"حِينَ يَشْتَعِلُ الْبَدْرُ فِي ظِلَالِ الْغَيْرَةِ"

"حِينَ يَشْتَعِلُ الْبَدْرُ فِي ظِلَالِ الْغَيْرَةِ"

13 0

في بيت الجد العظيم، حيث تعانقت أصوات الصبيان الصارخة مع همسات النساء المتثاقلة، وتماوجت نقاشات الرجال مع ضحكات الصبايا والشباب، تجمعوا جميعاً على مائدة الأسر وأفنان الدار. هناك جلست إليورا، حُسنها بهيُّ، برفقة جوان التي ارتدت ثوباً حريرياً أصفر، لا يبرز محاسنها، لكنه يكسوها رقة وجنانة اتسعت للصفاء والجلال. دخلت نيره، فجلست بينهن تشارك الحديث، أما إليورا فقد لفت نظرها أن والدها يعاتب أختها، فانسحبت بهدوء كظل الليل، لتلحق بها، فوجدتها جالسة بوقارٍ متجهّمة. قالت إليها إليورا بصوتٍ خفيض: "ما بال شبيه بدر الدجى، غاضبة بهذا السُخْط؟" أجابت إيلثيرا بحنقٍ ظاهر، حاجباها معقودان: "يريدون تفجير البدر دون سببٍ واضح، كأن البدر مذنبٌ في جرم لم يزرعه بذر، فأنا أرى الظلم في عينهم، لا ذنب لي سوى أني أنتمي." كتمت إليورا ضحكتها الرقيقة، وهمست بنبرة تشوبها الريبة: "وماذا جرى؟ حدثيني، فالأمر يثقل عليّ." قالت إيلثيرا وقد غلبها الألم: "لا يحبونني، يبتغون أن يطردوني، أن تُشردني أقدارهم كما تُشرد الرياح في براري الظلام." سحبت إليورا يد أختها بلطف وقالت: "تعالي، فلنأخذ برهة بين الناس، هنا حيث لا تسمعنا سوى قلوبنا." وصلتا إلى الجمع من النساء، وجلستا، فقالت إليورا بنبرة الموعظة: "هناك أمور وجب طرحها، يا هبات الريح، كما تصفكن الجده فاطمة." ضحكن المقصودات ضحكاً صاخباً، ونبست جوان بلهجة مستفزة: "وكيف نسمع الأمر هذا؟" أجابت إيلثيرا بامتعاضٍ مكبوت: "أشعر بأنني غريبة بينهم، أبي لا يفهمني، وأمي تضغط عليّ، تقول: عليك أن تشاركي الجميع الحديث، لا أن تُمسكي جهازكِ الإلكتروني." تنهدت نيره ببرودٍ، ووجهها يُشرق كما النجوم، وقالت بحماسة: "أتكتبين روايتك الواقعية؟" قالت إيلثيرا، وصوتها يكسوه ثقل الحيرة ومرارة الواقع: "نعم، وهذا ما يُثقّل روحي ويطيل ليالي انتظاري، إذ لا أجد بين رفقاء سني من يشاطرني رقة الفكرة وسمو الرأي، ولا بين الأكبر سناً إلا من انحدرت بهم القلوب إلى دروب المحرمات، أو غاصوا في غياهب الطعن بآبائهم وأمهاتهم، فما لي إلا أن أرى في كلامهم غثاءً متكررًا لا طائل منه، يملأ الأفق بلا معنى." قالت نيره برقةٍ متناهية: "أما والداك، فهما لا يبغيان مكروهاً لك، بل هم يحرصان، يخافان عليك من شر الكلام وسوء الظن." أيدتها جوان، ابنة خالتها، قائلة: "نعم، فالناس لا يرحمون، لا من هم في سِنِّك، ولا الأصغر، ولا الأكبر، كلهم حراس عليك، لا أكثر، وإن أخطأت في حقك، فلأجل الخوف والحرص." نظرت إليورا إلى إيلثيرا بنظرة عميقة، وقالت: "دعيت الفتيات لتتحدثن، لكي لا أتهم بأنني لم أنصحك، أو برّأت والدي، لأن الحق عندي لا يموت." أجابت إيلثيرا بحدةٍ خفيفة: "لا فرق بيني وبينك إلا عامٌ، فلماذا لا أشعر بأنك في سني؟" ضحكت جوان بنغمة مرحة: "وهل في ذلك ما يغرّكِ يا امرأة؟" قالت إيلثيرا: "أنتم تفهمونني كأنكم في عمري بالضبط." ردت نيره بابتسامة: "هذا أمر حسنٌ، حقاً." نبست جوان وكأنها أدركت أمراً: "أين جُوديا؟" فجأة علت أصوات تهليل النساء وصراخ الصغار بحماس، إذ جاءت محبوبة الجميع، جُوديا، حسنتها فريدة، وجمالها بهاء، شعرها ناعمٌ كالعسل، رغم قصره، إلا أنه يميّزها في كل موكب. جلست مبتسمة، لكنها توقفت حين سمعت حديث إحدى الفتيات تقول: "هؤلاء أجمل نساء المجلس، قوامهن ممشوق، وشعرهن حرير، وبشرتهن نقية كأقمار السماء." فأجابت أخرى بتحدٍ: "ولكنني أنا الأجمل، أليس كذلك؟" لم تُجب الأولى على الفور، وتبادل الرباعي نظراتٍ متثاقلة، ثم نبست إليورا بخشوع: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق." ثم قامت جوان، وصاحت بقسمٍ ملتهب: "وأقسم بالله العظيم، لا أُبقي على هذه الفتاة دون عقاب، فهي قد تعدت على حدود الحياء !" قالت جوديا بصوتٍ رزينٍ: "هل تحصنتنّ، يا جندَ معسكر الجنون الأنثوي، بهذا الذكر العظيم؟" أجابت نيره بنبرةٍ هادئةٍ مع لمحة استهزاء: "إني أشك في نفسي، يا رائدة الحُسن." ابتسمت جوديا وقالت: "فتمسكن به، فإنه خيرٌ من أن نُكلف أنفسنا ترتيب فوضى مجلسكن الخلفي." قالت إليورا بنبرةٍ جدية: "دعيها، فإنها تستحق ما يأتيها." فاندفعت جوان نحو الفتاة، وعيونها تلمع بالحزم والغضب، في المجلس المواجه، حيث الرجال ذوو الهيبة والثقل، كانت الجلسة قد امتدت، وكأنها محفل لتاريخ يُروى على الألسن ويُسجَّل في القلوب. جلسوا حول المائدة، وألسنتهم تنساب كالأنهار الجارية، تحكي مآثر الأجداد وصفات الرجولة الأصيلة. ثم فجأة، ارتفعت صرخة مدوية من بين الرجال، صيحة تفجرت من عمق ركن النساء ، خرجت كزلزال يهز أركان المجلس: ليوناريس بحزمٍ وثقة: "هل بدأ الغزو الفارسي يا صاحبي المحترم؟!" زاريوس يجيب بهدوءٍ لكنه حاد: "بل قد أشرَفَ علينا غزوُ مستر صرصور!" اندفع الرجال مسرعين، لكنَّهم توقفوا مندهشين لدى رؤيتهم عساكر معسكر الجنون الأنثوي مطرودين من المجلس، بينما نيره تصرخ بغيظٍ جامح: "إنه خطأ تلك الفتاة، مقصوفة الرقبة، ويحها ويح أبا لهب، كما تقول إليورا!" حينما أقبل نيرولو وهو يرمق أخته بنظرةٍ عابرة، ثم قال بنبرةٍ ملؤها الاستنكار والمرارة: "الواضح يا أصحابي أن هذا غزو معسكر الجنون." فاستوعب الرجال الموقف، فغضوا أبصارهم على الفور، ثم صرخ ليوناريس بقوة إيمان: "غضوا أبصاركم يا معشر الرجال الذين آمنوا فإن الخطب قد جاءكم بغته" زاريوس بنبرة تحدٍّ راقية: "وقد غضضناها، فلتغضَّ أنت أيضًا عن شقيقتي." فصاح نيرولو بغضبٍ  مشحونٍ بالاستفزاز: "غضُّوا بصركم جميعًا، ومنكم أنا أولًا!" ثم ارتفع صوته حادًا، موجّهًا كلامه إلى أخته بنبرةٍ تأبى المهادنة: "نيررررره، وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَذْهَبِي من هنا فورًا، فستلقين ما لا يرضيكِ ولا يرضينا!" كان صوته كالرعد، يتردد في أركان المكان، حاملاً بين كلماته غضبًا وغيرةً دفينة، تكاد تزلزل القلوب من شدتها. لم يُكمل كلامه، إذ هربت نيره مسرعة، والعساكر وراءها كالأسراب، ثم جاء تيرينو، مختلفًا عن الجميع، وقال بإعجابٍ مبطّن: "من تلك صاحبةُ..." لكن لم يكمل، إذ تلقى لكمةً قوية على يده تبعتها أخرى، وسط صيحات صارمة: "ويلك! اصرف بصرَك عن ما لا يحل لك، فإن الهوى في صدورنا نارٌ لا تُخمد." "احترم يا رجل ، واحفظ عهدَ الدين وحرمةَ الأنساب، وإلا فلا تنطق بحديثٍ يمسُّ كرامتنا." "قد تجاوزت كلَّ حد، وأنت لا تردعكَ إلا رقابةُ الضمائر وصدى الأعماق." ليوناريس بنبرةٍ راسخة ونظرةٍ تكاد تخرق الحُجب: "أنَّ العَينَ زائِغَةٌ، وإنَّ القَلبَ سَجينٌ، وإنَّ اللهَ لا يُصلِحُ عَمَلَ المُفسِدين." وسكن المكان… كأن السماء انخفضت بخشوعٍ، وكأنّ الأرواح أجفلت من هَيبَة القَسم. ارتفعت في الأعماق أصوات الضمائر تُصفِّق لليقين، وانخفضت كلّ رأْسٍ أُشربت شيئًا من هوى، ثم التفت ليوناريس، ويده على قلبه، كأنما يُخاطب الله أولًا ثم القوم: "إن كنتم رجالًا بحق، فاغضّوا الأبصار، فإنّ الغيرةَ نارُ نُورٍ لا نارُ نَقمة، وإنّ العرضَ عهدٌ، والدينُ أمانة، وما بيننا وبين الله أبقى من كل لحظة هوى." وساد الصمت… إلّا من همسات الخشوع، وتنهّداتٍ خفيفة تشبه الاعتراف، في الساحة الخلفية، حيث يلتقي ظل الغروب برقة نسيم المساء، وتهبُّ نسائم الصحراء حاملة معها عبق الذكريات وأصداء الأمس، كانت جوان تراقب أخاها وهو يخاطب معشر الرجال بحزمٍ ووقار، نظراتها مشحونة بالحيرة والغرابة، كأنها تفتش في بحر الكلمات عن معنى لا تدركه. قالت بصوتٍ رقيقٍ يختلط فيه دهشة الطفولة بلهفة المحبة: "أغار هذي الغيرة الهائجة؟ ما بالُه؟!" فأجابتها إليورا بصوتٍ ينضح بالصرامة والثقة، كأنها تحمي حصنًا من شوارد النفوس: "اصمتي يا امرأة، وإلا لنجعل مجلس الرجال نظيفًا كما مجلس النساء." ثم أضافت نيرة، وقد انتابت وجهها علامات الاستياء، كأنها تشكو إلى السماء ما لا يُقال: "لِمَ علينا التنظيف؟ وما هذه الحال العجيبة؟" تنهدت جوديا ضيقة الصدر قائلة، كأنها تحمل أثقال الدنيا على كتفيها: "حالتنا عصيبة، والسبب تلك الحاسدة، أسأل الله أن يعافينا من شرها." وهمست إليورا بصوتٍ مُخْمِل بالملل، تحاول أن تزرع في قلوبهن الطمأنينة، رغم ثقل اللحظة: "غدًا عند مغيب الشمس، نتوجه إلى دار الجد حسام، أليس كذلك؟" فأجابت جوان بنفَسٍ مؤكد، كأنها تعاهد نفسها على أن تحمي السلام بينهن: "نعم، قد تأكدت من ذلك جليًا." فانفجرت نيرة بصوت يملؤه الغضب الطفولي، تخرج من بين ثنايا روحٍ ملتهبة: "ما هذه الحاله التي تزرع فينا الضجر؟" فردّت جوان بلهجة تأمر بالسكوت، كأنها أميرة تحكم في مملكة النساء: "اصمتوا، قد أزعجتمونا." فقالت نيرة متحدية، كأنها ترفض الخنوع لقيد الكلام: "نظفي مكاني، يا عزيزتي." فأجابتها جوان بلا مبالاة، وكأنها تهرب من كل هذا العبء: "لا أستطيع." وهكذا استمر المشهد، وهنّ ينظفن الساحة الخلفية للمنزل، تملأ الأجواء بينهن قهقهات، وتذمرًا، وذكرياتٍ تلوح في أفق المساء، تلامس خيوط النور الراحل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إليورين

المؤلف T.écriture✍🏼🌿
2025/06/15 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة