مًفُآجّأةّ

مًفُآجّأةّ

11 0

في اللحظة التي اخترق فيها الصوت العميق الجو فجأة، تجمدت إيموجين مكانها للحظة، ثم التفتت بسرعة خلفها.

كان رجلًا يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ونظارة شمسية مدسوسة في جيب صدره. شعره أشعث قليلًا، وعيناه الرماديتان ترمقانها ببرود قبل أن تنتقل نظراته إلى موظف الاستقبال، ليكمل بهدوء:

— في الواقع، السيد جوليان هو من أخرها. لذا بأمر منه، دعها تذهب. لا داعي للمبالغة.

صمتت إيموجين للحظات، وفمها مفتوح قليلًا وهي تحاول استيعاب ما حدث. ثم نقلت نظرها المندهش إلى موظف الاستقبال، الذي رمق الرجل للحظات قبل أن يتنحنح ويعتذر بنبرة جافة:

— آه... إذًا... يمكنكِ الذهاب.

لكنها لم تتحرك. تجمدت مكانها للحظة، لكن الرجل تقدم إليها فجأة وأمسك بذراعها. اندهشت وصدمت في آنٍ واحد، وكادت تسحب ذراعها وتصرخ، لكنه جرها بهدوء إلى خارج المبنى دون كلمة.

فقط حين التقيا بهواء المساء البارد أطلقها. وقفت إيموجين ترمقه بحدة، وصوتها مكتوم بالغضب والحذر:

— من أنت؟

تنهد ورمقها بلامبالاة، ثم قال بنبرة ساخرة باردة:

— من سأكون مثلًا؟ حارسه الشخصي.

اندهشت إيموجين للمرة الثالثة، حتى تذكرته منذ يوم المؤتمر. شهقت واضعة يدها على فمها، وقالت بسعادة غريبة كادت تقفز بسببها:

— هل جوليان هو من أمرك بإخراجي من هنا؟

رفع حاجبيه مما قالته، متفاجئًا من تحولها المفاجئ وغير المنطقي، قبل أن ترتسم ابتسامة ساخرة على وجهه ليقول بلا مبالاة:

— لا.

تجمدت إيموجين مكانها، وتلاشت ابتسامتها. رمقته بعدم فهم، ثم تساءلت بارتباك:

— لا؟ لكن... لماذا أخرجتني؟ كيف؟

رمقها طويلًا، ملامحه لا تزال تحمل الابتسامة الساخرة نفسها، وكأنه توقع رد فعلها تمامًا. تنهد ووضع يده في جيب بنطاله، رافعًا وجهه متأملًا المكان، وهو يقول:

— أنا من فعلت ذلك. كما أنني...

توقف لحظة، ثم عاد ينظر إليها بابتسامة واثقة جعلتها تحبس أنفاسها مترقبة، مغرزة نظراتها في ملامحه:

— كما أنني جمعت معلومات عنك وقدمتها له... لكن... وجدت فيك فرصة حقًا.

بالكاد ابتلعت إيموجين إيماءاتها، بينما ارتسم الارتباك على ملامحها بارتعاشة خفيفة قبل أن تسأل بهدوء مصطنع:

— لم أفهم.

تنهد بصمتٍ لوهلة، ثم قال بصوت خافت:

— ما أعنيه... ربّما أنتهز فرصة ما... لأُساعدك في إكمال مهمتك. لكن احذري... جوليان بات يعرف من أنت.

اتسع حدقا إيموجين فجأة، وقالت بصوت مكتوم:

— مـ... مهلًا، جوليان يعرف حقيقتي؟ كيف حصل على معلومات عني؟

— الأمر أسهل مما تتصورين.

تجمدت إيموجين مكانها كتمثال من صدمة، عيناها مفتوحتان على اتساعهما، تحدقان في ملامحه التي قابلتها بنظرات حائرة أمام صمتها المطبق. لكنها فجأة تراجعت خطوتين إلى الخلف، ثم انفجرت فجأة برأس مرفوع نحو السماء وذراعين ممدودتين، وشفة مرتسمة بابتسامة عريضة غامضة، لتصرخ بصوت عالٍ لا يُدرى أهو غضب أم حماسة:

— لـــقــد صـــــــرت فــــــــي أفــــــڪار جــــــــولــــــيان!!

صمت الجو بعدها بطريقة غريبة، بعد ان تردد صدى صوتها في الأرجاء.

بينما وقفت تلهث، ولا تزال تلك البسمة مرتسمة على ملامحها. لكنها تفاجأت حين شعرت بقطرة ماء صغيرة تلامس خدها. رمشت بعدم فهم، واستقامت شاردة للحظة، ثم رفعت يدها تمسح على خدها حيث سقطت القطرة. أبعدتها تنظر إليها، فإذا بقطرة أخرى، ثم أخرى، تبدأ بالتساقط واحدة تلو الأخرى.

أخفضت إيموجين يدها، وكأنها شعرت بثقل القطرات على جلدها، ثم أمالت وجهها ببطء نحو الأرض، وقد انحنى كتفيها مجددًا في استسلام هادئ.

راقبها الحارس الشخصي للحظات، فيما تحولت ملامحه من الصدمة إلى الحيرة. اقترب منها بضع خطوات، وقال بهدوء:

— أتعرفين؟ أنت غريبة جدًا يا إيموجين ميدلتون.

ظلت صامتة، وقد اعتلى ملامحها فراغ مؤلم، ثم تنهدت باستسلام في محاولة لإزاحة ثقل ما عن صدرها، بينما بدأت قطرات المطر تتساقط في رذاذ خفيف. استقرت القطرات على شعرهما وبشرتهما، وانعكس عليها أضواء الشارع، فلمعت على محياهما بطريقة آسرة.

عمّ صمت مريح بينهما للحظات. ظل يراقبها طويلًا بنظرات هادئة، أما هي فرفعت ببطء عينيها تجاهه ترمقه. مرت لحظات في ذلك الصمت الخفيف، بدا فيه تفاهم هادئ.

حينها بادر هو بالكلام:

— اسمي الحقيقي هارفي وايلد.

عمّ صمت ثقيل في المساحة بينهما، فيما تجمد جسدها مكانه. اتسعت عينا إيموجين مما قال، وفتحت شفتيها محاولة إخراج الكلمات، لكنها أثقلت في حلقها. أما هو، فظل يراقبها طويلاً قبل أن يقول:

— أجل... وايلد. عائلة سقطت منذ 12 عامًا... ثم أنتم قبل 10 أعوام. وقريبًا... الكثيرون.

راقبته إيموجين طويلاً بدهشة، وقد اشتدت قبضتها على حقيبتها، بينما ازداد رذاذ المطر ثِقلاً متحولاً إلى قطرات غزيرة يُشعر بها على الجلد.

اقتربت منه قليلًا، وقالت بهدوء رغم دهشتها الأولى:

— لكن... أنا لم أسمع بك من قبل.

— لأني كنت أصغر إخوتي. كان عمري 16 عامًا حينها، لم يكن لي دور مهم بعد.

ظلت إيموجين ترمقه طويلًا، ثم قالت بشرود، وقد خفت قبضتها على حقيبتها:

— أنت... إذاً في مثل عمري.

تنهدت إيموجين ورفعت رأسها ترمق السماء حولها، ثم قالت بهدوء، بنبرة متأملة:

— إنها تمطر بالفعل... يا للمأساة.

تنحنح هارفي ثم قال بهدوء:

— دعيني أوقف لك سيارة أجرة.

فاقت إيموجين من شرودها حين وقعت عيناها على جسده يتقدم ناحية الطريق ليوقف إحدى سيارات الأجرة المارة. راقبته بدهشة طفيفة، شاردة في وضعيته للحظة خاطفة، وشعرت فجأة بضيق في صدرها، ضيق أثقل عليها.

تنهدت، ثم عدّلت حقيبتها على كتفها، وأخذت نفسًا عميقًا مغمضة عينيها قبل أن تفتحهما مجددًا، رغم الثقل الذي لا يزال ساكنًا في نظراتها. تقدمت.

كان قد أوقف سيارة بالفعل، بل ودفع الأجرة مقدمًا عنها. تفاجأت إيموجين، تراقبه بحيرة وامتعاض، حتى صاحت فجأة بحدة وغضب متهكم:

— ما الذي تفعله؟

أدار عينيه ببرود، ثم رمقها بلامبالاة قائلًا:

— مصاريف الأجرة ليست مثل الترام. إنها أغلى ثمنًا.

تنهدت وعقدت ذراعيها على صدرها قائلة بحزم:

— أعرف ذلك... كان بإمكاني أن أمشي متجهة إلى محطة الترام.

انحنى هارفي في ابتسامة باردة قائلًا باستخفاف:

— حقًا؟ في هذا الجو الممطر؟ على الأقل الأجرة تُوصلك حتى باب منزلك. هيا، اركبي.

انزعج السائق حينها ونظر إليهما قائلًا بنفاد صبر:

— هيا، متى ستنتهيان؟

التفت هارفي نحو السائق بازدراء قائلًا بسخرية:

— اخرس.

ثم التفت مجددًا إلى إيموجين بابتسامة ساخرة، بينما فتح لها الباب وأشار إلى الداخل بحركة ملكية متعالية:

— هيا يا آنسة إيموجين، لا تؤخري السائق أكثر.

رفعت حاجبيها للحظات، متفاجئة لكنها ابتسمت، واضح أنها استمتعت بالموقف. تقدمت رافعةً ذقنها بتحدّ، وأطلقت ابتسامة باردة قائلة بنبرة واثقة متهكمة:

— ألا يمكنكم الانتظار لأجلي؟

ما إن استقرت في المقعد، حتى رمقها هارفي للحظات متمسكًا بابتسامته، ثم أغلق الباب برفق وابتعد عن السيارة التي انطلقت بهدوء في الطريق. أما إيموجين، فظلت تحدق فيه من النافذة حتى ابتعد، بينما شوش المطر رؤيتها عبر الزجاج.

تنهدت مبتسمة، واستقامت في جلستها، تحدق في الطريق بهدوء شعرت -لأول مرة- بالراحة.

---

أشرقت شمس اليوم التالي معلنة بداية جديدة، لكن كالعادة احتفظت سماء مانشستر بلونها الرمادي طوال الشتاء.

وفي حي بريستويتش، بدت ساعاته الأولى هادئة، باستثناء بعض الناس الذين يغادرون بيوتهم مرتدين معاطفهم الثقيلة لتحميهم من البرد القارس. كانت الأرض الحجرية تلمع من آثار رذاذ ليلة أمس، بينما اقتربت بعض المساحات التي غمرتها كمية كافية من الماء من الجفاف.

لكن في شقتها، بقيت إيموجين غارقة تحت البطانية على سريرها، تحتضن الوسادة، غير مستعدة لمواجهة العالم بعد، راغبة في التمسك بملاذها الحالي.

كانت مستيقظة بالفعل، ترمق النافذة بشرود، وقبضتها مشدودة على نسيج البطانية الناعم. بدت ملامحها هادئة على غير العادة، شاردة، وربما تحمل بعض الألم والإرهاق.

لكن الهدوء لم يدم طويلًا، إذ رن هاتفها فجأة. ورغم ذلك لم تتحرك من مكانها. بقيت لحظات قبل أن تنهض بانزعاج، تعيد شعرها إلى الخلف. تأفأت ثم نهضت مقتربة من طاولة المرآة، أزالت الهاتف من شاحنه، ورمقت المتصل للحظات، فإذا بها تفاجأ أنه والدها.

حدقت فيه بدهشة قبل أن ترد عليه مترددة. تنحنحت أولًا، ثم قالت بهدوء حاولت إخفاء خيبة أملها فيه:

— نعم، أبي؟

— تعالي إلى المنزل، إيموجين.

عقدت إيموجين حاجبيها بعدم فهم من أمر والدها المفاجئ، وترددت بالفعل وهي تقول بارتباك:

— آتي إلى... المنزل؟

— أجل. أريد مناقشة أمر ما. لذا تعالي.

ثم أغلق الخط.

أرجعت الهاتف عن أذنها، ترمق الشاشة السوداء للحظات، ثم أنزلته وبقيت شاردة تحاول أن تفهم ما الذي يجري. لكنها سرعان ما انتقلت ناحية خزانتها لتخرج منها ملابس ترتديها بعجلة، متلهفة لمعرفة كيف سيبدأ هذا اليوم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصورتي المتطفلة

المؤلف Julie Sami
2026/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة