهما. راقبتهما هذه المرة حتى اختفيا داخل السيارة، بعيدًا عن عدسات الكاميرات. ثم انطلقت سيارتهما.

فيما بعد، خرج السيد جوليان.

التفتت إليه العدسات والميكروفونات كأنه نجم وحيد في سماء الحدث.

ابتسمت إيموجين بثقة، وضبطت العدسة، وتقدمت إلى الأمام لتصور. اشتعل الحماس في روحها مجددًا، وارتسمت ابتسامة عريضة على وجهها لم تستطع إخفاءها، وكأنها تقول للعالم أن هذه لقطتها.

انهالت عليه الأسئلة مجددًا: بخصوص أفكار المشاريع القادمة، كيف حصل عليها، وما خطته القادمة. وكالعادة، شعر بالضيق من هذا الإلحاح الذي لم يزده سوى توترًا. لذا تدخل حارسه الشخصي، وأبعدهم عنه قدر الإمكان، كأنه يزيح جدارًا من الضوضاء.

رمقته إيموجين بدهشة بينما كان يقترب من سيارته. خفق قلبها أكثر حين لاحظت علامات انزعاج حقيقية على وجهه، تلك التجاعيد الدقيقة بين حاجبيه التي كانت تعرفها جيدًا.

ابتسمت بمكر. ثم قفزت قفزة خفيفة، ونادت بأعلى صوتها بين الحشد المثرثر، ولوحت بيدها:

— هاي، جوليان! لا تنزعج يا رجل... هذه أمور طبيعية جدًا للشخص الناجح!

توقفت خطواته.

هل سمع؟ لا... لم يسمع بالضبط، لكنه شعر وكأن كلامًا ما موجّه نحوه. التفت ينظر إلى الحشد بحيرة، قبل أن يقترب منه حارسه الشخصي ويفتح له الباب، قائلًا بتوتر:

— سيدي... من فضلك، بسرعة.

أومأ جوليان بهدوء، بينما مرت نظراته عليهم وهو يركب سيارته. للحظة، شعر أنه لمحها. لكن هل ذلك حقيقي؟

ما إن أغلق الحارس الباب، حتى أعاد جوليان النظر عبر زجاج السيارة، يتفقد الحشد بسرعة. لكن السيارة لم تسمح له برؤية المزيد، حيث كان الحارس قد قاد السيارة وانطلق مبتعدًا.

انزعجت إيموجين حينها، ودفعت الأقرباء منها جانبًا حتى خرجت إلى الطريق. رمقت السيارة التي اختفت أضواؤها تدريجيًا في زحام المساء.

تنهدت باستسلام. ثم التفتت بثقل... لكن فجأة، رفعت ذراعيها إلى السماء، وصرخت بحماس لا يُوصف:

— أنا... لقد فـعـلـتـها!

---

وبينما كانت السيارة تسير، وهديرها الناعم يملأ المكان بهدوء، بقي جوليان مستندًا بمرفقه على زجاج النافذة. بدا شاردًا للحظات، يحاول إعادة المشهد في عقله مرارًا. لكن كل مرة لا يتوصل إلى إجابة. ربما... كان يتهيأ.

أنزل يده بتثاقل، وتنهد في هدوء، بينما ظلت عيناه ترمقان الطريق المار بجانبه، والمصابيح تتساقط خلفه كنجوم سريعة الزوال.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصورتي المتطفلة

المؤلف Julie Sami
2026/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة