الليلُ قد أسدل ستارَهُ على تلكَ المنطقة، وغدَا كلُّ شيءٍ ساكنًا كأنما يأبى أن يبوح بما يُخبّئه القدرُ في طيّاته. خرجت من دارِ آل عبدالمهيمن سيارةٌ سوداء، يتقدّمها سائقٌ وقور، تُقِلُّ فتاتين في ريعانِ السابعةَ عشرة، إلى وجهةٍ لا يعلمها إلا مَن ركبَها، وإلهُ الركبِ والأمان. كانت نسائمُ الليلِ تُداعبُ طرفَ حجابِ إليورا، حجابٌ خفيفٌ في نسيجه، ثقيلٌ في هيبته، يليقُ بابنةِ العفافِ والعلم، بينما انعكس ضوءُ القمرِ في عينيها التي يخيّلُ للناظرِ أولَ وهلةٍ أنهما سوداوان كلونِ الليل، غير أنّ الشمسَ إذا بزغت، أفصحتا عن بنيّةٍ داكنة، كأنّ فيهما عُمقَ سماءٍ عند الفجر، وتجلّي الغيمِ إذا نادى المطر. بجوارها، كانت جوان تتكئُ بملل، تعبثُ بهاتفها، وتُعدّلُ حجابَها الحريريّ بين الفينةِ والأخرى، كأنها تنتظرُ شيئًا لا تدري كُنهه، أو لعلها تهرب من المللِ بالمزاحِ المألوفِ مع الشاشة. ولمّا بلغن المجمعَ التجاريّ، توقّفت المركبةُ وقورًا، وترجّلت منها الأمهاتُ برفقةِ بناتهن، فخفّ لهنَّ الهواء، كأنّه يُنصتُ لخطواتِ العفاف. قالت أمُّ إليورا، وقد قبضت على طرفِ عباءتها، ونظرت إلى ابنتها بنبرةٍ يختلطُ فيها الحزمُ بالحبِّ والحرص: "نحنُ ذاهبتانِ إلى المتجرِ المعتاد، وأنتما كما في كلّ مرةٍ إلى ذاك المقهى الذي تُحبّانه. فإياكما أن تُطيلَا المكوث، أمفهومٌ ما أقول؟" ابتسمت إليورا بلطافةٍ، وهي تضمُّ حقيبتها إلى صدرها: "يا أماه، بطبيعةِ الحال مفهوم. لقد شببنا على مثلِ هذه التوصيات، فصارت سُنةً لا تُنسى." ضحكت أمُّ جوان وقالت ممازحةً وقد أخذت بيد ابنتها: "أما كنتِ تقولين: سنشتاقُ لهنَّ بعد برهةٍ قصيرة؟ فما بالكنّ تتقدّمن كأنّكنَّ هاربات من عهدِ الطفولة؟" ضحكن جميعًا، وتفرّق الركب، فدخلت الأمهاتُ إلى أروقة المتجرِ تتصفحن عباءاتٍ وبضائعَ منمّقة، وتوجّهت الفتاتان نحو المقهى المجاور، تتبادلان حديثًا هادئًا عن يومهنّ. وفيما كانت جوان تتقدّم لتسجيل الطلب، لمحت إليورا فتاةً على طاولةٍ قريبة، كانت تبكي بحرقةٍ حتى احمرّت عيناها، وارتعش كتفها كأنّ بها من الهمِّ ما يهدُّ الجبال. استقرّ نظرُ إليورا عليها برهةً، ثم التفتت إلى جوان وقالت برفقٍ مشوبٍ بالقلق: "ثوانٍ فقط، سأعود... دعيني أُحادث تلك الفتاة." لم تجبها جوان، بل أومأت برأسها موافقة، وقد عرفت نبرةَ إليورا حين يستفزُّها الحزنُ البشريّ، فتُسرع نحوه كما يركض الضوءُ ليردَّ للظلام بصيرته. تقدّمت إليورا بخطًى هادئةٍ تستظلُّ بالسكينة، وجلست أمام الفتاة المُنكَسرة وقد استأذنتها بصوتٍ عذبٍ ينساب كما ينساب النسيم: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أأذنُ لي بالجلوس؟" أومأت الفتاة بصمتٍ يشبه الرجاء، فجلست إليورا، وقالت في صوتٍ كأنّه وحيُ رحمة: "أعلمُ أنَّ في صدركِ غصّةً ما نطقتِ بها، ولكنها نطقتْ عنكِ، وأنَّ قلبكِ ينزفُ نزفَ من أودع فيه الحياة ثم انسحب، وأنَّ روحكِ تنتحبُ في الخفاءِ نحيبًا لا يُرى، خلف عيونٍ قد أغرقتها الدموع حتى كلّت، وملامحٍ وئدت فيها البهجةُ وأزهقت فأخبريني، يا ذاتَ السحنةِ العسليّة والملامحِ الطيّبة، مَن ذا الذي أدمى نقاءكِ، وترككِ للخذلانِ وليلةِ السهاد؟ يا أختَ القلب، إنّي لأراكِ تتجرّعين كأس الأسى قطرةً قطرة، حتى غدا الألمُ منكِ وإليكِ، وإنّ دمعكِ ليُحدّثني عن فَقْدٍ جَسيمٍ، أو قهرٍ لا يُحتمل... فأنّى لروحٍ شفّافةٍ كروحكِ أن تحمل هذا الوجع العظيم؟ وكيف لعسلِ عينيكِ أن يُعكّر صفوهُ خائنٌ لا يَفقهُ أنَّ النقاءَ حين يُهانُ... يُصبح لُغةً لا ترحم؟" أطرقت الفتاةُ برأسها، ثم همست بنبرةٍ متهدّجةٍ تُرافقها شهقةٌ خافتة: "قد فُجعتُ بأخي، خُطف ظلمًا، لا ذنب له، ولا خيانةَ حملها قلبُه، ثم توفّيت عمّتي حزنًا عليه، وها هي أمي تتهالك، وأبي يجرّ نفسَه جَرًّا... كأنّ الحياةَ تَخذلُنا دفعةً واحدة." مدّت إليورا يدها على يد الفتاة، وضغطت عليها بلينٍ حانٍ، وقالت في صوتٍ يعبقُ بالإيمان: "لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم... أسأل الله أن يربط على قلوبكم ربطاً من لطفه، ويغمر صدوركم سكينةً من عنده، وأن يُثبّتكم ويُعينكم، فإنّ الله إذا أحبّ عبداً ابتلاه، ليرفع درجته ويكفّر عنه، ويذيقه من صبرٍ يُثاب عليه بغير حساب. فالصبرُ مفتاح الفرج، وقد قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ سورة الزمر، الآية 10 وقال أيضًا في مقام التثبيت والتعزية: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ ﴿ أُوْلَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ سورة البقرة، الآيتان 155 - 157 وفي طيّات العُسر لُطفٌ لا يُدرَك إلا بعد حين، كما قال عزّ شأنه: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا • إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ سورة الشرح، الآيتان 5 - 6 فصبراً يا من ابتُليتِ، فإن ربّك رحيم، وإنّ ما فقدتِه في الدنيا لن يضيع عند الكريم... وسيردّ الله لكِ الطيبَ طيّباً، ويجمعكِ بمن تُحبين في دار لا ألم فيها ولا فُرقة، في جنّاتٍ ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر" رفعت الفتاة بصرها إليها، ولسانُ حالها يقول: من أين لكِ هذا النور؟ وقالت بصوتٍ مبحوح: "كلّ من حولي قال كلامًا كثيرًا، إلا أنتِ... وحدكِ مَن ذكّرني بالله." ابتسمت إليورا، ورفّت عيناها بخشوع، وقالت: "بل هو اللهُ الذي يُرسل عباده لبعضهم، يُجري الخيرَ على أيديهم، ويُحبُّ أن يُسمَع اسمهُ في مجالسٍ لم تُنشأ إلا لذكره." ثم ساد صمتٌ قصير، لم يكن موحشًا، بل أشبه ما يكون بفسحةِ روحٍ تستنشقُ السّكينة بعد طولِ وجع، وكأنّ الصمتَ صار لغةً ثالثةً بينهما، لا تحتاجُ إلى أسماءٍ ولا هويّات. تأملت الفتاة ملامح إليورا بصمتٍ، كأنها تحاول أن تحفظها في ذاكرتها، ثم فتحت شفتيها لتسأل... لكنها وجدت المكان خاليًا. كانت إليورا قد نهضت بلطف، وعدّلت حجابها دون أن تُصدرَ صوتًا، ثم ابتعدت بخُطى هادئة، كما أتت. وفي اللحظةِ ذاتها، التفتت برأسها نحو المقهى، فإذا بجوان تُلوّح لها من بعيد وتُنادي: "تعالي، الطلبات وصلت!" أسرعت إليورا نحوها، كأن شيئًا فيها أُنجز، وغادرت بطمأنينة، بينما الفتاةُ المكسورة ما زالت تنظر إلى المقعدِ المقابلِ بذهول، وفي عينيها بقايا دموعٍ... وشيءٌ من نور. همست لنفسها: "لم أعرف اسمها... لكنّي سأظلّ أدعو لها كلّما ضاق بي الحزن." جلست إليورا بهدوء، ومدّت يدها نحو كوبها دون أن تنظر إليه، وكأنّ روحها ما تزال هناك، في ذات الزاوية، حيث تركت وراءها قلبًا مكسورًا قد تفتّح فيه رجاءٌ جديد. رفعت جوان حاجبيها، وصوتها خفيضٌ يملؤهُ الإيمانُ والتأملُ، كأنها تخشى أن تقطع نَفَسَ تلك اللحظة الإلهية، وقالت: "أتعنين أنّ الله أرسلكِ إليها؟" نظرت إليها إليورا بنظرةٍ عميقة، وصوتها يحمل أثر السحرِ ونفَسَ الصالحين: "بل أرسلها اللهُ إليّ... لتوقظ في قلبي ما كدتُ أنساه. كلُّ لقاءٍ في هذه الحياة كتابٌ من عند الله، نُقرؤه ساعةً ونغلقه، ولكن أثره يبقى خالدًا في الأعماق." صمتت جوان، وأطرقت رأسها، كأن كلمات إليورا أنزلت على قلبها وِقْرًا من نور، ثم همست بإجلال: "حقًّا، البلاءُ وإن اشتدّ، فهو رحمةٌ من ربّ العالمين، يُطهّر العبد ويرفعه إلى مراتب القرب. وما من لقاءٍ إلا وقد قدّره الله ليكون نَصْرًا للروح، وتذكيرًا للقلوب الطيبة." سألتها بشوقٍ ملؤه اليقين: "فماذا تذكرتِ؟" أجابت إليورا، ونبرتها تفيضُ صفاءً وشكرًا: "أنّ البلاء لا يُنزَل غضبًا، بل ابتلاءٌ وامتحان، يُطهّر النفوس، ويُلبس العبد لباس القرب. تلك الفتاة كانت بلسمًا أرسله الله إليّ، لا لتأخذ، بل لتعطي، بلا وعي منها." انحنت جوان ، وقالت بخشوع: "سبحان الذي يُدبّر اللقاءات بلا ميعاد، ويجمع الأرواح دون وداع." ثم استكملت كلِماتها بيقين تام: "كلّ وداعٍ في الله لا يفرق بين الأرواح، بل يقربها، والدعاء إن خرج من قلبٍ صادق، بلغ السماء، ووصل إلى من تحب، وإن لم تدرِ باسمه." وبينما أخذت إليورا رشفةً من كوبها، عمّ المقهى صمتٌ رقيق، يلفُّ المكان كما يلفُّ الغيم رؤوسَ الجبال؛ ساكنٌ لكنه عميق كعمق الحياة حين تُعاش لله وحده.
T.écriture✍🏼🌿