كانت الأيام تمضي، والأمور تسير بسلاسة. كانت إيموجين تؤدي عملها كالمعتاد، في مشهدٍ لا يثير أي شكوك، بينما كان المحامي يعمل في صمتٍ هو الآخر.
باتت حياتها أكثر نضجًا وصبرًا، وأخفّ وطأة بعد أن تصالحت مع عائلتها. حتى جاء ذلك اليوم الذي اتصل فيها السيد مارشال، طالبًا قدومها إليه.
صعدت إيموجين الدرج بهدوء، حتى بلغت مكتبه. طرقت الباب، فأذن لها بالدخول. وما أن ولجت حتى وقع بصرها عليه جالسًا خلف مكتبه، وفي يده أوراق تبدو غريبة.
تقدّمت نحوه وجلست بهدوء، تنظر إليه بشغف وفضول. فوضع الأوراق جانبًا، وعدّل نظّارته بابتسامة، وقال:
— مرحبًا، آنسة ميدلتون.
فابتسمت هي الأخرى، وقالت بحماس مكبوح:
— مرحبًا سيدي، أخبرني... ماذا توصّلت إليه؟
تراجع في كرسيه، وشبّك ذراعيه على صدره، وصمت لحظاتٍ يجمع أفكاره، ثم نظر إليها وقال:
— استغرق الأمر مني وقتًا حتى أحصل على المعلومات، لكنه كان يسيرًا في النهاية. ذلك الرجل في الحقيقة... محتال. يدير شركات وهمية يخدع بها منافسي روكلي.
ارتفع حاجبا إيموجين في ذهول، فلم تكن تتوقع هذه الكلمات أبدًا. اقتربت من المكتب وقالت:
— مهلًا، مهلًا... يخدع منافسي عائلة روكلي؟
أومأ المحامي بهدوء، وشرح بصوتٍ رزين:
— إنه محتال، كما قلت لك. يساعد عائلة روكلي في الإطاحة بمنافسيهم، وهم يدفعون له المال مقابل ذلك. أما العقد الجديد المتعلّق بالزواج، فهو هذه المرة لعبة موجّهة ضد عائلة روكلي نفسها. فكما جرت العادة، اتّفقا على الإطاحة بمنافسين آخرين، على أن يتزوّج جوليان ابنته... لكن هذا الرجل في الحقيقة يزرعها داخل العائلة لتكون جزءً منها، وتسيطر على الشركات والممتلكات... هذا كل ما عرفته حتى الآن.
صمت لحظات، ثم وضع يده تحت ذقنه يُفكّر، وأكمل بهدوء، كأنه يحدّث نفسه:
— لكني أستطيع تخيّل سيناريوهات أخرى... ماذا لو لم يكتفِ بتحكّمها فقط، بل أمر بقتلهم جميعًا، لتستحوذ ابنته على الممتلكات، ويتحكما بها معًا؟
وضعت إيموجين يدها تحت ذقنها، وقالت برويّة:
— واو... هذا يبدو منطقيًا فعلًا.
تنحنح المحامي ثم عاد ينظر إليها، ودفع الملف بين يديها مكملًا:
— هذا الملف يحتوي على كل فواتيره المزوّرة.
تناولته إيموجين وقلّبت أوراقه بنظرات سريعة، ثم همهمت بهدوء وهي تحدّق فيه:
— همم... إنه مجرم حقيقي.
عادت تنظر إليه بشك، وقالت بحذر:
— سيد مارشال! من أين حصلت على هذا؟ أظن أن المهمة لم تكن سهلة.
ابتسم حينها وقال:
— سأخبرك... ما حدث أنني حاولت البحث عن ذلك الرجل وحساباته، فوجدت له اسمًا وحسابًا بنكيًا باسم شركة غريبة خارج المملكة. أطلت البحث وتحققت من كل شيء... لكني لم أجد الشركة نفسها أصلًا. وحاولت الوصول إلى اسمه الحقيقي، وما إن فعلت حتى تعرفت على عائلته، ومن الواضح أنهم لم يكونوا يعلمون شيئًا مما ذكرته. باستثناء ابنته التي هي ذاتها... أخبرتني بكل شيء.
اتسعت عينا إيموجين وقالت مندهشة:
— مهلًا؟ ماذا؟ هذا كل شيء؟
أومأ مبتسمًا:
— نعم... هذا كل شيء.
أومأت هي أيضًا، ثم وقفت فجأة وقالت:
— إذن... عليّ الذهاب... لكن... ماذا عن حقنا؟
وقف حينها وقال:
— لا، هذا الأمر سهل، لأنك بصراحة يا إيموجين... كنتِ أنتِ السبب حينها. أنتِ من أخبرتِ جوليان بخططكم، وهو استغلها ضدكم أصلًا... لكن يمكنكم في المحكمة رفع دعوى، وإن فزتم —وستفوزون بالتأكيد— سيدفعون تعويضًا ضخمًا.
رمقته إيموجين للحظات، وقد شعرت بنبضات قلبها تتسارع، ثم نظرت إلى الملف في يدها وأحكمت قبضتها عليه، قبل أن تلتفت وتغادر المكان مسرعة.
---
وقفت إيموجين أمام برج "ذا بليد"، وشخصت ببصرها إلى علوّه الشاهق، وقد غمرتها الدهشة مجددًا، تحدّق إليه بإعجاب وذهول. بينما كانت غارقة في تأمّل المبنى، ظهرت جيما فجأة من خلفها وأمسكت بذراعها، فصرخت إيموجين مذعورة وقفزت إلى الوراء من هجومها المفاجئ.
أما جيما فانفجرت ضاحكة من هلعها، وأشارت إليها وهي تقول بسخرية مرحة:
— أوه... يا إيموجين، صدقيني لو كان مكاني لصًّا أو عفريتًا، لكان هو من يخاف منك، وليس العكس!
عقدت إيموجين حاجبيها، وشبّكت ذراعيها فوق صدرها، ثم رفعت ذقنها بتعالٍ مصطنع:
— آه، اصمتي يا جيما! ثم ماذا تفعلين هنا؟
رمقتها جيما للحظات، ثم ابتسمت بثقة وأشارت بإبهامها نحو المبنى:
— أنا أصلًا أعيش هنا.
صمتت إيموجين للحظة، ونظرت إليها باستغراب:
— أنتِ ثرية؟
اقتربت منها جيما، ولفّت ذراعها حول عنقها بثقة، وقادتها نحو المدخل وهي تقول بمرح:
— نعم... أنا ثرية.
همهمت إيموجين بهدوء، وقد تسلل الفهم إليها، فرسمت ابتسامة صغيرة مستنتجة:
— لهذا السبب كان وصول السيد نويل مارشال إلى المعلومات سهلًا.
وقفت جيما حينها والتفتت تنظر إليها بغرابة، ثم قالت:
— لا أعلم ما الذي تقولينه... لكني لا أهتم. تعالي، لنذهب ونجلس في المكتبة، إنها مكاني المفضل.
أومأت إيموجين وسارت معها عبر ذلك البهو الواسع باتجاه السلالم، بينما كانت ترمق المكان حولها بنظرة تأملية مبتهجة، وقد علت وجهها ابتسامة. وفجأة، وقعت عيناها على ذلك الحارس الشخصي واقفًا ينتظر المصعد ويتحدث في الهاتف. وبينما هو منشغل بالمكالمة، التقت عيناه بها دون قصد، فرفع حاجبه، بينما لوّحت له هي وأشارت بيدها أنها تريد التحدث معه... لكن مساءً.
أومأ لها، ثم تقدّم نحو وجهته حالما انفتح باب المصعد. أما إيموجين فعادت تنظر أمامها بابتسامة واسعة عريضة، لكنها توقفت فجأة حين شعرت بتوقف جيما المفاجئ. التفتت لتنظر إليها، فتوترت من نظراتها الثاقبة. سألتها جيما بفضول:
— من هذا يا إيموجين؟
تنهدت إيموجين بانزعاج، وانحنى كتفيها قليلًا بينما تمتمت في سرها ببعض الشتائم، ثم ابتسمت فجأة وقالت بصوت عالٍ متحمّس:
— إنه هارفي وايلد، الذي أخبرتك عنه في...
لكن بحركة مباغتة، أسرعت جيما ووضعت يدها على فمها، ثم رفعت إصبعها السبابة إلى شفتيها وقالت بحدة:
— ششش... صوتك مزعج.
ضحكت إيموجين ببلاهة وهي تتبعها:
— ظننتك ستقولين "الناس ينظرون إلينا".
ابتسمت جيما بثقة وقالت بحماس:
— أنا لا يهمني الناس.
---
جلس الاثنان معًا في المكتبة على إحدى الأرائك، تفصل بينهما أكوام من الكتب. كانت جيما تقرأ باندماج، بينما كانت إيموجين على النقيض تمامًا، إذ سرعان ما شعرت بالملل، ولم تعد تجد في الكتب أو الروايات أي شغف. وضعت الكتاب جانبًا ونظرت إلى جيما، وقالت لها بهدوء:
— لقد توصّل أخوكِ إلى معلومات.
رفعت جيما وجهها عن الكتاب، ورمقت إيموجين للحظات، ثم قالت:
— حقًا؟ ومتى موعد المحاكمة؟
ابتسمت إيموجين وأجابت:
— ليس الآن... يجب أن يعلن والدي قراره صراحةً، وكذلك الإعلام... حينها ستُجبر عائلة روكلي على المثول أمام المحكمة.
صمتت جيما للحظات تفكر، ثم عادت تنظر إليها وهي تعدّل نظارتها، وسألتها بفضول:
— وماذا عن ذلك المدعو هارفي وايلد؟
— سنجتمع مساءً.
اتسعت عينا جيما وتراجعت للخلف، وقد شعرت بشيء من الخيانة المزعومة، فوضعت يدها على صدرها وقالت بصدمة متهكّمة:
— مساءً؟ هل قلتِ مساءً وليس الآن؟ أوه، عزيزتي إيموجين... بل حالًا.
عقدت إيموجين ذراعيها وقالت بعناد:
— لكني لست موافقة... مساءً سيكون أفضل.
تنهدت جيما ووضعت الكتاب جانبًا، وقالت بملل:
— لماذا؟
صمتت إيموجين طويلًا، ما زالت محتفظة بوضعيتها المتصلبة، ثم فتحت عينيها فجأة واستندت إلى ظهر الأريكة، وقالت بهدوء ونبرة حريرية تشوبها شرود:
— لأنه صباحًا مشغول، يعمل عند جوليان... ونحن لا يجب أن نعطل جوليان كي لا ينزعج. ما أن ينتهي جوليان ويتفرغ... سأناديه لنجتمع مساءً.
ساد الصمت بينهما، بينما تجمّدت جيما في مكانها، ترمق إيموجين بصدمة مفتعلة، ثم تلفظت بهدوء مذهول:
— سحقًا... أنا... جالسة مع مجنونة تمامًا.
حاولت جيما كبح أعصابها، واشتدت قبضتها على لا شيء، ثم فجأة أمسكت إيموجين من كتفيها وهزّتها بقوة، وصاحت بغضب مكتوم:
— يا غبية! ما علاقة جوليان بهارفي وايلد الآن؟! يا غبية، ركّزي!
ثم ضربتها على رأسها خفيفًا، فتأوهت إيموجين ألمًا وهي تفرك مكان الضربة، ثم نظرت إلى جيما وصاحت فيها:
— حسنًا، حسنًا، أدركت الأمر! أعرف أني يجب أن أتحدث معه الآن.
وما أن أنهت كلماتها حتى بقيت تلهث للحظات، وساد صمت ثقيل. التفتت الاثنتان ببطء، ترمقان أجواء المكتبة، حيث كان الجميع يرمقونهما بصدمة واستغراب.
تنحنحت جيما ووقفت، وقالت وهي تجرجر إيموجين خلفها:
— قوانين المكتبة تقول: ممنوع الصراخ. لذا لنخرج إن كنا سنصرخ.
---
جلس الثلاثة في ذلك المقهى، وساد بينهم صمت ثقيل. كان هارفي جالسًا أمامهما يرمق الملف بهدوء، بعد أن حكت له إيموجين عن كل شيء. ثم وضعه جانبًا، وابتسم ابتسامة باردة، وقال:
— أظن هذا جيدًا جدًا... بل هو خطوة رائعة.
اتسعت عينا إيموجين، ومالت إلى الأمام بحماس، وقالت:
— دعك من العمل الآن... أريد أن ألتقي بجوليان مجددًا.
ضاقت عيناه في حيرة من كلامها الغريب، بينما تنهدت جيما وارتشفت من قهوتها ببرود. ساد الصمت لحظات، ثم ابتسم هارفي بمكر، وقال:
— لا بأس... سأجعلك تلتقين بجوليان.
اتسعت عينا إيموجين، وانتصبت في جلستها فجأة، وصفقت بحماس طفولي، بينما شهقت جيما وكاد كوب قهوتها ينسكب على فخذها، فسعلت للحظات. رمقها هارفي بنظرة باردة، وتنهد بقلة حيلة، ثم أخرج منديلًا وقال بجفاء:
— تفضلي.
اختطفته جيما بسرعة، وضعته على فمها ثم مسحت الطاولة أمامها، قبل أن ترمقه بحدة وتلقي بالمنديل جانبًا، وقالت باستنكار:
— كيف يعني ستسمح لها بفعل ذلك؟
تراجع في كرسيه، وشبّك ذراعيه على صدره، وقال بهدوء:
— يعني... في حفل زفاف جوليان القادم، سأحصل على إحدى بطاقات الدعوات، وأكتب اسم إيموجين مكان المدعو، وأعطيها إياها لتذهب وكأنها مدعوة بالفعل...
رفعت إيموجين حاجبها وسألت بعدم فهم:
— مهلاً؟ لماذا يجب أن أحضر في ذلك اليوم؟
أجابها هارفي بهدوء:
— لا تقلقي... كلاهما لا يطيقان بعضهما أصلًا. وأنت ستذهبين كإحدى المدعوات. يجب أن تكوني متألقة، ولا تحضري الكاميرا معك، فقط محفظتك وهاتفك. وحاولي التسلل إلى مكتب القصر، وتصوير الوثائق.
ساد الصمت للحظات، وتجمّدت إيموجين في مكانها، ثم قالت بانزعاج:
— ماذا؟ مهمة؟ لا، أنا لا أريد مهامًا... لماذا لا تفعل أنت ذلك بنفسك؟
ساد الصمت مجددًا، ورفع هارفي حاجبيه، وقال بدهشة خفيفة:
— صحيح؟ لماذا لا أحاول فعل ذلك بنفسي؟
صمت لحظات، ثم ابتسم بثقة وأردف بسرعة:
— فكرة جديدة! ستكونين إحدى المدعوات، وبما أن جوليان صار يشك بك، فسيراقبك طوال الوقت، ولن ينشغل بي أحد بينما أنهي المهمة أنا.
ابتسمت إيموجين ابتسامة عريضة، وصفقت بحماس وقالت:
— أجل، أجل، أجل... أحببت هذه الخطة!
رمقتهما جيما للحظات بدهشة، ثم ابتسمت وقالت:
— أريد أنا أيضًا أن أكون مدعوة.
التفت هارفي إليها متسائلًا:
— وما فائدتكِ؟
ارتبكت جيما للحظات، وصمتت تطرق بأصابعها على الطاولة تفكر، ثم قالت بشرود:
— لا أعلم... لكني أحب الحفلات... وربما أجد لي نفعًا في الواقع.
تنهدت إيموجين بقلة حيلة، وقالت:
— أتعرفين؟ أجل، أريدك أن تأتي معي، لأني لا أشعر بالثقة من الذهاب وحدي.
ابتسمت جيما بثقة:
— ها نحن ذا... لي تأثير على شخصية إيموجين.
تنهد هارفي وقال بلامبالاة:
— حسنًا، يا آنستيّ... سأبعث لكما الدعوات.
Julie Sami