"وَهَجُ الرُّوحِ فِي مَسَاءِ السَّكِينَةِ"

"وَهَجُ الرُّوحِ فِي مَسَاءِ السَّكِينَةِ"

16 0

-- عزيزي القارئ، قبلَ أن تغوصَ في محيطاتِ روايةِ إليورين، وتُصبحَ أحد السَّادنين، أودُّ أن أُعلِمَك بأنّها ليست كغيرها من الروايات... سَردُها أدبيٌّ، مُشبَعٌ بالتفاصيلِ، رتيبٌ ربّما لِمَن اعتادَ الصَّخب، لكنّه سردٌ يُشبهُ التّسبيحَ في جوفِ الليل... هادئٌ، ثقيلٌ بالمعنى، عميقٌ في الوجدان. فإن كنتَ ممّن يُحسنون الإصغاءَ للهمسِ بينَ السُّطور، وتُطيلُ الوقوفَ عندَ انعكاسِ النورِ في حبرِ الكلمات... فأهلاً ومرحبًا بك... لتكونَ أحد السَّادنين. أما إن كنتَ تميلُ إلى السردِ السريع البسيط، ولا تَطيبُ لكَ الرحلاتُ الأدبيةُ الثقيلة، فاسمح لي أن أعتذرَ لكَ من الآن... إليورين قد لا تكون روايتك، ولا أريدُ لكَ أن تمضي في قراءةٍ قد تندمُ على بدايتها. أراك هناك... حيثُ يبدأ المعنى وينتهي الصدى. --- كانت جالسة في غرفتها الهادئة، بعد أن فرغت من صلاة قيام الليل بخشوع وتدبر، تتلو آيات من كتاب الله، تستنير روحها بنور يقين وطمأنينةٍ تسكن أرجاء صدرها، كأنها نسمة هادئة تخترق أزقة القلب فتغمره سكينة لا توصف. وقد تسلل ضوء القمر الفضي عبر النافذة العالية، محلقًا بخفة بين الستائر البيضاء الناعمة، فأضفى على الغرفة ذات الطابع الفيكتوري البسيط هدوءًا وجلالًا لا يُحَد، كأنه السلام الإلهي المرسل إلى هذا الركن البعيد من الكون، وكأنه يرسم لوحةً من نورٍ وهدوءٍ تحيط بها جدران المكان بكل حب ووقار. كان صوتها الرقيق يتسلل كنسيم بارد في ليلة صافية، يملأ الأجواء بخشوع وسكينة، وهي تردد بسورة المؤمنون، تلك السورة التي غرزت جذورها في قلبها وأحاطتها بمحبة الله ورضاه، تسري في أوردتها كنبع ماء صافٍ. فلما ختمت آخر آية، أغلقت المصحف برقةٍ وجلال، ورفعت كفيها المضيئتين بدعاء خاشع يملؤه الرجاء العميق والحنين الصادق: "اللهم يا من أنزلت السكينة على قلوب عبادك، أنزلها على قلبي، وأكرمني بنور رحمتك في هذا الليل البهيم، وارزقني طاعتك ورضاك، واهدني إلى صراطك المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين." ثم قامت بهدوء، كأنها تمسح عن نفسها أثقال النهار وما حمله من هموم وأشجان، خلعت ثوب الصلاة بكل خشوع، متجهة بخطوات ثابتة واثقة نحو الممر الفخم، الذي تنطق جدرانه وسقفه العالي بعظمة الله وكرمه وفضله الواسع الذي أغدقه بسخاء على أهل هذا البيت، حتى كأن الصمت هناك يتحول إلى ترانيم ذكرٍ لا تنتهي، تلامس الروح وتسكن في الصدر بلا كلل ولا ملل. مشت بخطواتٍ هادئة، متوجهةً إلى المبنى الملحق بالمنزل، حيث تقع المكتبة العائلية الكبرى، وكأنها قصرٌ صغير من العلم والمعرفة. دفعت الباب الثقيل، وهمست بصوتها العذب: "بسمِ الخالقِ سميت، وعليهِ توكلت، وما لي سواهُ ملجأ، فله الحمد والدعاء." تقدّمت بخطى واثقة وفتحت بابًا جانبيًا يقود إلى مختبرها الخاص، حيث كان العالم يتقلص في عينيها إلى حجرٍ واحد: "ألماس إيلبورين". جلست وسط الطاولة الكبيرة، وأمامها سبورة عملاقة كُتب عليها بخط دقيق وواضح: بطاقة تعريف الألماس النادر: "إيلبورين - Elyborin" التصنيف: نوع هجين من ألماس "Type IIb" و"Carbonado"، مصنع بتقنية HTHP المختبرية. التركيب الكيميائي والخصائص: البورون (Boron): يمنح الحجر لونًا أزرق كهربائيًا، ويكسبه قدرة على توصيل الكهرباء. كربونادو (Carbonado): تركيب غير متجانس يهب الحجر صلابة فائقة ولونًا رماديًا قاتمًا. ذرات معدنية نادرة: كالتّيتانيوم والبلاتين، وربما ذرات مشعّة خفيفة تُخزّن طاقة حرارية. النتيجة الفيزيائية: لون رمادي مائل إلى الزرقة الكهربائية. بريق متحوّل حسب زاوية الضوء. مقاومة للكسر بدرجة عالية. ناقل للطاقة، صالح للتقنيات المتقدّمة. يحتوي على طبقات متداخلة قد تخزّن الذاكرة الحرارية أو الضوئية. كانت شاردة الذهن بينما تتابع عملها على النموذج الأولي، ومع أن الجهد كان واضحًا في ملامحها، إلا أن لمعة العزيمة في عينيها ما خمدت. وما هي إلا لحظات، حتى فُتح باب المختبر. التفتت بهدوء، فإذا بوالدتها تقف هناك، تبتسم برقةٍ وحنان. قالت الأم بنبرة ناعمة: "إليورا، لِمَ لم تنامي بعدُ يا ابنتي؟" فأجابتها إليورا بابتسامة خفيفة: "لا أشعر برغبة في النوم." ضحكت الأم برقة ثم قالت: "الفجر اقترب، أيقظي أخاكِ واستعدي." ردت إليورا: "بإذن الله." سبقَت والدتها إلى المنزل، ثم اتجهت إلى غرفة أخيها. طرقت الباب بلطف، ولم يصلها جواب، فدخلت بهدوء. كان جالسًا على الأرض، يقرأ القرآن، ودموعه تنحدر على خديه في صمتٍ موجع. وجهه المنحوت، رغم الحزن، بقي وسيماً، ولحيته الخفيفة زادته وقرًا وجمالًا. أغلق المصحف بيدٍ مرتجفة، وتمتم بصوتٍ منكسر: "يا بارئي، قد جئتك صدقًا بتوبةٍ خالصة، دعوتك أن تصرف عني شر ما قضيت... ما كنت أعلم أن الشر سيأتيني ممن أحببت. ربّاه، لقد جرحوني وأوجعوني، وأنا ما أحببت سواهم..." لم يستطع أن يُكمل، فانكسر قلبه وسقطت كلماته. اقتربت إليورا منه، وهمست برقةٍ تكاد تُبكي الجبال: "زاريوس..." رفع نظره إليها بصمت، فأشارت له بلطف: "هل لي أن أجلس إلى جانبك؟" فأومأ برأسه، فجلست بقربه، ثم همست: "أتدري لِمَ حدث كل هذا؟" نظر إليها، وقال بحزنٍ عميق: "لأنني عصيتُ ربّي كثيرًا... وهذا عقابي." ضحكت إليورا بخفةٍ حزينة، ثم وضعت إصبعها برفق على صدره، وقالت: "بل لأن خالقنا يغار على قلبك يا أخي، يغار أن تعلّقه بما يفنى. هذا ابتلاء، لا عقوبة... هو نداءٌ من السماء ليطهّرك، لا ليكسرَك." استكملت كلامتها بهدوء "أنصحك فهل تسمع؟" نظر إليها بعينيه المثقلتين بالنعاس، فأجابت برباطة وجدانٍ ووقار: "أنصِح، يا بعد حيّي، أنصِح." ثم قالت بصوتٍ هادئٍ يحمل ثقل الحكمة ونبض المشاعر: "هؤلاء الذين أذوك وخانوا عهدك ما هم إلا أناسُ ابتلاك الله بهم، ليُردّك إلى رشدك. كن على يقينٍ تام بأن الله سيُجازيهم بما صنعوا، أضعافًا مضاعفة، فالله يمهل ولا يهمل، وهو جلّ وعلا شديد العقاب. واعلم أن ذلك قضاء الله وقدره، فاجعل نصب عينيك هدفًا ساميًا تسعى إليه، عش حياتك، ولكن ضمن حدود الشرع وأحكامه. لا تغرق في التفكير بهم، وإن اشتدت عليك الغيرة والحزن، فتوضأ وصلِّ ركعتين، أطل فيهما سجودك إلى ربك، فهو الملاذ والحصن." تأمل كلامها بعمق، ثم سألها بهدوءٍ ملؤه الحيرة: "وكيف أتجاوز ذلك؟" ابتسمت له ابتسامةً دافئة تنساب من جوف القلب، وقالت له برقةٍ تحرك المشاعر: "اجلس بعيدًا عن بريق الهاتف، وانظر في نفسك، قربْ إلى ربك بلا معصية. وإذا أخطأت، فلتكن توبتك سريعةً وناصعة. لا تحقر الذنب صغيرًا كان أو كبيرًا، بل انظر إلى عظمة من عصيت، وكيف جرحته، وهو الذي أسبغ عليك من نعمه التي لا تحصى." ثم أرسلت إليه نظرة عميقة، ونهضت متجهة نحو خارج غرفته، تاركة إياه غارقًا في بحر من التأمل. خرجت فوجدت إخوتها مجتمعين، فنادت عليهم بصوتٍ صارمٍ وحاني: "إيلثيرا، أدونيس، هل صليتما؟" فرفعوا أبصارهم إليها، وقالوا: "نعم، والحمد لله." وحين غادرت إليورا غرفة زاريوس، أحسّت بثقلٍ قد زال عن صدرها، كأنَّ ما قالته قد مسَّ وتراً في قلب أخيها الكسير، فأبصرَ النور في عمق العتمة. مشت بخطى هادئة صوب الممر، لكن قبل أن تصل إلى نهاية السجّادة الطويلة، التفتت ونادت بصوت خافت: "زاريوس... ألن تأتي؟" جاءها صوته هامسًا، متعبًا ولكن أكثر رسوخًا: "سآتي... فقط دعيني أرتّب خافقي أولًا." ابتسمت ابتسامةً خفيفة لا يراها، ولكنها حملت له دعاءً من القلب، ثم واصلت طريقها نحو البهو، حيث اجتمع بقية إخوتها، وقد بدأ التعب يرتسم على وجوههم، يعلوها أثر السهر والذكر. قالت إليورا وهي تضم وشاحها الأبيض إلى صدرها: "سأُعدّ لكم شرابًا من التلبينة... يُذهب الهمّ ويبعث على الراحة، كما أوصى بها نبيّنا عليه الصلاة والسلام." قال أدونيس وهو يتثاءب: "أهي تلك التي طعمها كالتراب؟" ضحكت إيلثيرا وقالت بمكر "بل تلك التي ما إن شربتها، حتى صرتَ شاعرًا حزينًا بلا سبب!" ابتسمت إليورا وقالت: "كفّاكما سخريةً من سنةٍ نبوية. التلبينة طعام القلوب قبل البطون." أجاب أدونيس وقد شبك ذراعيه بتكاسل: "إذًا، فلتكوني أنتِ الشيف، ونحن الضيوف المباركون." تكوّرت شفتاها بابتسامة واثقة، ورفعت حاجبها في حركةٍ دلّت على كبرياءٍ طفوليٍّ مقصود، ثم مالت بجسدها قليلًا للأمام وقالت بدعابة مغرورة "أفأتركها لغيري يعدّها لكم، أيّها الإخوة؟! كلا، لا تُهان مهارتي هكذا." انفرجت شفاههم بضحكةٍ مكتومة، تبعتها غمزةٌ خفية من ذاتِ السابعةَ عشرةَ ربيعًا، فما كان من أدونيس إلا أن قابلها بغمزةٍ مماثلة، فصفّرت إيلثيرا إعجابًا، وهزّت رأسها بخبثٍ ظريف. وما إن امتدّت يدٌ تُهدهد كفّها تأديبًا، حتى اكتفت بابتسامةٍ مطمئنة، تُشرق من خلفها طمأنينةُ القلب، ونعمةُ الانتماء، وكأنها تقول:" في هذا الدفء... عوّضني اللهُ عن كل فقدٍ مضى." اتجهوا جميعًا نحو المطبخ الواسع، حيث كانت الأضواء خافتة، ورائحة السكينة تعبق في المكان، كأنهم دخلوا حِجرًا من حِجَر الجنة. كانت الخزائن الخشبية بلون العسل، والثريات تُلقي نورًا ذهبيًا رقيقًا كأنّه من أثر القمر. أشعلت إليورا الموقد، وأحضرت الحليب والشعير المطحون والعسل. راحت تقلب التلبينة بلطفٍ وصبر، وكلّما دوّرَت الملعقة في القدر، كانت كأنّها تدوّر قلوبهم لتصفو. وخلال ذلك، جلس إخوتها على الطاولة الخشبية، وتسلل زاريوس إليهم بهدوء، وقد بدا عليه بعض السكينة. قالت إيلثيرا بصوتٍ منخفض، وهي تلاحظ عينيه: "هل أنت بخير، زاريوس؟" هزّ رأسه بخفة، وقال: "لم أكن يومًا أقرب إلى نفسي ممّا أنا عليه الآن." قال أدونيس بتهكّم خفيف: "كلماتك توحي أنك ستعتزلنا وتذهب إلى الجبال!" ضحك الجميع، حتى زاريوس نفسه، ضحكة خافتة ولكنها صادقة، كأن قلبه بدأ يُجبر من انكساره. وما إن بدأت رائحة التلبينة تعبق في الأرجاء، حتى ظهرت والدتهم على عتبة المطبخ، بثوبها المنزلي وطرحتها الخفيفة، تنظر إليهم بعينين ناعستين ولكن مليئتين بالحنان. قالت: "ما الذي تفعلونه في المطبخ بهذا الوقت؟" ردّت إليورا برقة: "أُعدُّ لهم تلبينة لتهدئة قلوبهم... وزاريوس معنا." تقدّمت الأم، وضعت يدها برفق على رأس ابنها وقالت: "الحمد لله الذي ردّك إلينا سالمًا، يا ولدي." ثم نظرت إلى الجميع وهم مجتمعون، وقالت بابتسامة دافئة: "لا تكثروا من المزاح، الفجر قد اقترب، وإذا انتهيتم، نظّفوا المطبخ كما كان... لا أريد أن يسمع والدكم حركة فيُصرّ على درسٍ في النظافة ونحن على أبواب صلاة الفجر." ضحك الجميع، وهم يَعرفون أن والدهم، وإن بدا صارمًا، كان قلبه ألين من الزبد إذا مسّه الحُب. ثم استدارت الأم، وهمّت بالعودة، وقبل أن تغادر، قالت: "لا تُنسوا الدعاء في هذا الوقت، فالله قريب... أقرب مما نظن." وبعد أن غابت، صبّت إليورا التلبينة في أكوابٍ من الفخار، وقدّمتها إليهم، وقالت برقة: "عن عائشة رضي الله عنها، قالت كان رسولُ الله ﷺ إذا أُصيب أحدٌ من أهله بوعك، أمر بالتلبينة، فكان يُطبخ، ثم يُحسَى منه، ويقول: إنها تُغسِلُ بطن أحدكم كما تغسلُ إحداكنَّ وجهها من الوسخ." رفعوا أكوابهم بشيء من التقديس الخفيف، وشربوها في صمتٍ طيّب. كانت لحظةً بسيطة... ولكنها حفرَت في القلب ذكرى لا تُنسى، ذكرى أن النور، وإن أبطأ، لا يضيع. جلسوا بعد أن شربوا التلبينة، والسكينة تغمر المكان، لكن روح الشباب لا تخمد بسهولة. قال أدونيس وهو يرمق إليورا بابتسامة ماكرة: "هل أنتِ متأكدة أن التلبينة ليست سلاحًا سريًا لتحويلنا إلى شعراء حزناء؟ لأنّي أشعر أن القصائد بدأت تهمس لي في رأسي!" ضحكت إيلثيرا وقالت: "إنْ أُصيبتَ بالجنون الأدبي، فلن نسمح لك بالاعتذار عن مسؤوليات غسل الصحون!" قاطعه زاريوس وهو يلهو بملعقته: "أما أنا، فأظن أن التلبينة تُشعِل فيَّ نار الغيرة من حنّان إليورا، فهي الطاهية الوحيدة التي لا تسمح لنا بالنهوض حتى نرتوي." ضحكوا جميعًا، وصار أدونيس يتظاهر بأنه يعزف على الطاولة كأنها عود، قائلاً: "أيها الإخوة، أُعلنها صراحة: من يشرب التلبينة، يصبح شاعرًا أو طباخًا فاشلًا. وأنا اخترت الشعر، فما خسرنا!" قالت إليورا بنبرة ماكرة: "لتنتبه يا أدونيس، لا تكتب شعرًا حزينًا في مجلس الوالد، وإلا قد نُرسل إلى صحراء بعيدة بلا رحمة!" صرخ زاريوس بنبرة تمرد: "من يجرؤ على مخاطبة الطباخة إليورا، فليحذر من غضب أمها الذي لا يهدأ." ضحكوا ضحكةً عالية، ملأت أركان البيت الواسع، وكأن الضحك هو آخر ضوء يُشع في عتمة الليل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إليورين

المؤلف T.écriture✍🏼🌿
2025/06/15 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة