"فِي سَطْرِ الغَيْرَةِ... وَتَحْتَ قُبَّةِ الدُّعَاءِ"

"فِي سَطْرِ الغَيْرَةِ... وَتَحْتَ قُبَّةِ الدُّعَاءِ"

12 0

جلست جوان على طريقتها المعتادة، رأسًا على عقب، تتدلّى بخفّة أمام إليورا التي كانت منغمسة في صناعة أَلماستها، حتى نطقت الأولى بتنهيدة فيها من التململ شيء: ـ "لِيور... سأعود إلى المنزل." رفعت إليورا بصرها، وقد تلبّستها ملامحُ الدهشة: ـ "الآن؟! ويحكِ، أما تخافين؟! انتظري، سأرافقكِ!" فأجابت جوان بهدوء المستسلم: ـ "هلمّي... لا نريد التأخر على شقيقي المصون. إن علِم أنّني عدت بمفردي، لفقدَ صوابه." ثم التفتت نحوها ساخرة وهمست وهي تلتقط هاتفها: ـ "وما أدراكِ بأخي الكبير الوسيم؟ سيستحيل بركانًا... ثم إنهم في ملعب كرة السلّة، أليس كذلك؟" هزّت كتفيها: ـ "لا أدري، هيا بنا، فقد أخذنا الإذن من والدتكِ." لم تردّ إليورا، بل قامت مسرعة، وخرجتا سويًّا متوجهتين إلى بيت جوان. وفي الطريق، لمحَتا شبحَين مألوفين... صاحب العينين الناعستين، وصاحب العينين اللوزيّتين ذات الرموش الكثيفة. وبين اللحظة واللحظة، التقت العيون دون نيّة، فاستقامت الرقاب، وابتلعت الحناجر ريقها خشية أن يُفهم المشهد على غير مراد. خفض زاريوس بصره فورًا، تنفّست إليورا الصعداء، وتمتمت بسخرية: ـ "الحمد لله، لم يرني أخي العزيز... يغضّ بصره." لكنّه، كمن استوعب شيئًا متأخرًا، رفع نظره مجدّدًا، واتّسعت عيناه حين أدرك أن التي عبرت أمامه هي أخته حقًا. فغمغمت إليورا بخبث: ـ "لا تُوسّع مقلتيك يا صاحب العيون الناعسة... لا يليق بك." لننتقل إلى الطرف الآخر... زاريوس وقد تجمّد مكانه، قال مستنكرًا: ـ "أليست تلك أختي؟!" يرفع ليوناريس نظره احترامًا لصديقه أولًا، ولها ثانيًا، فهو لا ينظر إلى من لا يحلُّ له، ولكنّه رفعه فورًا حين استشعر في نفسه شيئًا لا يُفسَّر، تلك الهواجس التي لا تقولها العيون ولكن تُحَسُّ في الأرواح؛ ضربه الإدراك فجأة كالبرق، ليس برقًا في السماء، بل برقًا في القلب… إن كانت تلك إليورا، فلا بُدَّ أن جوان قريبة، هو لا يحتاج أن يراها ليعلم، فهما كظلٍّ لا ينفصل عن صاحبته، إذا حضرت الأولى، فوجود الثانية محتومٌ كالقَدَر. "ويحَها شقيقتي، ما الذي أخرجها من مضجعها في هذا الوقت؟!" فأجاب زاريوس ساخنًا يقصد اخته في كلماته: ـ "ويحها... ويحاه!" فهرعا خلف الفتاتين، اللتين أسرعتا في خطاهما. ** قالت إليورا وهي تتلفّت: ـ "أنتِ السبب... ليتني لم أخرج معكِ!" ردّت جوان بلا اكتراث: ـ "وأنتِ من لم تعترض." قطّبت إليورا حاجبيها: ـ "اصمتي، أظنّني سأنام معكِ الليلة." ضحكت جوان: ـ "غير مرحّب بكِ." ـ "لكنني كنت سأقهقه لولا أن الموقف جدّي..." ـ "صدقتِ." ** دخلا المنزل بخفّة، والحمد لله، لم تنتبه الأم، فألقين السلام مسرعَتين وتوجّهتا لغرفة جوان. بادرَت إليورا بالاتصال بأمّها، وحين ردّت، قالت متأفّفة: ـ "أماه... ابنكِ المصون، والذي هو بالمصادفة أخي، قد تبعني." ردّت الأم بهدوء: ـ "وما في ذلك؟" ـ "أمييييي... لن يسمح لي بالخروج معه  مرة أخرى!" ـ "ولِمَ ذلك؟!" ـ "لأننا خرجنا وحدنا!" الأمّ بهدوء : ـ "كلا، لم تخرجا وحدكما." ـ "لم أفهمكِ يا أماه." ـ "أبوكِ وأبا جوان كانا يسيران خلفكما... أترينني مجنونة؟ أأسمح لكِ بالخروج ليلًا هكذا؟!" ـ "آه، حسنًا... قولي لأبي أن ينتظرني عند الباب، سأعود فورًا!" ** نظرت إليورا إلى جوان وقالت بحماس: ـ "لن نُضيع هذه الليلة!" ثم نزلت راكضة، لتجد شقيقها المصون ينتظرها عابسًا، مكتوف الذراعين. ـ "لقد غلبتك يا أخي المصون... أبي هنا، وها هو خلفك." التفت زاريوس فإذا بأبيه خلفه بالفعل، فغمزت له إليورا استفزازًا، وذهبت مع والدها في سيارته تقنعه بشراء الكوكيز، وقد نجحت. ** أما زاريوس، فالتفت إلى صديقه القديم، فقال: ـ "مالك الا يا صاحبي المحترم؟ لا تُحدّق فيّ بتلك النظرات." ليوناريس... رفع حاجبه بحركته المعتادة، وتلك النظرة التي تُربك، لا تغضب... تجمع بين حكمةٍ وسخرية، بين هيبةٍ وعتب، نظرة لا يُجيدها إلا من تعوّد أن يقيس الأمور بميزان الله، لا بهواه. وكأنّه يقول: "أتظنّ أنّك ستلعب معي؟ مكانك ليس هنا... الميزان بيد الله، وأنا لا أُجامل فوقف زاريوس يرمق الطريق، ونفسه تضطرم كأنّ في صدره رمادًا تحته جمرة لم تُطفأ منذ خُلِق الحياء، نظرته ممتلئةٌ بالرجاء المغلّف بالغضب، وفي عينيه سؤال لا يُقال... أحقًّا كانت تمشي هكذا؟! وحدها؟! أما علمت أن الحُرّة لا تخرج ليلًا إلا على عينِ أبٍ أو ظلِّ وليٍّ؟ فقال من بين أسنانه، بصوت يكاد يُسْمَع: ـ "هَبَتِ الريحُ على روحي وأنا لا أدري... ويحَها! إن كانت أختي لا تهاب الليل، فليعلمنّ الليل مَن زاريوس!" هنا تنحنح ليوناريس، بهدوئه المعهود، كأنّه آية تقرأ نفسها، لا يرفع صوته، ولا يخفض عن الحقّ نظره، وقال له بلهجة فيها حكمة من سالف الزمان: ـ "أأنتَ وليُّها أم القاضي عليها؟ فإن كانت زلّت قدمُها، فكن لها يدًا تُقيمها، لا نارًا تحرقها. ثم إن والدك كان خلفها فلا خوف عليها" نظر إليه زاريوس، وعينه تشتعل بحريق الرجولة، والغيرة التي لا تُطفئها بحورُ السكون، وقال: "وأنا لا أغضب لأنّها خرجت... أغضب لأنّها لم تخبرني، كأنّها تهابني، أو كأنّ غيري أولى بحمايتها مني! رغم ان يا صاحبي اعلم بأنها فقط تخاف على زعلي منها لا اكثر " عندها أطرق ليوناريس برأسه، ثم رفع عينيه، تلك العينان اللوزيتان الحادّتان، لا يخترقان الجلد، بل يخترقان الروح... وقال بصوتٍ رخيمٍ كالأذان وقت الفجر: ـ "الوليُّ، يا زاريوس، لا يُهاب... بل يُؤتمن. ولكأنّي أراها، تخاف منك لا لأنّك جبار، بل لأنّك أحبُّ الناس إليها. ألا ترى؟ قلوب النساء، خصوصًا الحرائر، تخشى من فقدان رضا أحبّ رجالها، فتُخفي ما كان ليرضيك... لا لتخون، بل لتُبقيك." سكت زاريوس... لكنه لم يُنزل عينيه، كأن في صدره فارسًا مكبّلًا، يريد أن يصرخ: "أنا أخوها... ولستُ لها عدوًّا ثم إني وقد قلت لك أعلم انها فقط تخاف من أن لا آخذها إلى مقهى او مطعم!" ولكنه اكتفى بأن شدّ على سيف كلماته وقال: ـ "هي أمانة... وأنت تعرف يا ليون، أنّ العهد عندي لا يُكسر. إن ضيّعتُها، فلن أُسامح نفسي، وإن خافتني، فذلك موت آخر، لا أحمله." هنا، سار ليوناريس خطوة إلى الأمام، ووضع يده على كتف زاريوس، كأنّه شيخٌ يواسي فارسًا: ـ "اهدأ يا ابن الأحرار... فإنّ الربّ لا يُضيع من اتّقى، وسواءً أبقيتها في حجرك، أو مشَت على الدرب وحدها، فدع دُعاءك يسبقها، ونيّتك تحوطها... فما كل الحمايات سيوف، بعضُها سُجود في جوف الظلمة ثم من جهه المقهى فأني يا اخي اعلم عنه الحال من الحال يا صديق ." فهزّ زاريوس رأسه، كمن بلعه الوجع، وقال بصوت خافت: ـ "أسأل الله أن يحفظها... وأن يجعلني من الرجال الذين لا يُخجلهم الله يوم العرض. والمقهى ليجيرنا الله في مصيبتنا " يقهقه ليوناريس بصوته العذب الذي ماهو ألا آية من آيات الطمأنينة، رخيمٌ لا يعلو عبثًا، إن تكلّم، أنصتت له الأرواح، وإن سكن، سكنت معه الضوضاء. في نبراته وقارٌ لا يُكتسب، ونغمةٌ تأخذ القلب من عتبة الدنيا، وترفعه إلى حيث لا يسمع إلا الصدق لينظر له زاريوس بعيناه التي شبهت بالسيف في حدتها و بالجنه في جمالها فياله من اخٍ حنونٍ وصديقٍ رؤوفا يتحمل المسؤولية مسح على لحيته الخفيفه التي ما زادته إلا واقرا و حسنا فوق الحسن الذي به من البلكونه كانت تنظر جوان لهم وتقول "تبارك الرحمن ما اوسمهم يا إليورا وهم يقفون في شموخ وقد زادهم الإيمان حسنا وبهائا فوق الذي هم به" لترد عليها إليورا من خلف الهاتف "اوا تتغزلين  بأخي المصون الآن أم إنني احلم؟!" قبلت جوان عينها قائلا "لا اتغزل به انا فقط اقول الحقيقه" تضحك إليورا قائله "حسنا حسنا صدقتك" جوان "اولستِ انتِ من تقولين بأن اخي عيناه جميله و صوته بهي؟!" إليورا "اوا كذبت؟!" جوان "كلا يا اختاه والله ما كذبتِ" إليورا "حسنا سوف أغلق لا تنسي صلاه قبل النوم و قراءه القرآن ولا تطيلي النظر في الشارع " جوان "أعلم فهو غضا للبصر و إعطاء الطريق حقه كما أمرنا النبي عليه الصلاه والسلام " إليورا "عليه افضل الصلاه والسلام في حفظ الجبار يا رفيقه الرقه" جوان "في رعايه العلي القدير يا رفيقه الضحك" وإذ أغلقَتْ إليورا هاتفها  في كفّها، ظلّت ترنو إلى الخواء، كأنّ نبرة جوان ما انفكّت تئِنُّ بين جدران الحَجَر، وتُوقِظ ذاكرة الرمل... صوتها رقيق... لكنّه يُقبض القلب كقَسَمٍ عتيقٍ نُقِشَ على شغاف الغيم. رفعت ناظرها نحو قُبّة السماء، ستائرها تُلاطمها الريح، كأنّها أوشحةُ جنٍّ يهمسون بحديث الليل وأشجانه... وفي السفح، تحت العلوّ الساكن، كان زاريوس قائماً كالنخل، شامخًا لا يلين، وإلى جنبه ليوناريس، كأنّهما سطران من زبرٍ لم يُفكّ ختمه بعد. همست إليورا، بصوتٍ لا يُكاد يُسمع، فيه رجفةٌ من حنين وأثرُ يقين: ـ "اللهمّ اجعل خُطاهم لا تسير إلا بدعاء، لا بتيهٍ ولا مباهاة..." وضعت هاتفها جانبًا، وجذبت مصحفها ذو لونٍ ليلكيّ ناعم، تغلّفه لمسات من زهريّ التوليب، وغلافه الجلديّ يلمع كأنّه سحاب من سكينة. زخارفه مستوحاة من بتلات اللافندر، تنساب كأدعية صامتة، وفي وسطه دائرة مخملية كُتب فيها "القرآن الكريم بخطّ كوفي، يحتضنه هلالان متقابلان. حوافه ذهبية مموجة، وبدايات السور مؤطرة بزخرفة وردية بنفسجية تُزيد القلب خشوعًا. ، هديه من جوان، في يومٍ من أيام المودّة، فوقع بصرها على قول الله جل وعلا: "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" فابتسمت... ولكنّها كانت ابتسامة من بكى طويلاً، فاستراح. ونبض فؤادها بالرجاء، كأنّه وترٌ دُقّ تحت صخرٍ وسمعته السماء: ـ "يا مَن لا تُعجِزك الخطى، ولا تغيب عنك النوايا... اجعل ليوناريس وزاريوس من الذين كتبت لهم الرزق من حيث لا يحتسبون، وأتممت لهم خاتمة، كما بدأت لهم طهارة النشأة..." في الأسفل، حيث لا يُنطق السكون، بل يُهاب... زاريوس شامخٌ، قدماه كأنهما أوتادٌ ضُربت في الثرى، ويداه خلف ظهره، ينظر إلى العلُوّ كأنّه يقرأ منه دعاءً صامتًا. فأغمض عينيه وقال في خفاءٍ، لا يسمعه إلا من خلقه: "يا سَاقي العطاشى من يدِ القدرة، لا تجعلنا ممّن تزيّنوا بالقوّة ونسوا الضعفاء، بل اجعلنا سِترًا، وملاذًا، وعهدًا لا يُخان." وعن يمينه، جلس ليوناريس على الدُّرَج، يربط نِعاله كأنّه يتهيأ لركوب قدرٍ، ثم رفع نظره إليه وهمس: ـ "أتحسّها؟ تلك الطمأنينة التي لا تُشترى، ولا تولد من دنيا... بل تنزل، كالوحي، على القلب الساجد؟" زاريوس لم ينبس، لكنه اكتفى بتلك الابتسامة التي تُقال للجبال إن تزعزعت، أن اثبتي. فأكمل ليوناريس، وقد صارت نبرته أعمق من قاع وادٍ: ـ "إذا كانت نساؤنا يدعون فوق، فواجبٌ علينا أن نُصلح الأرض لهنّ... وأن نكون من يردّ القدر إن أغضب، ويكسر الخوف إن تجبّر. " وقف بعدها، عن يسار رفيقه، ومدّ بصره كأنّه يرنو إلى فجرٍ لم يُخلق بعد، ثم أنشد دعاءً من جوف الإيمان: "اللهم اجعل بيننا وبين الردى سُتورًا، واجعل لنا في كل موطئ عزًّا، واكتبنا من الرجال، الذين إذا ذُكروا في الأرض، ذكرتهم الملائكة في السماء..." وهكذا... حين بكت الأنثى دعاءً، وسهر الذكر نُسُكًا، لم يكن الليل مُظلِمًا، بل كان موشحًا بنورٍ لا يُرى بالبصر، لكن يُحسّ، ويُعانق الروح. ذاك ليلٌ من ليالي "الإليورين"، لم ينقضِ بنومٍ، بل بخُطا أولياء، آمنوا أنّ الطريق إلى الله يُركب على أكتاف لا تهون، وقلوبٍ لا تتلوّن، وأرواحٍ لا تموت.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إليورين

المؤلف T.écriture✍🏼🌿
2025/06/15 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة