كانت قد مرت نصف ساعة حتى وصلتا إلى ذلك المبنى الذي جمع بين الأناقة العصرية والفخامة الكلاسيكية. وقفت إيموجين للحظة أمام واجهته، تشعر بحجم الخطوة التي على وشك اتخاذها، ثم تابعت جيما إلى الداخل.
صعدت الشابتان الدرج، بينما قالت جيما بابتسامة واثقة، موضحة بعض الأمور وكأنها توصي على صديق:
— كما أنه مهذب جدًا، وغير فظ مثل بعض المحامين الفاسدين الآخرين... وليس مثل محاميكم الغبي.
ضحكت إيموجين بخفوت، لكن ضحكتها كانت متوترة بعض الشيء. صعدت خلفها، وعيناها تائهة بين تفاصيل المكان، حتى وصلتا إلى تلك الردهة المعطرة برائحة خشب وليمون مهدئة. في وسط إحدى الجدران، وقف باب من خشب الماهوجني الداكن، بدا فخمًا حقًا، وكأنه لم يُفتح إلا لمن يستحق.
اقتربت جيما أولًا، وطرقت على الباب برفق، ثم نادت:
— أيها سيد مارشال، أيمكنني الدخول؟
مرت لحظات شعرت فيها إيموجين بأنها أطول مما ينبغي ثم أتى صوته من الداخل: دافئ، هادئ، ومتوازن:
— ادخلي، جيما.
ابتسمت جيما وكأنها سمعت ما توقعت، ثم دفعت الباب لتدخل. دلفت إيموجين خلفها بخطوة واثقة لكن خفيفة، وفجأة وقفت.
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية.
لم يكن مجرد مكتب محامٍ عادي. لا. كان مكتبًا للمعرفة. الرفوف هنا وهناك، ممتدة من الأرض حتى السقف تقريبًا، مليئة بالكتب العتيقة والحديثة معًا، وبعض الزينة التي تعكس شخصية صاحب المكان: أنيقة، هادئة، ومختلفة. مكتب أنيق ومرتب، ليس ممتلئًا ولا فوضويًا، بل منظم بعناية.
ورائحة عطر خفيفة، منتشرة في المكان برقة، لا تصدم الحواس بل تهدئ القلب قبل العقل.
لكن ما أسر إيموجين وأوقفها في مكانها، وجعلها تحبس أنفاسها ويخفق فؤادها إعجابًا حقيقيًا، كان ذلك الرجل الواقف قرب النافذة يتحدث بهدوء في هاتفه.
بدا في أواخر الثلاثينات، بشعر بني تتخلله خصلات خفيفة رمادية زادته جاذبية بدل أن تكبره. ملامحه لم تكن حادة أو متعبة، بل كانت تبعث الطمأنينة لمجرد النظر إليها. وعينان عسليتان دافئتان، تختبئان خلف نظارة ذات إطار فضي يليق بهما تمامًا.
وقفت إيموجين هناك، وكأن الزمن توقف للحظة. لم تسمع ما يقوله في الهاتف، بل كانت تراقب حركة يديه، طريقة وقفته، ثقة هادئة لا تحتاج إلى صخب. شعرت بشيء غريب من الإعجاب.
حينها، وبهدوء، استدار إليهما. أنهى المكالمة ووضع الهاتف جانبًا، وأعطاهم كامل انتباهه، مع ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه. قال بصوت هادئ، لكنه ثابت:
— مرحبًا بكم.
ابتسمت جيما بثقة، وعدلت نظارتها بحركة معتادة، ثم وضعت يدها على كتف إيموجين. أشارت إليه قائلة:
— أقدم لكِ، المحامي نويل مارشال... الذي يكون شقيقـي-
لكنها توقفت فجأة، ولاحظت نظرات إيموجين الشاردة. نظرت إلى وجهها ثم عقدت حاجبيها بحيرة وحزم: ما الذي يحدث لها؟ التفتت إلى شقيقها، ثم قالت بصوت فيه استفهام وحذر خفيف:
— ما الخطب؟
رمق شقيقته بعدم فهم حقيقي، ثم قال بهدوء، وهو يتجه نحو كرسيه ليجلس بحركة أنيقة خفيفة:
— أنا لا أعرف.
لكن فجأة، أفاقت إيموجين من شرودها وكأن صاعقة أصابتها. التفتت إلى جيما بعينين واسعتين، ثم صاحت فيها بنبرة اتهام درامية:
— انتِ قلتِ شقيقك؟ هذا؟ التحفة الفنية؟ يا خائنة!
عقدت جيما ذراعيها فوق صدرها بانزعاج، ورفعت حاجبها قائلة:
— أجل. هذا ليس من شأنكِ.
— بلا، من شأني يا فتاة. كيف لم تخبريني؟ كيف تخفي عني وسيمًا كهذا؟!
راقب سيد نويل شجارهما المتفاقم بصدمة حقيقية. كان ينظر من واحدة إلى الأخرى. لكنه سريعًا ما أدرك الأمر ربما طاقة فتاتين تحتاجان إلى تنفيس. تنهد بقلة حيلة ومسح وجهه بيده تعبًا، قبل أن يرفع وجهه ناحيتهما قائلًا بتردد واضح، بصوت حاول أن يكون حازمًا لكنه لم يكن:
— يا فتيات... انه... لا داعي لكل هذا.
لكنهما استمرتا على ذلك الحال، تتبادلان الكلمات كالسهام، لا تكترثان لوجوده. إيموجين تتهم، جيما تدافع، والأصوات ترتفع قليلًا، والغرفة التي كانت هادئة قبل دقائق أصبحت مسرحًا.
نظر إليهما نويل. كان يراقبهما بقلة حيلة في البداية، لكن الانزعاج بدأ يتسلل إلى ملامحه الهادئة شيئًا فشيئًا. اشتدت قبضته على القلم الذي كان يمسكه حتى بيّنت عروق يده. وفجأة، دون مقدمات، وقف وضرب به بقوة على المكتب.
صاح بغضب لم يتوقعاه منه أبدًا:
— أنتما الاثنتان! ابتعدا عن بعضكما حالًا!
توقفا فجأة، كمن جمد مكانهما. نظرت إليه جيما بعينين مذهولتين، وفمها مفتوح قليلًا، بينما وقفت إيموجين تنظر إليه، لكن ليس بصدمة، بل بإعجاب متزايد لا يُصدق. قلبها كان يخفق بشدة، ليس من الخوف، بل من الدهشة. هذا الرجل الهادئ، الذي بدا كنسيم بارد، يملك نارًا تحته؟
سألته جيما بتردد، بعد لحظات من الصمت المطبق:
— واو... أخي، هذه أول مرة تصرخ فيها.
تراجع نويل إلى الخلف قليلًا، وهو يحاول استعادة هدوئه المصطنع، عدل ربطة عنقه بحركة عصبية، ثم جلس مجددًا، متجنبًا نظراتهما. قال بصوت أجش، يحاول أن يكون حازمًا مرة أخرى:
— هل يمكننا... التحدث بجدية الآن؟
تنهد، ثم تراجع إلى الخلف في كرسيه. نزع نظارته بهدوء، وأعاد شعره إلى الخلف بيده الأخرى، ثم أغمض عينيه للحظات يحاول استجماع شتاته. عندما فتحهما مجددًا، كانت نظراته أكثر هدوءًا، لكن ابتسامته كانت مخالفة: بدا فيها بعض التوتر، بعض الاعتراف بأنه مجرد بشر بعد كل شيء. قال بصوت خافت، مصطنع الهدوء:
— أولاً، أعتذر إذا ارتفع صوتي فجأة. فكما تعرفان... أنا مضغوط حقًا في عملي هذه الأيام.
اتسعت ابتسامة إيموجين. لكنها لم تكن ابتسامة ساخرة. اقتربت قليلًا من المكتب، وقالت بنبرة دافئة لكن حازمة:
— لا بأس أبدًا، سيد نويل. أنا أتفهم ذلك. لكن... اعذرني لأنني قادمة لأضغط عليك أكثر.
رمقها طويلًا بعدم فهم. نظراته بحثت في عينيها، ثم التفت إلى جيما، التي ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، و أكملت مكانه:
— هذه إيموجين ميدلتون. موكلة جديدة. أخرى.
رفع سيد نويل حاجبيه بدهشة طفيفة، ثم عاد بنظراته إلى إيموجين، يتأملها للحظة، ثم قال بهدوء، مشيرًا نحو المقعد أمامه:
— تفضلي بالجلوس، آنسة ميدلتون.
جلست إيموجين بهدوء، وضعت حقيبتها بجانبها، وأسندت ظهرها إلى المقعد. رماها نويل بنظرة أخرى، صامتة، محللة، ثم سأل بعدها مباشرة، بنبرة مهنية بحتة:
— أخبريني من فضلك... ما هي القضية؟
تنهدت إيموجين، تحاول أن تجمع شتات نفسها المبعثرة. صمتت للحظات، عيناها تحدقان في نقطة غير مرئية على المكتب، ثم عادت تنظر إليه بجدية ثقيلة، وقالت:
— أنت بالطبع تعرف القصة القديمة. أن عائلتي سقطت، وأنا تركتهم لأتحمل مسؤولية حياتي وحدي. أنا حاليًا مصورة في إحدى شركات الإعلام، وكنت سابقًا باباراتزي، ألتقط الصور الخاصة مقابل المال. لكني تركت هذه المهنة المتطفلة.
صمتت للحظات، ثم أشاحت بنظراتها نحو النافذة للحظة. أكملت بصوت أكثر هدوءًا، لكنه كان مرتعشًا قليلاً في عمقه:
— سقوطنا لم يكن فجائيًا... بل كان خطأي أنا. قبل عشر سنوات، كنت أنا وجوليان روكلي... نوعًا ما مرطبتين... لا أعلم ماذا يسمى ما كان بيننا. لكني وثقت به. شاركته سعادتي. لاكتشف أن سعادتي انقلبت عليّ، وصارت صدمة عاتية جمدتني. كنت أنا السبب.
اشتدت قبضتها على حقيبتها فجأة. عقدت حاجبيها بقوة، ثم فتحت الحقيبة بحركة حاسمة وأخرجت الكاميرا الخاصة بها. نظرت إليه مباشرة، وأكملت بنبرة جادة، لا تقبل التراجع:
— بالأمس، التقطت هذه الصورة. لم يكن مجرد عقد... بل مؤامرة. وأنا حاليًا أريد اغتنام هذه الفرصة لاستعادة حقوقنا... شركاتنا... واسمنا.
بقي نويل يرمقها طويلًا وبتركيز شديد. ثم انحنى ببطء على مكتبه، مستندًا عليه بمرفقيه، وأشار بأصابعه نحو الكاميرا قائلًا بصوت هادئ لكن فضولي:
— أيمكنني أن أرى الصورة؟
أومأت إيموجين ببطء، ثم سلمته الكاميرا ليلقي نظرة. سكن الجو حينها، وتحول الصمت إلى شيء مترقب. راقبته جيما طويلًا من الخلف، عيناها تتنقلان بين وجهه والكاميرا، بينما بقيت إيموجين بلا حراك، قلبها يخفق في صدرها بشدة.
مرت لحظات شعرت فيها إيموجين وكأنها سنوات. ثم تنهد نويل أخيرًا، وأعاد إليها الكاميرا بهدوء.
التقطتها إيموجين بأصابع مرتعشة قليلًا، لكنها حرصت ألا يظهر ذلك. بقيت عيناها معلقتين عليه. أما هو، فبقي صامتًا للحظات أخرى، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن يقولها.
ثم قال بهدوء، وربما كان هدوءه أكثر إزعاجًا من الصراخ:
— الأمر ليس سهلًا كما توقعتِ. فنحن لا نعرف من ذلك الرجل، ولا نعرف النص الكامل للعقد. الأمر يبدو مشبوهًا... لكنه ليس مؤكدًا.
نظر إليها مباشرة، وعيناه العسليتان خلف الإطار الفضي لم تكن قاسية، لكنها كانت واقعية ببرودة. أكمل:
— في هذه الحالة، لا أستطيع التفكير في الأمر بسرعة. لكن أمهليني بعض الوقت. ربما أبحث عن حل وأحقّق في الأمر. وبالنسبة للصور... ابعثيها إليّ.
أخرج حينها كارتًا أبيض أنيقًا من درج مكتبه، وناوله إليها برفق:
— هذا رقمي.
نظرت إيموجين إلى الكارت للحظات، تقرأ اسمه، رقمه. شعرت بشيء غريب... مزيج من الخيبة والأمل. ثم أخذته منه، وأومأت بصمت، وعيناها لا تزالان ترمقانه.
وقفا حينها. قال نويل مع ابتسامة صغيرة، ربما أراد بها تخفيف الجو:
— وإن توصلت إلى معلومة ما... سأتصل بكِ.
أومأت إيموجين بهدوء، ثم وضعت الكارت في حقيبتها. أما جيما، فوقفت بجانبها بابتسامة عريضة، ووضعت يدها على كتف إيموجين، وقالت بنبرة عملية:
— إذًا، نحن نستأذنك، سيد مارشال. هيا يا إيموجين ميدلتون.
---
سارت الفتاتان على طول الرصيف، تتدردشان وتمزحان معًا، واقتربتا من ذلك المقهى الذي اعتادت إيموجين وأصدقاؤها الاجتماع فيه —مقرهم الآمن، حيث الضحكات تُسمع، والأسرار تُحكى، والخطط تُولد.
قالت إيموجين لجيما، بينما دفعت الباب بهدوء، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة ودودة، مزيج من الدفء والثقة الجديدة:
— مختلفون تمامًا... لكننا وجدنا في تناقضنا ما ينقصنا.
ابتسمت جيما بسعادة حقيقية، وردت بحماس وهي تنظر إلى المكان من خلف زجاج الباب:
— واو... هذا رائع حقًا يا إيموجين. لقد صرت متشوقة لمعرفتهم أكثر.
وما إن عبرت الباب حتى رن الجرس معلنًا دخولهما. وقفت إيموجين للحظات، تنظر إلى أصدقائها الذين تجمعوا حول طاولتهم المعتادة، ثم مدت ذراعيها ترحيبًا بحماس:
— مرحبًا يا أصدقائي! لا تصدقون حتمًا ما حدث.
التفتوا جميعًا حينها بفضول تجاه إيموجين والفتاة الغريبة التي دخلت معها.
وقفت جيما للحظات، تشعر بأن عيونهم تعلقت بها، وظهر عليها توتر طفيف —لعبت بأطراف شعرها، وعدلت حقيبتها على كتفها، ثم رفعت يدها بتلويحة خفيفة، وقالت بصوت حاولت أن تجعله واثقًا لكنه كان خجولًا قليلًا:
— آه... مرحبًا، أنا جيما مارشال. تشرفت بلقائكم.
ابتسمت مايبل حينها، ونهضت من مقعدها بسرعة، مقتربة منها بابتسامة دافئة، ومدت يدها مصافحة:
— مرحبًا بكِ، جيما. أنا مايبل.
تلاشى توتر جيما قليلًا عندما رأت ابتسامة مايبل الصادقة.
فابتسمت إيموجين بسعادة وهي تشهد اللقاء، ثم أخرجت الكاميرا الخاصة بها من حقيبتها ورفعتها عاليًا، وقالت بنبرة واثقة:
— من الآن فصاعدًا، كل خطوة أخطوها هي لصالحي أنا.
انتقلت نظرات الأصدقاء من جيما إلى إيموجين، ثم إلى الكاميرا، وبدت ملامحهم مليئة بالفضول والأسئلة التي لم تُطرح بعد.
لذا تقدمت، وجلست إيموجين بين أصدقائها على الطاولة، و جيما بجانبها، وسردت لهما كل شيء تمامًا — هارفي وايلد، ثم لقائها مع والدها، إلى مواجهتها مع سيد جيمس، إلى زيارتها للمحامي نويل مارشال. كانت كلماتها تتدفق بحماس، وعيناها تلمعان بنور لم يره أصدقاؤها من قبل.
وما إن انتهت من سردها، حتى ساد صمت قصير، ثم تحدثت فيريا أخيرًا بهدوء:
— في الواقع، رغم أن الأمر مليء بالمخاطر، وأرى أنه لا يمكنك التضحية بتلك السرعة... لكن قرارك في التعامل مع الأمر بشكل قانوني هو الحل الأنسب لكي تستفيد عائلتك.
أومأت إيموجين برأسها موافقة، بينما تدخل ريس بعدها، مائلًا إلى الأمام قليلًا:
— يمكنك أيضًا الاعتماد على ذلك المدعو وايلد، لأنه داخل النظام نفسه، دون أن تعرضي نفسك لأي مخاطر.
صمتت إيموجين حينها للحظات، غاصت في التفكير. كانت كلماتهم صحيحة، لكن شيئًا ما كان يؤرقها، سؤال واحد لم تجد له إجابة. رفعت نظراتها نحوهم أخيرًا، وقالت بصوت هادئ لكنه مثقل بالقلق:
— أنا... أعرف.. لكن، المشكلة الآن هي... من ذلك الرجل؟
حينها، التفتت جيما إلى إيموجين، ووضعت يدها بلطف على ذراعها، وقالت بنبرة عملية مطمئنة:
— اسمعي، لا يجب أن تفكري كثيرًا في الأمر الآن. فقط قومي بعملك على أكمل وجه، والمحامي سيتكفل بالباقي ويجمع المعلومات.
نظرت إيموجين إلى جيما، ثم إلى أصدقائها واحدًا تلو الآخر. كانت ابتسامتها خفيفة، لكن في عينيها كان هناك امتنان عميق. قالت بصوت أكثر دفئًا:
— شكرًا لكم... حقًا. لا أعرف ماذا كنت سأفعل بدونكم.
Julie Sami