هاهو التحقيقُ الجادُّ قد ابتدأ، وأجواء المكان مشبعةٌ بذُعرٍ خفيّ، كأنّ الجدران تتهامس فيما بينها بما لا يُقال. أُزيلت تسجيلاتُ الكاميرات كمن يدفن دليله بيده، ولم يبقَ من الأثر شيء… لا بصمة، ولا صورة، ولا صوتٌ يُعرّي المجرم من ستره. كأنّ الشبحَ الذي فعلها قد مرّ من بيننا، ثم تبخّر... كما يتلاشى السراب حين تمُدّ له يدك. فُتح بابُ الحديث عن خطابِ "بدور" السابقين... اثنانِ كانا لها، ثمّ انقطعت أخبارهم كأنّ الأرض ابتلعتهم، أو السماء لفظتهم. لا يُعلم لهم مقرٌّ ولا مأوى، ولا أحدٌ يعلم لِمَ انسحبوا من الحياة كأنّهم غرباءٌ لا يُذكَر لهم أثر. وفيما العجز يخنق المحيطين، التفتت نيرة صوب سبأ… الطفلة التي آوت إلى حضن أمّها، وكأنّها اعتزلت ضجيجَ العالم، واحتكمت لصمتٍ لا يُترجم. همست نيرة: "الحمدُ لله… أن رضيتِ بمسّ أحدٍ غير أمّكِ." جلست الأم، وبلّ قلبها بردُ الرجاء، ثم همست في لُطفٍ، فيه من النحيبِ ما يفتّت الحجارة: "سَبَأ… يا بُنيّتي، يا قرّة العين… أفي جوفِكِ علمٌ، أو في صدركِ سرّ؟ هل طاف بعينيكِ شيءٌ يُظهر وجهَ الحقّ ويكشِفُ خُدعة الباطل؟" لكنّ سبأ هزّت رأسها نفيًا… نفيًا لا يشي بالكذب، بل يطفح بالرهبة. لم تنطق، ولم ترمِ ببنت شفة، فنهضت نيرة متنهّدةً، وتراجعت ببطءٍ نحو جمع الفتيات، والغصّةُ على طرف لسانها. في هذه الأثناء، كان "هازِم" يُخاطب المحقّق "رائد" قائلاً: "كما أسلفتُ، أيّها الرجل، لا خيطَ يدلّنا على أولئك الذين خَطبوا الراحلة… قد اختفَوا فجأة، كأنّهم شُطِبوا من الصحائف، أو كُتِبَت عليهم لعنةُ النسيان." ارتفع صوت "أبا بدور" فجأة وهو رجلٌ جليلٌ، ذو هيبةٍ وسلطان قائلاً بصرامة: "أنا محقّقٌ جنائيٌّ برُتبةِ شرف… ولأني رجلٌ لا أترك الدم يتيهُ في الطرقات، فلتبدأ رحلةُ البحث عن أولئك الخُطّاب. فمن هرب من المجلس، لا بدّ أنه يخشى شيئًا!" المحقّق "رائد" انحنى إيذانًا بالطاعة: "أمركَ، سيّدي…" اندفعت سبأ نحو زاريوس، وقلبُها بين أضلاعها كفرسٍ جامح… رفعت يديها، كأنها تستغيث، كأنّها تقول: "احملني، فالسرُّ يحرقني!" رفَعها دون سؤال، وكأن قلبه فهِمَ لغة الصمت، وفَقهَ حديثَ العيون. مدّت له هاتفًا… نظر إليه، ثم إليها، وكأنه يسأل: "ما شأنكِ به؟" لكنّ سِنان أبى إلا أن يَقطع الحيرة بقوله: "إنّه هاتفُ المرحومة… بدور." فتحت سبأ الاستوديو… دخلت مجلّدًا، واختارت فيديو بعينه، وكأنها تعلم أيّ ريحٍ تحمل الدليل. ثم طلبت منه أن يُنزلها، وما إن لامست قدماها الأرض، حتى هرولت إلى أمّها، كأنّها أودعت السرّ ثم فرّت. زاريوس نظر في الهاتف… ضغط على الفيديو… لكنّ أعين الجميع اتّسعت حين ظهرت غرفة "بدور" جليّةً خلف عدسة الكاميرا، وما أظهرته اللقطة، لم يكن إلا الجزء السفليّ من جسد رجلٍ مكسوٍّ بالسواد، ورجلَي بدور أيضًا. لم يكن الصوت واضحًا، فقام رائد برفعه… ورغم فعلهم لذلك لم يكن الصوت واضحا الا انه همسا فقط لا يكاد بسمع سوى إنه لرجل ما صمتٌ ثقيلٌ خيّم على الجميع... صوتُ الخطر كان رجوليًّا، غليظًا، مشبعًا بالغيرة والجنون، لا تخفى فيه نيّة القتل، بل كأنّه يقسم قَسَمًا حتى العالِم الجليل هازم، قد شهق بصمت، وزاريوس قبض على الهاتف كأنّه يُريد أن يسحق المجرم من خلف الشّاشة. أمّا "سبأ"، فقد أغمضت عينيها، واحتمت بثوب والدتها، كمن يعرف أنّ الحقيقة… قد وُلِدَت أخيرًا، ولكنها وُلِدَت بوجهٍ مخيف. نظر سنان إلى والده بنظرةٍ تتأجّج فيها نيران الغضب، إذ كان والده قابضًا على يده بشيءٍ من الضيق والحزن، ثم قال بنبرةٍ متقدة: "أسمِعتَ صوتهُ وهو يفرُّ كالفأر؟! أيُعقل أن يدخل داره أحدٌ دون أن تُبصره العيون؟!" فردّ هازم وهو يقطب حاجبيه بشدّة: "ألم تكن قد أمرتَهم يا أبتِ أن يُشدّدوا الحراسة؟!" فقال والد بدور، وقد انحنى صوته بثقلٍ ووجع: "بلى، والله لقد أمرتهم بذلك وناشدتُهم شدّة الانتباه، غير أني لا أعلم كيف تجرأ أحدهم ودخل! وما رأينا في تلك الليلة غريبًا واحدًا، كأن الأرض ابتلعته ولم نفقه له سبيلاً." قال نيرولو مستنكرًا: "ولِمَ لم تصرخ الفقيدة؟!" خَيّم السكون على المجلس، حتى قطعه صوت نيرة وقد تكلّمت بحذر: "لعلها ارتاعت، أو لعل الرعب قد ألجم صوتها." لكن جوديا، التي أرهقتها الليلةُ بالتفكير والتحليل، تكلمت بصوتٍ رصين: "بل أظنها خافت أن تصرخ فتوقظ سبأ من مرقدها، أو أن يكون ذاك الجاني قد أوصد الباب، فإن تأخّر النجدة، وسبأ خرجت، لتضررت قبلها، إذ لا شاهد يبقى ولا دليل، ونخسر فتاتين عوضًا عن واحدة." ساد الصمت مجددًا، فحديثها ذاك لم يكن خيالًا، بل لامس طباع بدور كما عُرفت. لكن صوتًا خرج من بين الجمع، يسأل ببرود: "وما أدراكِ أن الأمر قد جرى كذلك؟" خفضت جوديا بصرها حياءً والتزامًا، ثم ردّت بصوتٍ خافت: "ليس إلا احتمالًا، استنبطته مما سمعته عن شخصية بدور." خرج المتكلم من الظلال وهو يتثاءب بملل، وكان يُدعى "ألكسندر"، أشهر المحققين في تلك النواحي، فقال: "وهل كلّ ما يُسمع يُصدَّق، آنستي؟" احمرّ وجه جوديا خجلًا، ثم قالت: "كلا... ولكنني أبديت رأيًا قد يُصيب وقد يُخطئ، والله وحده يعلم ما وقع، ومن شهِد الحادثة." ضيق ألكسندر عينيه ثم سأل: "وما الذي دفعكِ لهذا الافتراض؟" أجابت فورًا: "لأن سبأ ذات طبيعةٍ حركيّة، فلو أبصرت أختها في أذًى، أو سمعت صراخًا للنجدة، لما ترددت لحظةً أن تخرج من مخبئها." ثم أدخل المحقق يديه في جيبه الواسع، وقال بصوتٍ واهن: "ثم ماذا؟" أخذت جوديا، ذات السابعة عشرة ربيعًا، نَفَسًا عميقًا، ثم تابعت: "بدور، رحمها الله وغفر لها، كانت ترى في سبأ ابنةً لا أختًا، ولم يكن من شأنها أن تُخاطر بسلامتها أبدًا." سأل ألكسندر بنبرةٍ فيها حدة: "ولِمَ لم تهرب من الباب ؟!" تنهدت جوديا بضيقٍ ظاهر، وقالت: "ربما لأن الباب قد أُقفل.. ومن فعلها، مجرمٌ حاذق، لا يُخطيء في أمرٍ جليّ كهذا." سكت ألكسندر برهةً، ثم التفت إلى الجمع قائلًا: "كم عمر هذه المحققة؟ أودّ أن أدربها على يدي." ضحك نرفال بسخرية وهو ينظر إليه، ثم قال: "أتمزح يا رجل؟! إنها ذات عقلٍ نيّر، بفضل الله، لكنها صغيرة، ما تزال في السابعة عشرة من عمرها!" صفّر ألكسندر بإعجاب، ثم عاد ينظر إليها: "حقًا؟! في السابعة عشرة؟!" أومأت جوديا برأسها، بينما كانت في داخلها تتخيله مُمزقًا تحت قدميها، لولا أن القتل حرام! تكلّم والد بدور بحزمٍ وقال: "ليس العمر بالمقياس، يا حضرة المحقق، إنّما العقل، وقد نطقتْ برأيٍ وجيه، أحييك يا ابنة أخي." ابتسمت جوديا بخجل، ثم قالت بهدوء: "أستأذنكم، أودّ الرحيل." قال والد بدور، بصوتٍ فيه حنوّ أدهش الحاضرين إلا أبناءه: "أذنكِ معكِ، يا بنيّتي." ابتسمت له آخر ابتسامة، ثم انصرفت. سأل رائد بدهشة: "أهي ابنة أخيك فعلًا؟!" أومأ والد بدور برأسه، وقال: "أجل، إنها ابنة أخي، جاسم، الذي في ديار الغربة." فقال ألكسندر: "إذاً، فالعبقريّة لم تأتها من فراغ." رمقه والد بدور بنظرةٍ صارمة، وقال: "الزم حدّك، نعم، فإنها ما ورثت الفطنة عبثًا." نهض هازم من مكانه، وقال بثبات: "فلنأخذ بكلام جوديا مأخذ الجد، فلعلّه مفتاح تلك الليلة المؤلمة." قال والد بدور: "وهذا ما سنفعله.. ابدؤوا التحقيق، ولا تُبقوا أحدًا دون سؤال." قال أخو رائد، واسمه حمد، بصوتٍ حازم: "مهلًا، أما بحثتم خلف السور؟!" نظر القوم إلى بعضهم بعضًا، ثم قال هازم: "بلى." قال حمد: "ولم تجدوا شيئًا؟" مشى سنان بخطًى ثابتة نحو السور، يبعد عنهم خمس أذرع أو أقل، ثم قال: "لم نجد شيئًا... وكان أول ما خطر لنا أن نُفتّشه، علّنا نجد فيه بصيصًا يرشدنا، لكننا لم نرَ فيه ضالّتنا." نظر حمد إلى والد بدور، وقال: "أتأذن لي بالبحث الآن؟" أومأ له والد بدور في هدوء. تقدّم حمد نحو السور الخلفي بخُطىٍ هادئةٍ ولكنها واثقة، كانت عيونه تجول في كل شبرٍ من الأرض، كأنّه يبحث عن شيءٍ ناداه من صمتها، شيءٍ لم يُبصره من جاء قبله، أو لم يُعطوه قدْره من الانتباه. وقف عند الزاوية التي تُفضي إلى الساحة الخلفية، انحنى، ومدّ يده يتحسّس التراب، ثم رفع عينيه وأطال النظر في الحائط، وسكن لحظة، ثم نبس بصوتٍ أقرب للهمس: "بسم الله..." رفع كفّه فجأة، وأشار نحو موضعٍ ضئيلٍ في السور، لا يتعدّى كفّ اليد، وقال بصوتٍ جازم: "هذا الموضع... ليس كسائر المواضع." اقترب سنان سريعًا وهو يقول: "ما الذي تعنيه؟! لقد فتّشنا هذا المكان أولًا." نظر إليه حمد نظرةً ثابتة، ثم ردّ بصوتٍ هادئ: "نعم، ولكن... أنظر جيدًا يا ابن العم... ألا ترى؟! كأن اليد التي مرّت هنا، ليست يد إنسانٍ وحسب، بل يدٌ خبيرة بمحو الأثر... لكن" وأشار بأصبعه نحو خدشٍ طفيف في الجدار: "لكنهم غفلوا عن هذا... خدشٌ بالكاد يُرى، يشبه أثر ظفرٍ أو حديدةٍ مرت سريعًا، وهذا لا يكون لولا أن شيئًا ثقيلًا سُحب من هنا... أو أحدهم تسلق." اقترب ألكسندر وهو يُخرج عدسته الصغيرة، وتفحّص الموضع ثم همس بدهشة: "عجيب... كأن جزءًا من الجدار قد نُظف أو مُسح عمداً، والموضع الذي أشرت إليه لم تنتبه له فرق البحث." قال هازم وهو يُقرب وجهه من السور: "إذن، ثمّة من خرج من هنا بعد الفعل... وقد حرص أن يمحو خلفه الأثر، لكن عناية الله شاءت أن يُبقي لنا هذا الدليل." تمتم والد بدور بصوتٍ خاشع: "الحمد لله الذي لا تخفى عليه خافية، إنّه لطيفٌ بعباده." قال حمد وهو يتحسس موضع الخدش: "ثمّة شيء آخر... الأرض هنا لينة أكثر من سائرها، والطرَف الآخر من السور يفضي إلى أرضٍ خالية، صالحة للهروب السريع." قال نرفال وهو يزفر ببطء: "أكاد أوقن أن هذا الموضع هو المخرج الذي سلكه الفاعل... أو من أعانه." وهنا، علا صوت ألكسندر وقد تغيّرت نبرته إلى الجِدّ والهيبة: "سنُرسل فريقًا لتفحّص الجهة الأخرى فورًا... حمد، أحسنتَ صنعا. لقد فتحت لنا بابًا ما كنا لنراه لولاك." تراجع حمد بخُطًى رزينة، ثم قال: "ما كان منّي إلا أني استرشدت بدعائي قبل أن أبدأ، فمن توكل على الله كفاه." قال أبا بدور وقد علت نبرته بنفَسٍ من الأمل: "إذن... قد انكشف لنا أول الخيط، فشدّوا الوثاق، وابدؤوا من هنا، ولتكن ساعةُ الفرج قريبة بإذن الله." ارتفعت أبصارهم نحو السماء، وقلوبهم تلهج بالدعاء: "اللهم اكشف غمّنا، واربِط على قلوبنا، وارزقنا من لدنك بصيرةً وهُدى." وانطلقوا بعدها كمن شُحنت أرواحهم بنور الحق، وسيف الصبر بين أيديهم، يمضون في سبيل كشف الغدر، مستبشرين بأن النصر مع الصابرين.
T.écriture✍🏼🌿