خِطِوٌةّ نِحًوٌ آلَإصّلَآحً

خِطِوٌةّ نِحًوٌ آلَإصّلَآحً

12 0

سارت إيموجين في هدوء، شاردة للحظات، مرهقة نفسيًا بعد تلك المواجهة الثقيلة مع جوليان. لم تدرك أين تتجه حتى فوجئت بنفسها تدخل إلى مكتبة البرج.

كان المكان أنيقًا وعصريًا. خطت إلى الداخل تتأمل بدهشة خفيفة: عدد من الناس، ليس كثيرًا، جالسون بجانب النوافذ الزجاجية ليطلوا على المدينة أمامهم، أرائك جلدية موزعة هنا وهناك، أرفف كتب متناثرة، وطاولات قهوة صغيرة تتوسط المساحة. بدا المكان واسعًا جدًا، وحديثًا، وكأنه صمم ليلهم من يدخله.

لكنها لم تكتفِ بإلقاء نظرة سريعة على الديكور. لاحظت الكاميرات المعلقة في الزوايا. تنهدت بقلة حيلة، وضعت يدها تحت ذقنها تفكر... لكنها سرعان ما تخلت عن القلق. لم تهتم كثيرًا. أرادت أن تستمتع الآن.

رسمت ابتسامة خفيفة، وبدأت تتجول ترمق الكتب بعينيها، لعلها تجد كتابًا مثيرًا أو رواية شيقة. حتى وضعت يدها على أحد الكتب وأخرجته. وقعت عيناها على العنوان، فرفعت حاجبها بدهشة: "جين آير". ابتسمت بخبث مرير، وأعادته إلى مكانه متمتمة بكلمات نابية لا تليق بمكتبة.

أكملت تفحص الكتب الأخرى، وأخرجت واحدًا آخر متوقعة شيئًا مختلفًا عن حياتها. لكنها عبست حين وقعت عينها على العنوان المميز: "آنا كارنينا". تنهدت بهدوء، وأخفضت رأسها مستسلمة، وأعادته إلى الرف.

نظرت حولها للحظات، ثم سحبت كتابًا ثالثًا، ورمقت العنوان بحدة. ومرة أخرى، كانت النتيجة صادمة. بتمعن ساخر، قالت بصوت ارتفع فيه نبرة انهزام:

— "مرتفعات ويذرينغ"؟ حقًا؟ وكأن القدر يسخر مني بتلك الروايات الغبية ذات العلاقات المعقدة... تبًا.

ثم وضعت الكتاب بقسوة أيقظت صمت المكتبة حولها. احمرت وجنتاها حرجًا، والتفقت ببطء، حتى وقعت عيناها على فتاة شابة ترتدي نظارة، كانت ترمقها بصدمة واضحة. بادلتها إيموجين النظرة، ثم اتسعت ابتسامتها فجأة، ولوحت بيدها بمرح مصطنع:

— مرحبًا!

رمقتها الفتاة طويلًا بعدم فهم، ثم فتحت فمها هامسة بصوت منخفض:

— أنتِ غريبة حقًا.

رفعت إيموجين حاجبها بتساؤل:

— غريبة؟ لماذا؟

تنهدت الفتاة، ونظرت إليها بسخرية هادئة:

— من يكره التحفة الفنية "مرتفعات ويذرينغ"؟ عديمة الذوق.

رمقتها إيموجين بحيرة للحظات، ثم رفعت أحد حاجبيها، وقالت بنبرة مريرة خالطها النفور:

— عديمة الذوق؟ لعلمك، قرأتها جميعًا حين كنت عاشقة للروايات... حتى انقلبت لعنتها علي.

اتسعت عينا الفتاة بدهشة، ثم انفجرت ضاحكة بصوت خافت:

— يبدو أنكِ ما زلتِ تلك الفتاة الخيالية.

لكنها سكتت حين لاحظت نظرات إيموجين الباردة تخترقها. ارتبكت، ثم قالت بهدوء:

— لم أفهم حقًا.

لكن إيموجين استدارت مغادرة، وقالت بلامبالاة:

— هذا لا يعنيكِ.

رمقتها الفتاة بعدم فهم للحظات، ثم عقدت حاجبيها بقلق مختلط بالانزعاج. أحكمت قبضتها على الكتاب الذي كانت تحمله، ثم تبعتها قائلة:

— انتظري يا آنسة.

لكن إيموجين لم تتوقف، وكانت قد غادرت المكتبة بالفعل. لكن الفتاة لم تستسلم، فأوقفتها بكلماتها السريعة:

— رباط حذائك مفكوك، في الواقع.

توقفت إيموجين مكانها، ثم أخفضت بصرها حتى وقعت عيناها على حذائها. تأفأت بقلة حيلة، ثم جثت دون عناء وربطته بطريقة غير متقنة، تريد إنهاء الأمر بسرعة.

كانت الفتاة قد وصلت إليها، وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها قبل أن تقول:

— أنتِ متسرعة جدًا.

وقفت إيموجين والتفتت إليها ترمقها بانزعاج:

— لماذا تتبعيني؟

ارتفع حاجبا الفتاة من ردها الفظ، لكنها ابتسمت قائلة:

— هاي... هدئي من روعك يا فتاة. ثم لماذا لا أتبعك؟ يعني، ألستِ إيموجين ميدلتون؟

اتسعت عينا إيموجين مما قالته، ثم نظرت حولها قبل أن تنظر إليها بهدوء:

— أتعرفيني؟

— بالطبع.

ارتفع حاجبا إيموجين، واتسعت ابتسامتها أكثر وأكثر، ثم قالت بحماس فجأة:

— واو... أنا... أنا معروفة... ما زلت معروفة! أنا ما زلت معروفة!

لكنها توقفت حين لاحظت نظرات الفتاة التي تصاعدت فيها الحيرة. هدأت من روعها، واقتربت قائلة بحماس مكبوت:

— أنا فقط لم أتخيل أنه بعد عشر سنوات ما زال أحد يتذكرنا.

ضحكت الفتاة حينها، وفجأة وضعت ذراعها حول كتف إيموجين، وقالت وهي تقودها وتتحدث:

— بالطبع يا عزيزتي، ما زلنا نتذكر عائلة ميدلتون العريقة. بل ربما زادت شهرتها بعد تلك الخسائر.

توقفت إيموجين فجأة، ونظرت إليها بحدة:

— المعذرة؟ أتسخرين؟

ارتبكت الفتاة، ثم قالت بسرعة:

— لا، لا... أنا لا أسخر أبدًا. فقط اهدئي ودعينا نجلس في مكان ما بهدوء ونتحدث.

---

في كافتيريا البرج، جلستا على إحدى الطاولات في الوسط، متقابلتين. تحدثتا طويلًا، واستمعت الفتاة بإنصات، وتفاعلت معها، حتى ضحكت فجأة وقالت:

— عجبًا... كم كان حظكِ سيئًا مع الكتب. جيد أنكِ قلتِ ذلك في وجهه.

تنهدت إيموجين، واستندت بمرفقها إلى الطاولة، ومصت القليل من مشروبها، ثم قالت بلامبالاة:

— لم أعد أهتم.

نظرت إليها الفتاة للحظات، ثم قالت بهدوء:

— ما الذي تنوين فعله مع والديكِ؟

نظرت إليها إيموجين للحظات، ثم قالت:

— في رأيي، مثلًا، أن يستعينوا بمحامٍ. سيكون من السهل بعد مهمتي استعادة كل شيء.

صمتت الفتاة للحظات، ثم سألت:

— وأين محاميهم؟

قالت إيموجين بلامبالاة، وهي تعيد شعرها المجعد إلى الخلف بحركة تعب:

— ترك... وتخلى.

انزعجت الفتاة حينها، وتراجعت عاقدة ذراعيها تفكر. حتى أتتها فكرة أشرقت على وجهها، فابتسمت. تقدمت قائلة:

— أنا لدي المحامي.

صاحت إيموجين من شرودها، ثم نظرت إليها باهتمام متسائلة:

— لديكِ محامٍ؟

ابتسمت الفتاة بثقة:

— أجل. لا أعلم كيف نسيت، لكني تذكرت. اسمه نويل مارشال.

صمتت إيموجين للحظات، ثم أومأت بهدوء:

— يا ترى... أين مكتبه؟

— أتريدين منا أن نذهب؟

رفعت إيموجين حاجبها، وقالت بسرعة بينما تلوح بيدها نافية:

— لا، لا... ليس الآن. أعتقد ذلك... يعني، أشعر أني لست بحاجة إليهم الآن. لكن... قد أحتاج. لذا...

أخرجت إيموجين هاتفها، فتحته، ثم وضعته أمامها:

— هل يمكنكِ تسجيل رقم هاتفك هنا؟

ابتسمت الفتاة، وتناولت الهاتف لتدون رقمها:

— بالطبع.

وما إن سجلته حتى سلمت الهاتف إلى إيموجين. رمقته للحظات، حتى وقعت عيناها على الاسم المدون:

— جيما! آها... ربما الآن اقتنعت بكِ.

ضحكت جيما للحظات، ثم مدت يدها لتصافحها:

— تشرفنا يا إيموجين.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصورتي المتطفلة

المؤلف Julie Sami
2026/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة