مًوٌآجّهّةّ

مًوٌآجّهّةّ

8 0

في اليوم التالي، في حي ديدزبري، شارع ويلنسلو.

وقفت إيموجين أمام المنزل الكبير، تتأمل واجهته الراقية التي بدت في الوقت نفسه متواضعة، نظرت حولها للحظات، ثم وجهت بصرها نحو الباب الخشبي الثقيل.

تنهدت.

حاولت استجماع شجاعتها، وبخطوات بطيئة مترددة تقدمت. مدت يدها إلى جرس الباب، وضغطت عليه، فدوى صوته سريعًا بنغمة رنانة في الداخل.

وقفت للحظات، واضعة يديها متشابكتين في حجرها، ترمق الباب تنتظر لحظة انفتاحه.

وسرعان ما انفتح الباب بالفعل، ليكشف عن خادمة ترتدي مئزرًا أبيض نظيفًا. ما أن رأت إيموجين حتى ابتسمت بهدوء، وقالت وهي تفتح الباب على مصراعيه:

— تفضلي، يا آنسة.

ابتسمت إيموجين، وتقدمت نحو الداخل:

— شكرًا لك.

دخلت ثم توقفت للحظات تتأمل البهو الواسع، جدرانه التي تذكرها بطفولتها، ورائحة المنزل التي لم تتغير رغم كل شيء. ثم التفتت إلى الخادمة التي أغلقت الباب بهدوء خلفها، وسألتها بتردد:

— أين... أين السيد ميدلتون؟

تنهدت الخادمة بهدوء، وقالت بصوت منخفض:

— إنه ليس هنا. لكن السيدة ميدلتون موجودة في المكتب... تقرأ.

أومأت إيموجين، ثم نظرت في المكان للحظات قبل أن تأخذها خطاها نحو المكتب. وقفت للحظات أمام الباب، ترددت، ثم طرقت بهدوء.

جاء صوت سيدة من الداخل، بدا هادئًا، متزنًا:

— تفضل بالدخول.

أمسكت إيموجين بمقبض الباب، وأدارته ببطء، ثم دخلت.

رأت والدتها جالسة على كرسي مخملي قريب من الأرفف، تقرأ كتابًا. ورغم كل ما حدث، بدت محافظة على أناقتها المعهودة، كأنها لم تُهزم قط.

ارتفعت عيناها حينها، لتتقابل مع إيموجين الواقفة عند الباب.

تجمدت يدها على الصفحات، وبقيت ترمق ابنتها للحظات. ثم تنهدت بهدوء، وأشارت إلى الكرسي أمامها وهي تقول:

— اجلسي، إيموجين.

ترددت إيموجين للحظات، شعرت بالتوتر من نبرتها ونظراتها الأولى. ثم تقدمت وجلست أمامها، وهي تعبث بيديها في حجرها، لا تعرف أين تضع نظرها.

عم صمت ثقيل. انتظرت فيها والدتها أن تتحدث. حتى قالت إيموجين، بعد أن طال الانتظار، بصوت خافت:

— أنا... لدي مهمة جديدة. كـ"باباراتزي".

رمقتها أمها طويلًا، بدون تعبير واضح. ثم أومأت برأسها بصمت، وعادت لتقرأ مجددًا، وكأن الكلمات التي سمعتها لا تستحق الرد.

شعرت إيموجين بغصة ثقيلة في حلقها، وهي تراقب والدتها للحظات. انعقد حاجباها ألمًا، ثم قالت بعدها بصوت مختنق، حاولت أن ترفعه:

— سأصلح خطأي.

تنهدت والدتها تنهيدة طويلة مسموعة، ثم أغلقت الكتاب ووضعته جانبًا. استندت بذراعيها على مسند الكرسي، وقالت بهدوء يكاد يكون لامباليًا:

— حقًا؟ وماذا ستفعلين بالضبط؟

صمتت إيموجين للحظات، وأشاحت بنظرها عن أمها. اشتدت قبضتها على حقيبتها، وقالت بنبرة خافتة تكاد لا تسمع، بينما أخرجت رزمة النقود من حقيبتها ووضعتها أمام أمها:

— خذي هذه... لعلها تنفعكم قادمًا.

انزلقت نظرات والدتها إلى المال. أغمضت عينيها للحظات، ثم قالت بنبرة بدأ يتسلل إليها الانزعاج:

— خذي أموالكِ يا إيموجين... نحن لا نريد منكِ شيئًا.

لكن إيموجين قاطعتها فجأة، وقد رفعت صوتها أخيرًا، محاولة السيطرة على الموقف:

— لا... لن آخذ شيئًا. لأن المهمة هي أني سأفضح جوليان روكلي.

انتشر الصمت بعده حبس الأنفاس. تجمدت والدتها في مكانها، ثم ببطء، رفعت بصرها إلى إيموجين في حيرة ودهشة. بادلتها إيموجين النظرة نفسها، بينما تحاول التقاط أنفاسها الثقيلة.

وأكملت بعدها بصوت يرتجف:

— أرجوكما... امنحوني فرصة. منذ عشر سنوات وأنا أعيش في نفس الندم.

صمتت إيموجين للحظات، وأخفضت بصرها بينما تجمعت الدموع في عينيها. قالت بصوت مختنق، بالكاد يخرج من حلقها:

— إنه شعور... شعور ثقيل جدًا. أشعر وكأني... حملت حيوات أشخاص على عاتقي.

رفعت بصرها ومسحت دموعها بسرعة، كأنها تخشى أن تُرى ضعيفة، ثم قالت بخفوت:

— أنا لن أقول إن مشاعري... تغيرت.

ثم نظرت إلى والدتها، وبحزم مفاجئ قالت:

— لكني... لم أعد ما كنتم تعتقدون. ولم أعد ما كان يعتقده هو. الخطأ غيّرني يا أمي. لم آتِ إليكم لطلب مساعدة... أتيت لكي أساعدكم أنا.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة، مزجت بين المرارة والتأكيد، وسط دموعها الباقية. قالت ببرودة حازمة:

— وأعرف أنكم لا تريدون مساعدتي... لكني أفرضها عليكم.

وقفت فجأة، واتسعت ابتسامتها، وصرخت بصوت لم تتوقعه هي نفسها:

— بالطبع أنتم لن تعيشوا في هذه الحياة البائسة طويلًا... وأنا لن أعيش فيها. لأنكم إن استسلمتم... فهذا خطأكم، وليس خطأي.

انتشر الصمت بعدها، ثقيلًا كالرصاص. وقفت إيموجين تلهث، رغم ثبات نظرتها إلى والدتها. وبقيت والدتها تبادلها النظرات، لكن دهشتها امتزجت بشيء آخر... ربما كان احترامًا، أو ربما كان رعبًا صامتًا.

رمقت الأم الأموال للحظات، ثم عادت تنظر إلى ابنتها وقالت بهدوء:

— إيموجين... اسمعي.

— لا... لن أسمع يا أمي.

قالت كلماتها بنبرة قاطعة، ودون انتظار رد، غادرت المكان بخطوات واسعة متسرعة. راقبتها والدتها وهي تخرج من الباب بحيرة، ثم... تنهدت بتعب، ومسحت وجهها من الإرهاق النفسي الذي أثقل سنواتها.

وبينما كانت إيموجين تغادر، انفتح الباب الخارجي فجأة، ودخل من خلاله السيد ميدلتون. لكن خطواته توقفت في اللحظة نفسها التي توقفت فيها إيموجين.

رمقها والدها طويلًا، قبل أن يقول ببرودة ثقيلة:

— آه... أهلًا، إيموجين.

توقفت إيموجين للحظات ترمقه، ثم قالت بهدوء:

— أهلًا، أبي.

ثم سريعًا، تجاوزته وغادرت المنزل، وكأنها تخشى أن يمنعها شيء من المغادرة إن تأخرت.

بقي واقفًا هناك للحظات على العتبة. التفت قليلًا يراقبها وهي تبتعد في شارع ويلنسلو، حتى اختفت عند المنعطف. تنهد بقلة حيلة، ثم التفت فوقعت عيناه على زوجته الواقفة عند باب المكتب، تنظر إليه بنظرات بدت تقول الكثير دون كلمات.

ضاقت عيناه للحظات، ثم نزع معطفه وسلمه للخادمة بصمت، قبل أن يقترب ليعرف ما حدث.

---

مرت الأيام بالفعل. كانت أكثر هدوءًا مما توقعت، وشعرت إيموجين خلالها بحرية غريبة وسلام منعش، كأنها تلتقط أنفاسها بعد عمر من الغرق.

حتى أتى ذلك اليوم. كانت قد أتت إلى الشركة بعد أن طلبها المدير.

دخلت المكتب وعلى وجهها ابتسامة عريضة، وكأن شيئًا لم يثقلها بعد، وقالت:

— نعم؟

نظر إليها بحدة، وقال دون مقدمات:

— متى ستبدأين مهمتك؟

تنهدت إيموجين بتململ، وقالت:

— أنا لست مستعدة بعد.

— لقد مر أسبوع بالفعل. يجب أن تبدأي مهمتك.

تنهدت إيموجين مجددًا، والتفتت بتكاسل وهي تتجه نحو الباب:

— حسنًا... أنا ذاهبة.

ثم غادرت المكان بخطوات متثاقلة، تاركة خلفها مديرًا يحدق في ظهرها بنظرة لا تعد بالكثير من الصبر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصورتي المتطفلة

المؤلف Julie Sami
2026/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة