آلَقُرآر

آلَقُرآر

9 0

وقفت إيموجين أمام باب منزل طفولتها للمرة المئة تقريبًا. بقيت ترمقه طويلًا، ثم رفعت يدها لتطرق الباب، لكنها توقفت للحظة، تتردد، ثم تابعت. مرت لحظات شعرت فيها وكأنها سنة كاملة، حتى فتحت الخادمة الباب.

ابتسمت الخادمة حين وقعت عيناها على إيموجين، لكن إيموجين لم تستطع رد الابتسامة. كانت ترتجف من الداخل. أشارت الخادمة إلى الداخل قائلة:

— تفضلي يا آنسة، إن سيد ميدلتون ينتظرك في مكتبه.

أومأت إيموجين ببطء، وهي تكتم رغبة مفاجئة في الهرب. ثم اخترقت العتبة بخطوات بطيئة هادئة، ولأول مرة لم تشعر أن التردد هو من يقودها، بل فضول هادئ... وخوف مكتوم.

خطت إلى الداخل، وقد ارتسمت على ملامحها جدية مصطنعة حاولت ارتداءها منذ لحظة مجيئها، لكن قلبها كان يخفق بشدة خلف قفصها الصدري. ما إن اقتربت من الباب حتى طرقته بطرقات حازمة.

سمعت صوت والدها من الداخل، جافًا كما تتذكره دائمًا، يأمرها بالدخول.

أمسكت بالمقبض وأدارته ببطء، فانفتح الباب بانفصال ثقيل عن إطاره. تقدمت إلى الداخل بهدوء، لكن أنفاسها كانت متقطعة. وقعت عيناها فجأة على والدها الجالس على كرسي بجانب الرفوف –حيث كانت تجلس في المرة الماضية. واضعًا ساقًا فوق الأخرى، يقلب أوراق أحد الكتب الثقيلة بهدوء مزعج. ثم رفع عينيه إليها، ووضع الكتاب جانبًا، وقال لها بصوت بارد:

— أدخلي، إيموجين.

وقفت هناك للحظات، مذهولة. تأملت ملامحه التي بدت هادئة لكنها حازمة.

شعرت بقبضة باردة في صدرها. ارتفع حاجباها رغمًا عنها، بينما تقدمت إلى الداخل لتجلس قبالته. نظرت إليه طويلًا، ثم سألته بنبرة فضول حقيقي ممزوج بحذر:

— ما الأمر يا أبي؟

اما هو، فالتزم الصمت لحظات، وكأنه يجمع كلماته قبل أن ينطق بها، مبادلًا إياها النظرات بأخرى أكثر حزمًا وبرودة. شعرت إيموجين بثقل عينيه عليها، لكنها لم تلتفت.

ثم قال أخيرًا:

— لقد أخبرتني أمك عما حدث منذ أسبوع... وفي الحقيقة، لقد فكرت في الأمر طويلًا، حتى قررت استدعاءك.

ساد صمت مثقل بعد كلمات والدها، اخترقت أذنيها محاولة استيعابها. شعرت بغصة في حنجرتها، وكادت تفتح فمها لتتحدث، لكنه رفع يده بسرعة، واقفًا إياها بحركة حاسمة، وقال:

— رغم فظاظتك في التعامل مع والدتك، إلا أنني سأتغاضى عن الأمر. لنركز على الموضوع الحالي.

ثم انحنى للأمام، مستندًا على ركبتيه، وتركّزت حدقتاه الزرقاوان عليها بتركيز شديد. و بهدوء مخيف قال:

— وأيضًا، لم أتعجل في استدعائك لأرى إن كان هناك أي خطوة أقدمتِ عليها في مهمتك. لذا أخبريني... هل حقًا أنتِ تفعلين ذلك؟

اتسعت عينا إيموجين للحظات، وهي ترمق والدها بصدمة حقيقية. شعرت بقبضة باردة في صدرها، وابتلعت غصتها بصعوبة. صمتت للحظات، تحاول ترتيب أفكارها التي تبعثرت فجأة، ثم نظرت إليه مباشرة وقالت بنبرة أقوى مما كانت تتوقع:

— أجل... لقد التقطت بعض الصور ضد جوليان... أو عائلة روكلي بأكملها.

ارتفع حاجبا والدها بسرعة، وما إن سمع ما قالته حتى رمقها بدهشة حقيقية حاول إخفاءها لكنها لم تخفَ عن عينيها. ثم، وببطء، ارتسمت ابتسامة مريرة على شفتيه. تراجع إلى الخلف مستندًا إلى كرسيه، وقال بصوت يتراوح بين الصدمة والاستغراب:

— تمزحين معي، صحيح؟ أكيد الأمور ليست بتلك السرعة... وخصوصاً معـ-

لكن إيموجين قاطعته بحزم، وكأن كلمات والدها أشعلت فيها شيئًا لم تكن تعرف وجوده، وأكملت:

— لا شيء مستحيل عليّ. أنتم فقط متمسكون بصورتي القديمة، ولا يمكنكم استيعاب أنني إيموجين ذات الثمانية والعشرين عامًا.

صمت الاثنان، لكن نظراتهما بقيت متبادلة للحظات. هي ترمقه بحدة وتحدٍ، وهو يرمقها ببرودة رغم أن شيئًا من الفهم والتحليل بدا واضحًا في عينيه الزرقاوين. لحظة مواجهة صامتة، كأن كلاهما يختبر الآخر. ثم تنهد والدها بإرهاق خفي، وأشاح بنظره للحظات قبل أن يعود لينظر إليها، وسأل بصوت هادئ لكن فضولي:

— ماذا صوّرتي؟

أجابت دون تردد:

— عقد.

ما إن خرجت الكلمة من فمها حتى عقد والدها حاجبيه في دهشة لم تخفَ. رماها بنظرة طويلة، بينما أخرجت الكاميرا الخاصة بها من حقيبتها. فتحتها بسرعة، وأعدت الصور التي التقطتها، ثم وقفت مقتربة منه لتريه إياها.

انتقلت نظراته منها إلى الكاميرا، وهو يتأمل ما حصلت عليه. للحظات، كان صامتًا تمامًا، ثم اتسعت عيناه فجأة، وتسلل الفهم إلى ملامحه. أما إيموجين، فتراجعت خطوة إلى الخلف وأعادت الكاميرا إلى حقيبتها بحركة واثقة، ثم عادت تنظر إلى والدها.

ظل صامتًا لبضع لحظات، يحرك سبابته على ذقنه ببطء، وهو يفكر. ثم قال أخيرًا بصوت يحمل مزيجًا من الذهول والاحترام:

— هذا... مذهل حقًا، إيموجين.

راقبته إيموجين باهتمام، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة حملت من الثقة ما يكفي، ومن السعادة أيضًا. بينما هو أكمل بنبرة أكثر جدية:

— هذا ربما بالفعل قد يشوه سمعة عائلة روكلي التي تسقط منافسيها. لكن المشكلة ليست كذلك... هذا الرجل الذي تعاقد معه، من أين يملك القوة لإسقاط منافسي روكلي؟

رفع حدقتيه الزرقاوين نحوها ببطء، وكأنه يريد أن يتأكد أنها تفهم كل كلمة سيقولها، ثم أكمل بجدية:

— هذا بالفعل فعال جدًا في تشويه اسم روكلي... لكن، ماذا سنستفيد نحن هكذا؟ يجب أن نسترد حقوقنا. لذا نحتاج إلى القانون، واتخاذ خطوة إلى الأمام.

اتسعت ابتسامة إيموجين أكثر فأكثر، وشعرت بنبضها يتسارع فجأة. قالت بحماس لم تكن تتوقعه حتى من نفسها:

— بالفعل... وأنا أعرف محاميًا تعرفت عليه قريبًا قد يساعدنا.

أراح سيد ميدلتون ظهره على الكرسي، وعقد ذراعيه بهدوء، ثم انحنى ثغره في ابتسامة جانبية، حملت من السخرية ما يكفي ومن الثقة ما يجعلها تطمئن وترتعب في آنٍ واحد. قال:

— جيد... لأن وجود خطوة من القانون ستساعدنا في استرجاع شركاتنا وأسهمنا المفقودة. الأمر لن يكون مجرد صورة التُقطت في الخفاء، بل حقائق تُكشف.

وقفا حينها. عدّل سيد ميدلتون سترته بحركة معتادة، جافة، ثم قال بجدية خالية من أي تردد:

— لا تتعجلي في نشر الصور الآن. بل دعي الحقائق والصور تجتمع معًا لتشكل ضربة قاضية. وأريدك أن تتواصلي مع ذلك المحامي.

أومأت إيموجين بحماس، وشعرت للحظة وكأنها تملك العالم:

— بالطبع سأفعل.

رمقها والدها للحظات طويلة، صامتًا، ثم ولأول مرة لانت ملامحه قليلًا. همس بصوت خافت لكنه دافئ:

— بالتوفيق، إيموجين.

اتسعت ابتسامة إيموجين، وغمرها دفء غريب لم تشعر به منذ سنوات. وقف في صدرها، جدد طاقتها، وخلق فيها عزيمة لم تعرفها من قبل. وقفت هناك ترمق نظرات والدها. ثم أومأت وقالت بصوت واثق:

— إذًا، أحتاج لأن أذهب لأعرض ذلك على سيد جيمس. مع السلامة.

ثم ارتدت حقيبتها بحماس، وغادرت المكان من دون أن تصدق أنها تخطط الآن لأهم خطوة في حياتها.

---

ركضت إيموجين على الدرج وهي تحبس أنفاسها، حتى وصلت إلى ذلك الطابق، أمام مكتب المدير. تفاجأ بها الموظفون الآخرون، رفعوا رؤوسهم من خلف شاشاتهم يراقبونها بفضول مذعور. كادت تندفع إلى الداخل دون تردد، لكنها توقفت فجأة، وتذكرت ألا تنفعل.

أخذت نفسًا عميقًا لتهدئ نفسها، وشعرت بقلبها لا يزال يخفق في صدرها. رسمت ابتسامة على وجهها المتورد، ثم طرقت الباب بهدوء مصطنع، حتى سمعت صوته يأذن لها بالدخول.

فتحت الباب ودخلت بسرعة، ثم أغلقته خلفها بحركة حاسمة. كانت تحركاتها لا تزال تحمل أثر الحماس المكبوت.

تقدمت نحو المكتب وجلست على الكرسي المقابل، بينما بقيت تخبط كعبها برفق على الأرض، بعصبية لم تستطع إخفاءها.

أما سيد جيمس، فبقي يحدق قليلًا في جهازه اللوحي، وجهه جامد، أصابعه تتحرك ببطء على الشاشة. ثم رفع نظراته إليها أخيرًا، وقال بنبرة هادئة بل باردة:

— خيرًا... هل من جديد؟

اتسعت ابتسامة إيموجين حتى كادت تلمس أذنيها. نزعت حقيبتها ووضعتها على حجرها بسرعة، ثم رفعت ذراعيها واستندت بهما على المكتب بقوة جعلته يهتز قليلًا، مما أفزعه للحظة. قالت بحماس لا يُحتمل:

— ألا يمكنك أن تتخيل؟ لقد... لقد تحدث والدي معي... لقد حدث ذلك.

تنهد سيد جيمس بضجر واضح، وأغلق عينيه للحظة. ثم وضع الجهاز اللوحي جانبًا بهدوء شديد، وأسند ظهره إلى الكرسي، وثبت نظراته الباردة عليها قائلًا:

— هذا لا يهمني. أنا أسأل عن المهمة.

صمتت إيموجين للحظات، تحاول كتم نبضات قلبها التي كادت تعلن عصيانها. ثم تنحنحت واضعة قبضتها أمام فمها.

فتحت حقيبتها بهدوء مخادع، وأخرجت الكاميرا، ثم رفعت عينيها إلى سيد جيمس بنظرة ثقة مختلفة هذه المرة... أعمق، وأكثر خطورة. قالت:

— نعم. التقطت شيئًا مهمًا جدًا ضد عائلة روكلي.

أخرجت الكاميرا وفتحتها ليرى. تناولها منها في صمت، وبدأ ينظر في الصور بنظرات تقييمية بارعة. وقد عم الصمت بينهما، بينما تراقب إيموجين ملامحه بفضول حاد.

ثم، ببطء، ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه. وضع الكاميرا على المكتب بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث، وقال:

— كما هو متوقع. والآن علينا-

لكن إيموجين قاطعته بسرعة. وقفت فجأة، وضربت المكتب بقوة فاهتز ما عليه من أوراق وأجهزة، ومالت بجسدها نحو الأمام بقوة دفعته للتراجع إلى الخلف مصدومًا من تحولها المفاجئ. اتسعت عيناه لوهلة، لكنها لم تمنحه فرصة للالتقاط أنفاسه.

قالت بابتسامة عريضة واثقة، عاقدة حاجبيها بتحدٍ، وهي تسحب الكاميرا إليها بسرعة:

— لا. أنت لن تأخذ شيئًا، ولن تنشر شيئًا... لأنني... أخذت المهمة لصالحي... لصالحنا.

رمقها سيد جيمس بعدم فهم، عيناه تبحثان في وجهها عن تفسير، بينما هي بقيت تحدق فيه بتلك الابتسامة الملتوية، المنتصرة، التي لم يرها على وجهها من قبل.

وببطء، ضمت إيموجين الكاميرا إلى صدرها. وتراجعت للخلف خطوة ثم جلست، ترمق سيد جيمس بابتسامة واثقة ساخرة، وقالت بنبرة حازمة متعالية:

— هذه الصور لن يتم نشرها... بل سأستغلها لاستعادة حق عائلتي. ثم ما إن ننتهي... سيتم نشرها مع باقي الحقائق.

اتسعت عينا سيد جيمس للحظة. صمت، يحاول استيعاب ما تقوله، بينما تتأمل ملامحه ملامحها الواثقة التي لم يعرفها فيها من قبل. ثم عقد حاجبيه فجأة، واشتدت قبضته على المكتب لدرجة بيّنت عروق يده. وقف بسرعة، صائحًا بغضب:

— ماذا تقصدين بهذا يا آنسة ميدلتون؟! مهمتي منفصلة تمامًا عن-

لكنها وقفت فجأة أيضًا، مقاطعة كلماته بصوتها، صاحت في وجهه بنفس الحدة:

— إن استعاد اسمنا حقه قريبًا، فأعدك أن شركتك لن تكون مجرد شركة إعلامية محلية في مانشستر... بل سأشهرها في جميع شركات الإعلام البريطانية كلها!!

ما إن انقطع صوتها حتى ساد صمت يصم الآذان. في لحظات مرت، يقفان يلهثان، عيونهما محتقنة، يرمقان بعضهما بنظرات حادة، الكاميرا ما زالت ملتصقة بصدرها، ويدها ترتجف قليلًا لكنها لا تظهر ذلك.

ثم، ببطء، هدأ سيد جيمس أولًا. تراجع إلى الخلف، جالسًا في كرسيه بهدوء مصطنع، يراقبها بنظرات حذرة. أما هي، فعادت بهدوء إلى الوراء لتحتل كرسيها مجددًا، ترمقه ببرودة متعمدة.

عدل سيد جيمس سترته بحركة جافة معتادة، ثم رمقها بنظرة جانبية، وهو يقول ببرودة شديدة:

— حسنًا.

رمقته إيموجين للحظات، تتأمل ملامحه المتجاهلة، وتحاول استيعاب ما قاله. ثم، وببطء شديد، ارتسمت ابتسامة مشاكسة على وجهها. وقفت وقالت بثقة:

— إذًا... اتفقنا.

ثم أخرجت هاتفها، دون أن ترفع نظراتها عنه للحظة، ثم طلبت رقم جيما ببطء. ابتسمت ابتسامة صغيرة خبيثة، وضعت الهاتف على أذنها، وغادرت المكتب بثقة.

---

كانت تقف الآن في الخارج، أمام مبنى الشركة، تنتظر رد جيما الذي تتمناه.

بقيت واقفة طويلًا، تدور حول نفسها بحركات عصبية، وقد بدأ الملل يتسلل إليها بهدوء. كانت تنظر إلى السماء مرة، ثم إلى هاتفها مرة، ثم إلى الباب الزجاجي للمبنى. تنهدت بتأفف وهي تتمنى لو أن الرد يأتي سريعًا. لعبت بخيط حقيبتها، عدلت شعرها وراء أذنها، ونظرت إلى ساعتها ثلاث مرات في دقيقتين.

حتى جاءها صوت جيما أخيرًا، بنبرة حذرة، دبلوماسية، وفيها لمحة صغيرة من الحيرة:

— مرحبا؟ من معي؟

ابتسمت إيموجين فجأة، وقالت بحماس مكبوت:

— إنها أنا... إيموجين ميدلتون.

صمت قصير على الطرف الآخر، ثم شهقت جيما فجأة، وقالت بفرح لا يُخفي دهشتها:

— أوه، إيموجين! لم أتوقع اتصالك بهذه السرعة.

ابتسمت إيموجين، وقالت بهدوء مصطنع:

— أجل... أريدك أن تدليني على مكتب ذلك المحامي.

سألتها جيما بسرعة:

— أين أنت الآن؟

صمتت إيموجين للحظات، ثم التفتت ببطء لترمق مبنى الشركة خلفها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة واثقة لكنها ليست مليئة بالغرور كالمعتاد، بل باليقين. ثم قالت بصوت خافت:

— أمام مبنى شركة "نورثرن لينس ميديا".

ابتسمت جيما في الطرف الآخر، وقالت بحماس يشبه حماسها:

— جيد... أنا قادمة لآخذك.

أغلقت إيموجين الخط، ورفعت وجهها نحو السماء الرمادية للحظة. شعرت بشيء لم تلمسه منذ سنوات: الأمل. لا، ليس الأمل فقط... القناعة بأنها أخيرًا تسير في الاتجاه الصحيح.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصورتي المتطفلة

المؤلف Julie Sami
2026/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة