كان يومًا آخر من ديسمبر، الرمادي المعتاد لسماء مانشستر يكسو كل شيء، والرياح ليست عاصفة بقدر ما هي حاملة لرطوبة باردة تلتصق بالجلد كذكريات غير مدعوة.
ورغم تلك الخلفية المضطربة المليئة بالمشاعر المتشابكة، إلا أن ذلك اليوم كان سعيدًا لأحدهم. يوم أتى فيه أحدهم إلى الحياة.
في إحدى المقاهي القريبة من شركة "نورثرن لينس ميديا NLM" للإعلام، كان المشهد مختلفًا تمامًا.
الداخل في تناقض صارخ مع الخارج: أكثر دفئًا، حرفيًا ومجازيًا. الأضواء الذهبية تنساب بهدوء على كل سطح. لكن الدفء الحقيقي لم يكتمل إلا عند طاولة جماعية في المنتصف، حيث انحنى حولها ستة أصدقاء، تاركين خلفهم ثقل أيام العمل، غارقين في لحظة حانية: التحضير لعيد ميلاد صديقتهم.
ضحكاتهم وثرثرتهم تتداخل بتناغم لا يجعلها مجرد فوضى سمعية، بل موسيقى خاصة بهم.
حتى الباريستا خلف المنضدة احتفل معهم، متمنيًا لهم يومًا طيبًا، كأنه واحد منهم.
فتاة ذات شعر بني قصير رفعت كاميرتها بسرعة، وأدارت العدسة نحو الوجوه المتوهجة. ضبطت التركيز، وقالت بصوت يفيض حماسة:
— مرحباً، أهلًا بالجميع! أنا مايبل، واليوم… هو أفضل يوم في حياتنا جميعًا. ليس في حياتها فقط
هنا قاطعها صوت ساخر قادم من فتى داكن البشرة، كان يبدّل الأكواب بأخرى نظيفة بهدوء مزعج:
— أنتِ كاذبة، ومبالغة كالعادة.
خفضت مايبل كاميرتها فجأة، ورمقته بنظرة غاضبة، ثم صاحت:
— اخرس، كايل.
على باب المقهى، وقف شابان.
الأولى فتاة داكنة البشرة، عيناها واسعتان خلف نظارة طبية، وشعرها مربوط بإحكام. كانت تراقب المارة بحزم وترقب، كما لو كانت تنتظر شخصًا لم يأت بعد.
بجوارها، شاب آخر بشعر بني فاتح وبشرة سمراء قليلًا، ينتظر بفارغ الصبر، ممسكًا بلفائف لامعة من الأشرطة الملونة، ثم قال بنبرة مملة:
— ماذا الآن، فيريا؟ هل سأبقى واقفًا هنا إلى الأبد؟
عدّلت فيريا نظارتها، ثم رمقته ببرود:
— اتصل بإيموجين حالًا، ديلان. وأنا سأبحث عن المندوب.
نظر إليها ديلان بانزعاج، لكنها غادرت المكان فجأة، فخرج هو أيضًا ممسكاً بهاتفه ليجري المكالمة.
داخل المقهى، كان شابان آخران، بالإضافة إلى الباريستا، يعيدون ترتيب الطاولة من جديد، بعد فشل تجربتهم في استعمال الأشرطة الطائرة.
فتاة شقراء تعيد ترتيب الأطباق بهدوء. شاب آخر بشعر بني طويل يحضر المشروبات. وأخيرًا، الباريستا، رجل داكن البشرة، يمسح الأرض بالمكنسة بسرعة، وكأن الفوضى جزء من احتفالهم غير المخطط له.
وبمجرد أن تم ترتيب المكان وتجهيزه بالكامل، ووضعت الكعكة في المنتصف، تجمّع الجميع في انتظار وصولها. كانت أعينهم تتجه بين الحين والآخر إلى الساعة، والدقيقة تعذبهم ببطئها.
تنهدت الفتاة الشقراء بملل، ثم التفتت إلى كايل:
— متأكد أنك سمعت موافقتها؟
نظر إليها كايل للحظات، ثم قال بجدية:
— أجل. قالت إنها ستأتي... لكن بعد أن تنتهي من زيارة أهلها.
اتسعت أعينهم جميعًا، وكأن الصاعقة أصابتهم واحدًا تلو الآخر. حتى الباريستا توقف عن مسح الطاولة. ثم انفجروا بصوت واحد مذهولًا:
— أهلها؟!
توتّر كايل، فارتسمت على وجهه ابتسامة متوترة، بينما لمعت قطرات عرق خفيفة على جبينه:
— أجل... أ-أهلها.
تنفس الشاب ذو الشعر البني الطويل بعمق، واستند بظهره إلى الكرسي، وطوى ذراعيه فوق صدره، ثم قال بتهكم حاد:
— سيكون يومًا رائعًا حقًا... لعيد ميلادها.
وضعت مايبل كاميرتها جانبًا بحركة حازمة، ورمقته بنظرة صلبة:
— لا. لن يكون عيد ميلاد سيئًا، ريس. نحن... سنكون مصدر فرحتها الآن.
ابتسم الباريستا بهدوء، ثم قال بصوت دافئ:
— في الواقع، مايبل على حق. إن كان أهلها سيعكرون مزاجها، فلماذا لا تحاولون أنتم تصفية الأجواء من حولها؟ خصوصًا أنكم تعبتم كثيرًا من أجل هذه اللحظة.
ابتسمت الشقراء وقالت بصوت مليء بالأمل:
— يمكنني حقًا تخيل ذلك. وإلى جانب... ستسعد كثيرًا حين تعرف بشأن الكاميرا.
لم تكد تنهي جملتها حتى قطع اللحظة صوت جرس خفيف فوق الباب، معلنًا دخول أحدهم.
التفت الجميع بسرعة نحو المدخل، وما إن ركزوا أعينهم حتى تفاجؤوا: كانت هي. الفتاة القصيرة ذات الوجه المستدير، الذي تزينه بضع نقاط من النمش، وشعرها المجعد الطويل الناعم المنساب على كتفيها وظهرها. كانت تحمل كاميرا سوداء جديدة، وترتسم على وجهها ابتسامة عريضة لا تخطئ.
وخلفها، دخل ديلان يبتسم بثقة، وفيريا التي بدت منزعجة بشكل واضح من شيء ما.
للحظات، تجمد الجميع في مكانهم. نظروا إليها بصدمة كاملة، فدخولها كان غير متوقع بالمرة، وغريباً في توقيته.
نكزت الشقراء كايل بهدوء، وهمست بحيرة:
— متأكد أنها كانت عند أهلها؟
ارتبك كايل، وقال بنفس الحيرة:
— أقسم لك يا آيفي... قالت لي إنها ستذهب إليهم أولًا.
لكن قبل أن يستفيقوا من دهشتهم، تقدمت إيموجين نحوهم بحماس، وصرخت:
— مرحبًا، يا أصدقائي الأعزاء!
نهضت مايبل فجأة كأنها انطلقت، وصرخت بسعادة غامرة وهي تعدو لتعانقها:
— أووه، يا فتاة! لقد قلقنا عليك جدًا لأنك تأخرتِ!
ضحكت إيموجين وهي ترد العناق بحرارة:
— لقد تأخرت لأني قابلت فيريا وديلان في الطريق. وكانت فيريا تحمل صندوقًا، فأثار فضولي... فقام ديلان بإحراق المفاجأة، وقال لي إنها كاميرا جديدة، بدلًا من تلك التي تعطلت وكانت ملكًا للشركة!
توقفت للحظة، وعيناها تلمعان:
— فكنت سعيدة جدًا... جدًا لأني سأعود إلى عملي!
ثم أضافت بضحكة خفيفة:
— فيريا غضبت طبعًا، وأصرت ألا أفتح الصندوق الآن... لكن ديلان ساعدني.
أما فيريا، فوقفت خلفها تتفرس في ديلان بنظرة قاتلة، وكأنها تعد العدة لمعركة قادمة.
حدّق الجميع في الثلاثة بحيرة للحظات، قبل أن ينفجروا ضاحكين بتوتر على تعابير فيريا الغاضبة. الجميع ما عدا ديلان، الذي ظل يبتسم بثقة، مقتنعًا تمامًا بأنه البطل الوحيد في هذه القصة.
تنهد الباريستا محاولًا تلطيف الأجواء:
— لا داعي للغضب، فيريا. اليوم عيد ميلاد صديقتك... انسي الأمر فقط، وهيا نحتفل.
ابتسمت إيموجين بحنان، ثم أمسكت بيد فيريا فجأة. نظرت فيريا إليها بحيرة، لكن إيموجين جذبتها بلطف نحو الطاولة، وهي تقول:
— هيا أيتها الفتاة... لنحتفل. ولا تقلقي، سأعطيك قطعة أكبر من الكعكة.
ضحك الجميع حينها من كلمات إيموجين البريئة. شعرت فيريا بالخجل للحظات، لكنها أطاعتها وتقدمت إلى الطاولة، منضمة إلى الباقين.
مرت اللحظة بهدوء، وجلسوا جميعًا في استدارة دافئة. بدؤوا يغنون بتناغم عفوي، بينما ظلت مايبل تلتقط اللحظة بكاميرتها، عيناها تلمعان خلف العدسة.
حتى جاء موعد إطفاء الشمعة.
قالت مايبل بصوت هادئ لكنه مليء بالحنين، وهي تواصل التصوير:
— إيمي... هيا، تمنّي أمنية في سرك، وأطفئي الشمعة.
نظرت إيموجين إليهم للحظات، إلى كل وجه من هذه الوجوه التي أحاطتها بالدفء في يوم رمادي في ديسمبر.
ثم ابتسمت، وأومأت.
شبّكت أصابعها، وضمت راحتيها معًا، وأغمضت عينيها.
صمت للحظات... عميق وكأن الزمن توقف. حتى فتحت عينيها فجأة، وبنشوة، نهضت وأطفأت الشمعة.
صفق الجميع بحرارة، وتهاطلت التهاني كالمطر الخفيف. لكن إيموجين لم تسمع الكثير منه... كانت لا تزال غارقة في أمنيتها الصامتة.
قطع الباريستا الكعكة ووزّعها عليهم جميعًا، بينما صب ريس المشروبات بأناة. قضوا اليوم كله يثرثرون، يضحكون، ويلتقطون الصور، كأنهم يحاولون ختم هذه الساعات في قلوبهم قبل أن تمضي.
حتى... انتهى اليوم.
وقفت إيموجين تنتظر الترام منذ حوالي عشر دقائق، شاردة تنظر إلى القضبان الحديدية بعينين لا ترى. حتى قطع صوته هدير الترام وهو يتوقف عند المحطة التي تقف فيها. نزل بعض الركاب، فعادت من شرودها، نظرت أمامها، وتقدمت تصعد إلى داخله.
وما إن وصلت إلى منتصف المدينة حتى نزلت، وأكملت طريقها سيرًا على الأقدام إلى حيّها "بريستويتش".
المكان هادئ، خالٍ تقريبًا، لا يقطع صمته سوى صوت خطواتها على الطريق الحجري.
لكن رغم هذا الهدوء الظاهر، كانت عاصفة كاملة تعصف بعقلها. ملامحها محايدة، جامدة، لكن داخلها كان يدور ألف حوار، ألف ذكرى، ألف ومضة مؤلمة.
ومضة من الصباح جعلتها ترتعش.
هي عند أهلها. كلمات والدها الحازمة لا تزال تعاد في رأسها كأنها مسجلة على حلقة مفرغة: "بسببكِ... بسببكِ حدث كل ذلك. الأمر ليس مجرد ثروة ضائعة، بل حياتنا، روحنا، كل شيء ضاع. هذه أسوأ نكسة مرت على تاريخ عائلة ميدلتون. وكل ذلك بسبب ماذا؟ بسبب حب؟ حقًا؟ أي عبث هذا؟"
أغلقت إيموجين باب شقتها واستندت عليه للحظات.
القناع الذي حملته طوال اليوم سقط فجأة. القناع المبهج، المرح، السعيد. لم يعد موجودًا. حل محله وجه آخر: وجه الندم، والحزن، والإرهاق الذي لا يوصف. شعرت بضيق يكتم صدرها، كأن أحدًا يجلس فوقه.
تنهدت. مسحت وجهها قبل أن تنزلق دموعها رغمًا عنها.
ثم تقدمت إلى الداخل، نزعت معطفها الثقيل وألقته جانبًا. وضعت الكاميرا الجديدة على الطاولة بحذر، ثم جلست تفك حذائها. ألقته أيضًا جانبًا.
تنهدت بثقل، واستلقت على الأريكة، واضعة ذراعيها فوق عينيها، كأنها تحاول إطفاء العالم كله للحظات.
---
كانت شمس اليوم التالي قد أشرقت، معلنةً يومًا جديدًا تمامًا. تسللت أشعتها الذهبية من النافذة لتلقي ضوءها الدافئ على جسد إيموجين النائم بفوضوية على الأريكة، كأنها تحاول إيقاظه برفق.
حتى... رن منبه الهاتف.
بقيت ساكنة للحظات، ثم نهضت متثاقلة، متأوهة من الوضعية الخاطئة التي نامت عليها. تمددت قليلاً، فرطكت عظامها بتكاسل، ثم مدت يدها وأغلقت المنبه.
نهضت بكسل باتجاه الحمام.
وبعد بضع دقائق، عادت إلى غرفة المعيشة وقد استفاقت بالكامل. رمقت الساعة بعينين ما زالتا ثقيلتين – فوجدتها الثامنة والنصف.
اتسعت ابتسامتها فجأة.
ركضت نحو غرفتها بسرعة. وبعد خمس عشرة دقيقة بالضبط، كانت قد تجهزت: ملابس عادية بسيطة، وشعرها الفوضوي مربوط على عجل.
ثم أخذت الكاميرا، علّقتها حول عنقها، وغادرت المنزل مسرعة. وبينما كانت تسير بخطوات واسعة حازمة، اهتز هاتفها في يدها. رفعته للحظات – فإذا بعدة رسائل متتالية من والدتها.
عقدت حاجبيها بانزعاج واضح.
حذفتها جميعًا دون أن تلقي عليها حتى نظرة واحدة، وكأنها تتخلص من شيء يزعجها قبل أن يبدأ يومها.
وصلت إلى محطة الترام، ركبته، واستندت إلى النافذة، تتجه صوب وجهتها.
---
داخل شركة NLM، حيث يعمل الصحفيون والمصورون في مكاتبهم وسط ضجيج هادئ تسوده طاقة العمل والآلات تكتب وتلتقط، كان المشهد مختلفًا تمامًا في مكتب المدير.
مكتب جيمس ثيوفالد كان مرتبًا بطريقة مريبة، أشبه بلوحة فنية صامتة. كان رجل في منتصف الأربعينات، وجهه صارم كالحجر، وشعره الرمادي القصير يلمع تحت الإضاءة الاصطناعية.
جلس خلف مكتبه الخشبي الضخم، مستندًا بإحدى يديه إلى ذراع الكرسي، وفي يده الأخرى جهاز لوحي يرمق به جريدة إلكترونية بنظرات حادة ثاقبة. تنعكس الإضاءة في عينيه الزرقاوين الباهتتين.
لم يتحرك لأكثر من عشر دقائق، كأن الزمن تجمد حوله، حتى وقعت عيناه على الخبر الجديد.
فوقه صورتان: الأولى لعائلة روكلي في أبهى صورهم، مبتسمين بثقة الأثرياء. والثانية لرجل ذي ملامح حادة وشعر أسود، يرتدي زيًا رسميًا أنيقًا.
جوليان روكلي.
وريث عائلة روكلي الناجح، والناجحة. شخصية بارزة في مؤتمر سيعقد في ميدان مانشستر نهاية الأسبوع. الحدث برعاية العائلة نفسها، وستعقد فيه مناقشات حول المشاريع العقارية القادمة. سيحضره جميع الشركاء المدعوين، يوم الأحد.
ضاقت عينا السيد جيمس للحظات، وهو لا يزال يمر على السطور الصغيرة أسفل الصورتين، كأنه يبحث عن ثغرة، أو رسالة مخفية.
ثم تنهد بعمق، و وضع الجهاز اللوحي جانبًا بهدوء مزعج. اقترب بكرسيه من طاولته، رفع سماعة الهاتف، وقال بصوت بارد وحازم:
— بخصوص الخبر الجديد... اعتني بالشراكة مع شركات الإعلام الأخرى لتوثيق المصدر.
لم ينتظر رد الموظف من الطرف الآخر.
وضع السماعة بنفس الهدوء، وكاد ينهض من مقعده لولا أن طرقًا خفيفًا على الباب أوقفه في منتصف الحركة.
تنهد مجددًا، جلس، ومد يده مقبض الباب وهو يقول بصوت لا يحتمل التردد:
— ادخل.
فتحت إيموجين الباب بهدوء، وأطلت برأسها تتجول بنظرها في المكان حتى وقعت عيناها على السيد جيمس.
ابتسمت ابتسامة عريضة، ثم دلفت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
رمقها جيمس بدهشة واضحة، ثم نظر إلى الكاميرا المعلقة حول عنقها، ثم عاد إليها مجددًا. عقد ذراعيه على صدره باستجواب، وقال بصوت جاف:
— ها... خير؟
اقتربت إيموجين منه دون تردد، وبدون إذن، جلست مستندةً بحافة مكتبه، وقالت بجرأة مموهة بدفء:
— اشتقت إلى نظرتك أيها المدير.
عقد حاجبيه بانزعاج، وقال بحزم لا يقبل الجدال:
— أعرف المراد خلف كلمات الغزل تلك جيدًا، إيموجين. هيا... قولي ما لديك.
تنهدت إيموجين، وأنزلت يديها من على المكتب، وبدأت تعبث بكاميرتها للحظات، ثم قالت بارتباك مصطنع:
— أريد العودة إلى العمل.
اتسعت عيناه بصدمة حقيقية. ثم التفت بوجهه نحوها فجأة، وكاد يصيح بغضب مكبوت:
— ماذا؟ العودة إلى العمل؟ بعد أن كسرتِ كاميرا أصلية للشركة؟ مستحيل.
نظرت إليه إيموجين بقلق يتصاعد، ثم قالت بسرعة، وكأنها تخشى أن يقطعها مرة أخرى:
— لقد اشتريت أخرى... خاصة بي.
تراجع المدير إلى كرسيه، وقال بنبرة قاطعة، لا تحتمل الرد:
— هذا لا يهمني أبدًا. هيا، انهضي واغادري يا آنسة ميدلتون. لا أريد أن أضيع وقتي.
— لكن...
— قلت كفى. هيا... غادري.
رمقته إيموجين بصدمة، ثم عقدت حاجبيها بانزعاج، ونهضت فجأة. ركلت المكتب بقوة، لكنها سرعان ما تأوهت متألمة من الألم الذي أصاب قدمها، لكنها تماسكت بسرعة، وصرخت في وجهه:
— لا أريد منك شيئًا!
رمقها بصدمة بينما كانت تتجه نحو الباب، فصرخ خلفها:
— تعالي هنا يا آنسة ميدلتون! كيف تجرؤين...
لكنه توقف فجأة.
صمت للحظات، يعيد ما قاله في رأسه، مستوعبًا لحظة افتعاله. ثم نهض فجأة، وخرج من المكتب يلحق بها قبل أن تغادر، ناديًا بصوت يعلوه التوتر:
— آنسة ميدلتون... انتظري. ستعملين مجددًا.
توقفت إيموجين في منتصف خطوتها.
جمدها الصوت للحظات، تستوعب ما سمعته. ثم ببطء، استدارت بعينين متسعتين، ترتقيه من بعيد. كان واقفًا هناك، واضعًا يديه على خصره، يبدو منزعجًا، محاولًا استعادة هدوئه.
أما هي، فاتسعت عيناها أكثر، وارتفعت ابتسامة هستيرية على وجهها، ثم دارت حول نفسها فجأة وكأنها طفلة، وهي تصيح:
— أنا قادمة... ها!
ضرب جيمس رأسه بخفة بحركة تعب، وأعاد شعره إلى الخلف بأنامل مرهقة، ثم عاد إلى مكتبه، متوقعًا بكل ثقة أن تتبعه.
لم يمض وقت طويل حتى عادا إلى المكتب. جلس السيد جيمس خلف مكتبه الخشبي بهدوء مرهق، ودخلت إيموجين خلفه، ثم جلست على الكرسي نفسه حيث كانت تجلس قبل لحظات، وكأن شيئًا لم يتغير.
رمقها المدير للحظات، ثم تنهد وقال بصوت هادئ:
— ستعودين إلى العمل يا إيموجين.
نظرت إليه إيموجين بعينين واسعتين، واتسعت ابتسامتها أكثر، وهي تحاول جاهدة كبح انفعالها المتصاعد:
— أهذا صحيح؟
أومأ السيد جيمس بهدوء، ثم عاد لينظر إلى الجهاز اللوحي للحظات، يتفقد شيئًا ما، ثم رفع رأسه إليها مرة أخرى:
— يوم الأحد... ستذهبين مع طاقم التصوير. لتصوير الحدث القادم. مؤتمر مهم.
اختفت ملامح الحماس فجأة من وجهها، وحل محلها قناع من الحيرة والتردد:
— مؤتمر؟ مؤتمر عن ماذا؟
أعاد السيد جيمس ظهره إلى الخلف، مستندًا إلى كرسيه، وقال بجدية خالصة:
— إنه مؤتمر صحفي... أنشأته عائلة روكلي.
نظرت إليه إيموجين للحظات. نظرات طويلة، ثاقبة. ثم تنهدت بهدوء، وكأن شيئًا ثقيلًا استقر في صدرها:
— إذًا... حسنًا.
أومأ السيد جيمس، ثم قال بصوت عاد إلى برودته المعتادة:
— يمكنك الذهاب.
أومأت إيموجين بهدوء، ثم وقفت وغادرت المكتب، مغلقة الباب خلفها بهدوء.
توقفت للحظات خلف الزاوية، تتفرس في الموظفين وهم منهمكون في أعمالهم، يدورون في فلكهم اليومي دون أن يشعر بها أحد. ثم تنهدت، وتوجهت نحو السلم، ونظرت إلى الطابق السفلي حيث يجتمع المصورون.
نزلت الخطوات ببطء، وتقدمت إلى الداخل.
رفعت مايبل نظراتها عن كاميرتها، التي كانت تنظفها بعناية، وما إن رأتها حتى ابتسمت بسعادة، ونهضت لتحييها:
— إيمي... لقد أتيتِ أخيرًا.
ابتسمت إيموجين بسعادة حقيقية، وتعانقتا بحرارة، ثم قالت بحماس مكتوم:
— أخيرًا... أنا عدت إلى العمل.
لكنها توقفت فجأة، حين مرت نظراتها صدفة على المكان. كان كل شخص في حاله، منشغلًا، والعديد من المصورين غير موجودين. فسألتها بهدوء:
— لكن... أين ديلان؟
تنهدت مايبل، وألقت بيديها بتعب:
— إنه يلعب ألعاب الفيديو مع كايل. يقول كايل إنه مرهق من كتابة المقالات. أما ريس... فهو يقوم بطباعة آخر الصور الملتقطة، ويرسلها إلى آيفي لتكتب التحليل في الجريدة.
ابتسمت إيموجين ابتسامة جانبية دافئة، وهزت رأسها بمزيج من الحب والسخرية:
— يا له من فريق.
ثم تقدمت إيموجين وجلست على الأريكة، وقالت بحماس:
— ألا تصدقين؟ سأحضر مؤتمر نهاية الأسبوع، وسأصور معكم.
اتسعت ابتسامة مايبل، وكادت تصيح فرحًا، لكنها تجمدت فجأة. نظرت إلى إيموجين بصدمة كاملة، وكأنها لم تسمعها جيدًا:
— ستحضرين؟
أراحت إيموجين ظهرها على الأريكة، وقالت بثقة تامة:
— أجل... سأحضر.
ثم فجأة، اعتدلت في جلستها كأن صاعقة أصابتها، ولمعت عيناها بأمل خالص خالٍ من أي تردد. قالت بحماس مكبوت، بالكاد تسيطر عليه:
— أخيرًا... سأقابل جوليان من جديد.
رمقتها مايبل بصدمة، ثم صاحت فجأة:
— ماذا؟ إيمي... هل أنتِ مجنونة؟
نظرت إليها إيموجين، وعيناها لا تزالان تلمعان بشدة، ثم أمسكت بمايبل من ملابسها وهزتها بقوة، توقظها من صدمتها:
— أجل... أنا مجنونة جدًا يا مايبل! لقد تحققت أمنيتي بالأمس!
تأوهت مايبل من انفعال إيموجين العنيف، وأمسكت بها بسرعة لتردعها، وهي تتمسك برأسها الذي كاد يدور من الحيرة:
— هل تمنيتِ... أن تري جوليان مجددًا؟
توقفت إيموجين للحظات، ثم أفلتت مايبل وابتسمت ابتسامة واثقة، وكأنها تشاركها سرًا عميقًا:
— لا... تمنيت بالأمس بأن أكون سعيدة.
رمشت مايبل ببطء. ثم ابتسمت بهدوء، وقالت بصوت ناعم:
— أنا أيضًا يا إيموجين... أتمنى أن تكوني سعيدة. لكن ما يدريكِ أن مقابلة جوليان هي السعادة؟
تنهدت إيموجين، وأراحت ظهرها على الأريكة، ووضعت ذراعيها خلف رأسها بأريحية مزيفة، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل أي شخص آخر:
— أنا لا أعلم. قد يكون جوليان استغلني في الماضي... لكنه جعلني أعيش لحظات لا تنسى. حتى إن كانت مزيفة... لكنها كانت حقيقية بالنسبة لي. أنا لا يمكنني أن أنسى العديد من اللحظات بسبب لحظة واحدة يا مايبل.
التفتت إيموجين نحو مايبل، التي كانت ترمقها بدهشة صامتة. اعتدلت في جلوسها واقتربت منها، وكأنها تؤكد ما تقوله بجسدها كله:
— أنا لا أقول إني ما زلت أحبه... لكني أقول إنه كان مصدر سعادتي يومًا ما. هناك فرق.
تنهدت مايبل، وأشاحت بنظرها للحظات، ثم عادت تنظر إلى إيموجين بعينين مليئتين بالحيرة والحب معًا. قالت بهدوء:
— معك حق. ورغم تفكيرك المجنون... لكني متشوقة لمعرفة النتيجة.
اشتدت قبضتا إيموجين بحماس لا يقهر. قالت بثقة تامة:
— أنا متشوقة جدًا ليوم الأحد.
Julie Sami