"ظِلالُ الغُروبِ وأَسرارُهُ"

"ظِلالُ الغُروبِ وأَسرارُهُ"

12 1

جلستْ في ركنٍ من المجلس الهادئ، على سجادٍ ناعمٍ تُزيّنه الزخارف، وقد لفّت رأسها بحجابٍ أسودٍ ناعم، ينسدل على كتفَيها بخفّةٍ وحياء، لا يزاحم ملامحها ولا يطغى على ثيابها، بل يزيدها وقرًا وجمالًا محتشمًا. ثوبها التقليديّ، من قماشٍ برّاقٍ تتناثر عليه خيوط التطريز البنفسجية والذهبية، بدا كأنه سُطورٌ نُسجت من نورٍ في ليلةٍ ساكنة. عند فتحة الصدر، يظهر تطريزٌ دقيق، بخيوطٍ متشابكة كأنّها نقشٌ معماريّ إسلاميّ، يبدأ من الترقوة ويمتد بانسياب حتى أسفل الخصر. القماش بلونه المائل إلى الأخضر الزمرديّ، فيه تموّجات هادئة، تُشبه صفاء السحاب حين يعانق ضوء الفجر. في أطراف الأكمام، يتكرّر ذات النقش، يطرّز حدود المعصم كإطارٍ أنيقٍ لصفحة من مخطوطة. بشرتها سُمرى بلونٍ حياديٍّ دافئ، يشبه لون الأرض الطيبة بعد هطول المطر، لا هي بالباهتة ولا بالقاتمة، بل متّزنة، تنضحُ وقارًا ونعومة، تعكس نور الثوب، وتُضفي على حضورها هدوءًا وهيبة. وكان في عنقها عقد بسيط من الذهب، يتدلّى منه رمزٌ صغير، يكاد لا يُرى إلا عند النظر بعينٍ فاحصة، كأنّه وردة صغيرة تشهد على ذوقها الهادئ. جلسَتها مستقيمة، متّزنة، تدل على خُلُقٍ رفيعٍ وتربية، وملامح السكون في بدنها تنبئ عن حياءٍ أصيل، وصفاءٍ عميق. ...وما إن هدأت الأصوات قليلًا في المجلس، حتى رفعت يدها بهدوء، كمن لا يشقّ السكينة بل يمرُّ من خلالها، ، ثم نادت: "جوان..." التفتت لها جوان من الطرف الآخر، وابتسمت تلقائيًا، ثم اتتها مسرعه نظرت لها    جلست "جوان" بهدوء، تبرّد أظافرها كأنّها تقلمُ الوقت، والسكينة تُعانق ملامحها الوديعة. همست إليورا بصوتٍ ينسكب منه الاستياء: "لم يَبقَ في بشرتي شيءٌ إلا وجربته، ومع ذلك... انظري، هذه الحبوب – والحمد لله – ليست كثيرة ولا فاضحة، لكنّها تُقلقني." فرفعت جوان طرف بصرها إليها، وقالت بنبرة مطمئنة، كمن يُعيد الثقة لقلبٍ هزّته الرياح: "يا إليورا، إنكِ جميلةٌ في كلّ حال، بل الجمال فيكِ فطرةٌ خُلقت معك." تنهدت إليورا، وشفتاها تنطقان بثقلٍ من الملل: "وهذه الهالات... تُزعجني كثيرًا، كأنّها أثر سهرٍ لا ينتهي." نبست جوان بعد ما نفذ صبرها ترفع طرف المبرد لصديقتها "أُقسِم بالله، إن لم تصمتي، لأغرزنّ هذا المبرد في عينيكِ! ما لكِ تشتكين يا فتاة، وكلتانا في الحال ذاته... لا أحد من الخلق كامل الأوصاف." ثم أضافت بلهجةٍ فلسفية: "ولو بُذِل الكمال لأحد، لكان لرسول الله ﷺ، ثمّ ما اكتمل بشرٌ بعده." كانت إليورا على وشك الرد، لولا أن هاتفها اهتزّ برسالةٍ من أمّها، فأمسكته بيدٍ خفيفة، وقرأت: أمّها: "لِمَ لم تقفي لتسلّمي على المرأة؟!" هي: "أماه... لا أقدر، أكلّما أتت امرأة سلّمتُ عليها؟!" أمّها: "بلى تقدرين. إنّ أهل أبيكِ أهلُ حديث، وأنتِ تعلمين ذلك." هي: "لكنّني ما فعلت أمرًا يُذكر." أمّها: "شفقَ العيون ، لا تُكثري النقاش." هي: "سمعًا وطاعة، أماه." ابتسمت إليورا، ثم سجّلت إعجابًا بآخر رسالة من والدتها، قبل أن ترفع بصرها نحو "جوديا"، التي أقبلت كعادتها تجرُّ في خطواتها بعضًا من التذمّر الجميل، ثم جلست قائلةً بلهجةٍ مشوبة بالحيرة: "أما استوعبتنّ أن المدرسة تبدأ مباشرة بعد العيد؟!" فرفعت "نيره" رأسها من شاشة هاتفها، وهي تُعدّل وضعية التصوير، وقالت بنبرةٍ فيها تواكل: "بلى... لكن لا بأس، فماريا بيننا." وكانت ماريا – كما يعرف الجميع – فتاةً ذات ذهنٍ حاد، وطبعٍ متّزن، وأول ما يُذكر في صفّ العلميّ الذي تجلس فيه كلٌّ من إليورا وجوان. نظرت جوديا إلى نيره وقد بدت ملامح الضيق جليةً في عينيها، ثم قالت باستنكارٍ كأنّها تُحمِّل السؤالَ معنىً أكبر من كلماته: "أما أدركتِ أنَّ ماريا في صفّ الثنائيّ الروائي؟!" رفعت جوان طرفها بدهشةٍ مشتركة مع إليورا، وبينما لم تردّ الأخيرة، سبقتها نيره وقد انكفأ وجهها على شعورٍ لم يُفصح عنه بعد: "لِمَ... ذكرتِ ذلك؟" لكنّها لم تُكمل عبارتها. وما إن سكنت الكلمات حتى قامت إليورا من مجلسها، وهي تمضي بخُطا منضبطة نحو المطبخ، وقد بان في نبرتها الضيق. قالت جوديا باستفهامٍ يعلوه قلق: "هل تذكّرت أمرًا أليمًا؟" لكن جوان قطعت سيل الاحتمالات بنبرةٍ سَخِرت فيها الألفاظ، وتراقصت على أطراف الضحك: "بل إنَّ الكوكيز في المطبخ من متجرٍ يُدعى (الروائي)!" شهقت جوديا وهي تُخفي بين نبرتها شيءً من الدهشة: "أتقولين حقًا؟!" ضحكت جوان بسخريةٍ خفيفة، ثم قالت وهي تلوّح بيدها: "أُقسم لكِ، سأُرسل لكِ حساب المتجر على إنستقرام." ثم لحقت بـإليورا، التي كانت قد سحبت علبة الكوكيز وتهيّأت للخروج من المطبخ. سألتها جوان بنبرةٍ تمزج بين الدراما والغيرة المُصطنعة: "إلى أين؟!" ردّت إليورا بهدوءٍ وهي تميل بالخطى: "إلى المجلس." تقدّمت جوان بنظراتٍ تمثّل الحزن والخذلان وقالت بتمثيلٍ يُضحك الملائكة: "أتخونينني؟! تذهبين بدوني، وتتركني وحيدةً في بردٍ وجفاءٍ وظلمةٍ؟!" قلبت "إليورا" عينيها، ونبست بفتور: "معكِ جوديا، ها قد أتت... ثم إنّ الجدة فاطمة قد نادتني... فوداعًا." راقصت جوان حاجبها بمكرٍ يُنذر بشيءٍ لا يُؤمَن، وقالت بمشاكسة: "كاذبة! إنكِ ذاهبةٌ للقائه... محبوبك!" وقبل أن تُتمّ جملتها، صدح صوت الجدة فاطمة من الجهة الأخرى تنادي بنبرةٍ ممتعضة: "أين شفق العيون؟! أم أنَّها تودّ مضايقتي؟!" فما كان من إليورا إلّا أن ردّت بصوتٍ عالٍ تسابقه البراءة المصطنعه قاصده إضحاك جدتها "حاشاها شفق العيون أن تُغضبكِ يا عزيزة الفؤاد!" ثم ركضت مسرعةً بخُطا خفيفة، بينما رفعت جوان قارورة ماء، وقبل أن تنصرف، همست: "تعالي إليَّ فورما تنتهين." وما إن وصلت عند إليورا، حتى وجدتها تحمل القهوة، ملامحها يعلوها الضيق، وتهمس كأنّها تخاطب السماء: "أين بطل روايتي... الذي سيُحرق الأرضَ لأجلي؟!" فجاءها صوتٌ رجوليٌّ من خلفها، هادئٌ وساخرٌ في آنٍ واحد: "وما ذنب أهل الأرضِ ليحترقوا على يدِ مجنونٍ عشقكِ؟! لِيَحرقْكِ وحدكِ، أو ارحلي معه إلى كوكب الزُهرة، واتركي المستديرة وساكنيها في سلام." توقّف قلب إليورا لوهلةٍ، وقد استدارت سريعًا لترى صاحب الصوت... فإذا به أخوها زاريوس، يقف خلفها وقد رفع حاجبه بسخريةٍ مِزاجيّة. قلبت له عينيها بضيقٍ شديد، لكنه ما لبث أن اقترب منها وقرص خدّها قائلاً بامتعاضٍ ساخر: "لا تعجبني هذه الحركة." ردّت إليورا بتململ، وكأنها تُنهي الحوار: "ما طُلِبَ منك الإعجابُ يا رجل." حدّق فيها من الأعلى إلى الأسفل، نظرةً شقيقةٍ لا تخلو من الغيرة والأخوّة، لكنها لم تعبأ بها، ومضت لتعود إلى الفتيات، غير أنّ صوته استوقفها مرةً أخرى: "اجعلي من يُريد أن يحرق الأرض لأجلكِ، أن يُقدِّم لكِ المانجو ببذور الشيا، أو الكوكيز أولًا." نظرت إليه نظرةً ضجرة، لكنه قد ابتعد عنها، يضحك في داخله، مستمتعًا بامتعاض ملامحها. بعد صلاة المغرب، كانت ساحة المنزل هادئة، لا يعكّر صفوها سوى صوت الرياح وهي تُداعب الأشجار المتناثرة. اجتمع الأحفاد في بيت صديق الجد، لا في بيت الجد نفسه، والكل منشغل بأحاديث العيد وذكرياته. أما نيرولو، فقد آثر العُزلة. وقف بعيدًا عنهم، يُحدّق بالغروب وكأنّه يبحث في الأفق عن شيء ضائع... أو يهرب من شيءٍ ساكنٍ في قلبه. لم يكن يعلم أن السماء ستخطف أنفاسه... لا بجمالها، بل برعبها. فجأة. صوتٌ كُسِرَ به هدوء اللحظة... ارتطامٌ ثقيل، بلا صرخة. بلا إنذار. استدار بقوة، وجسده انتفض قبل روحه… وإذا بجسدٍ أنثويٍ صغير يهوي من الطابق الثالث… يسقط على الأرض، ويرتدّ كأنّ الحياة لفظته للتو. "اللهم سلّم!" ركض! ركض نيرولو كمن يريد اللحاق بعمرٍ يتسرب من بين يديه! تجاوز الزمن، تجاوز صدمة من حوله، سقط على ركبتيه وهو يلهث، وعيناه لا تصدّقان ما تريان. اقترب منه أصحابه، وأولهم ليوناريس وقد اختنق صوته: "لاحول ولا قوة إلا بالله… اتصلوا بالإسعاف فورًا!" زاريوس كان مذهولًا، يهمس: "استغفر الله… من هذا الارتفاع؟! هل… هل سقطت منتحرة؟!" أما نيرولو، فانهارت أعصابه، وهو يتمتم بهستيريا: "ياإلهي… لا… ما الذي يحدث…؟!" صدره يهوي كأنه ينكسر، عيناه تطالعان الموت للمرة الأولى بهذه القُرب… ثم حضر المسعفون، أُخذت الفتاة، وأُخذ معها قلبه المرتعش. وفي زاويةٍ لم ينتبه لها أحد، كانت طفلةٌ لا تتعدى الخامسة من العمر، تحدّق بعينين فارغتين... لا تبكي، لا تصرخ… فقط وقعت مغشيّة عليها من شدة ما رأت. نيره هرعت إليها، حملتها بين ذراعيها وهي تصرخ: "أحدهم! ساعدوني! سبأ ليست بخير!" جاءت جوديا مسرعة، تقرأ الخوف على ملامح نيره: "ويحاه، ما بها الصغيرة؟!" قالت نيره بصوتٍ مضطرب: "فجأة سقطت… لا أعلم ما بها… هل رأت السقوط؟!" جوديا لم تتردّد، قالت وهي تهرول: "سوف أنادي رباب حالًا!" ركضت نحو الطابق العلوي، نادت رباب، وركضن جميعًا نحو السيارة. الليل انسكب سوادًا فوق قلوبهم، بينما الطريق للطوارئ كان ثقيلاً، كأنّه يُنذر بأن القادم... أسوأ. وصلوا. دخلت سبأ قسم الطوارئ، والقلق ينهش أعصابهم. دقائق تمرّ كالساعات، حتى خرجت الطبيبة، وعيناها تهمسان بما يعجز عنه اللسان: "الفتاة تعرضت لصدمةٍ نفسية شديدة… للأسف، فقدت القدرة على النُطق." فِي ذاكَ الليلِ المُثقلِ بالصّمتِ والمطر، لم تكُنِ العائلةُ كلُّها مجتمعةً تحتَ سقفٍ واحد، بل تفرّقت القلوبُ كما تفرّقتِ الأجساد، كلٌّ منهم يحملُ همّه كأنّه الجبل… لا يرى ما في قلبِ الآخر، لكنّهم جميعًا التقَوا في قاعِ الخوفِ والدعاءِ. بعضُهم كان في رُكنِ المستشفى، يترقّبُ نظرةً تطمئن، وبعضُهم في البيتِ القديمِ يُردّد الأذكار، وبعضُهم على سجادِتهِ بين يدي الله، يرجو أن تمرّ هذه الغمّة… بلُطفِ مَن لا تُعجزهُ الدموعُ ولا تخفى عليهِ الأنّاتُ المكتومة. لم تنطفئ الأنوارُ في البيوت، بل ظلّت ساهرةً كقلوبهم، تراقب السماء، علّها تحملُ خبرًا يُطفئُ شيئًا من لهيبِ الفقدِ والشكّ والرهبة. وفي زوايا القلق… كانت الحياةُ تُعيدُ ترتيبَ قصّتها. على مهلٍ… وبقدرٍ مِن الله لا يُخطئ. ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إليورين

المؤلف T.écriture✍🏼🌿
2025/06/15 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة