عمت أرجاء المنزل أجواء يوم عرفه قبل أذان المغرب بقليل جلست العائله حول طاوله الطعام ليفطرون من صومهم بدأ الإفطار و نظر الجميع لبعضهم البعض وكأنهم يحمدون الله الذي جمعهم بكل سرور،نبس الأب بحنان "الحمد لله الذي بلّغنا يوم عرفة، وجعلنا فيه من الصائمين الراجين رحمته." الأم بابتسامة راضية "نسأل الله أن يُعتِق رقابنا من النار، وأن يكتب لنا في هذا اليوم دعوة لا تُرد." إليورا بخشوع "كنتُ أدعو طوال النهار أن يُنير الله قلبي، وأن يرزقني حسن الخاتمة. في هذا اليوم تُسكب الرحمات، أليس كذلك يا أبتِ؟" اب إليورا يومئ برأسه برضًا "بلى يا بنيّتي، يوم عرفة هو أعظم أيام الله، فيه يُباهي الله بعباده الملائكة، ويُعتِق خلقًا كثيرًا من النار." زاريوس وقد وضع كفّه على صدره "كأنّ في القلب سَكينة ما شعرتُ بها من قبل، سبحان من جعل في الذكر راحة، وفي الدعاء حياةً للروح." إيلثيرا بصوت خافت "كنتُ أُكثر من قول: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني». قرأتُ أنه أحبّ الدعاء في هذا اليوم." ام إليورا بابتسامة فخر "بارك الله فيكم جميعًا، طِيبُ أرواحكم أزهر هذا المجلس." أدونيس وقد رفع رأسه فجأة "أبي! هل صحيح أنّ الله يغفر الذنوب في هذا اليوم حتى لو كانت كثيرة؟" اب إليورا بابتسامة مليئة بالأمل "نعم يا صغيري، بل هو أكرم من أن يُخيّب راجيه، لو أتيتَه بقراب الأرض خطايا ثم استغفرتَه، لغفرها لك." زاريوس ينظر إليه بحنان "فلنُكثر جميعًا من الاستغفار قبل الأذان... لعلّ دعوةً تصعد فتُفتح بها أبواب السماء." إليورا تُومئ برأسها "ونحن على مشارف الإفطار... كم من دعوةٍ كُتبت لها الاستجابة في هذه اللحظات المباركة." اب إليورا يرفع يده بالدعاء "اللهم تقبّل صيامنا، وارفع درجاتنا، وبلّغنا حجّ بيتك الحرام، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك." الجميع بخشوع "آمين يا رب العالمين..." يُرفع الأذان، وتنساب الدموع على بعض الوجوه بخشوعٍ صامتٍ، فتُفطَر القلوب قبل أن تُفطَر الأجساد. فوق سطح المنزل، حيث تمتدّ السماء كحلمٍ أزرق لا نهاية له، وقفت إليورا، صاحبة السبعة عشر ربيعًا، وقد اتّخذت من ذلك العلوّ مضجعًا لقلبها قبل جسدها. كانت عيناها تسبحان في الأفق، تتأملان نجومًا لمعت كأنّها نداء من بعيد. في ذلك السكون، تسلّل زاريوس، أخوها، حاملاً معه حضورًا لا يُشبه سواه… حضورًا فيه هيبةُ النخل وطمأنينةُ الغيم، وكأنّه إذا أقبل، سكنت الأرواح. اقترب منها بهدوء، وصوته المنخفض يحمل دفء السكينة، وقال: "أترين يا إليورا؟ كأنّ في القلب طُهرًا جديدًا… وكأنّ هذا اليوم مرّ على الروح مسحةً لم تُصبها من قبل." وضعت يدها على صدرها وأغمضت عينيها لحظة، كأنّها تُنصت لهمسٍ خفيّ لا يسمعه سواها: "نعم… وكأنّ القيود التي لم نكن نراها، قد انحلّت من صدورنا فجأة. سبحان من يفتح أبواب الرجاء، دون أن ندرك متى طرقناها! كأنّي اليوم، ولأول مرة، أتنفّس حقًا." ابتسم زاريوس، ابتسامة يعرفها جيدًا… تلك التي لا تأتي إلا حين يفهمها أحدهم دون شرح، دون حروف. اقترب منها، ولفّ على كتفيها شالها الليلكي كأنّه يُعيد لدفئها معنى، ثم همس مبتسمًا: "تجهزي يا ذات الملامح الحسنة… بعد الصلاة، سأمرُّ بكِ لنشتري حلوى العيد." فجأةً، قفزت إليورا وكأنّ الحياة دُفعت فيها دفعة واحدة، وركضت تسبقه، هاتفة باحتجاجٍ تمثيلي: "ويحك! ولمَ لم تُخبرني من قبل؟! أتعاقبني بإخفاء البُشرى؟" ضحك زاريوس وهو يراقب خطواتها الراقصة، وقال: "هوب هوب يا شفق العيون… تمهّلي، لا نريد أن نهبط من السطح إلى الإسعاف مباشرة." لم تلتفت إليه، فقط رفعت يدها بلا مبالاة وهي تنزل الدرج، كأنّها تقول له: "قد فُرغ الأمر!" فضحك، وتوجّه للصلاة، وهو لا يزال يهزّ رأسه من جنونها الجميل. عند عودته من الصلاة، وجدها واقفة عند الباب، تطرق الأرض بقدمها في ضيق، كأنّ الثواني قد تحوّلت في نظرها إلى عقوبات. وما إن رأته، حتى اندفعت تقول: "ذهب أدونيس وإيلثيرا، وهما أصغر منّا… ونحن لا نزال هنا، نتحسّر مثل العجائز!" ثم أدارت وجهها في حركة درامية، ومثّلت البكاء بإتقان يستحق تصفيقًا، وأضافت: "إما أن تشتري لي كوكيز الآن… أو أفتح باب السيارة بقدمي وأرميك منها!" نظر لها مصدوماً، فتحت عيناه كأنّها نُقرت بجُملة مفاجئة من السماء، وقبل أن يردّ، خرج أبوهما حاملاً كوب شاي أحمر، قائلاً ببرودٍ لا يخلو من مشاكسة: "لقد تأخرت… ونحن سبقناك. هذا دليل واضح على تعمّدك. عليه يا إليورا!" قال زاريوس بامتعاضٍ فوري: "يا أبتي! أقسم أني كنت مع ليوناريس، ولم أتأخر. لِمَ تُحرّضها عليّ وكأنّي سرقت الوطن؟!" ضحكت إليورا بظفر، وسبقتهم إلى السيارة، مرددة: "لا يهمنيييي!" نظر زاريوس لأبيه نظرة المستنجد، فأجابه الأب برقصة حاجبٍ مشاكسة، تُشبه لغة التواطؤ في أفلام الأبيض والأسود. ركب زاريوس سيارته، وهو لا يزال يحاول استيعاب تآمر أهل بيته عليه، وانطلق بها نحو وجهة الحلوى. في محلّ الحلويات، امتدّت الرفوف كأنّها غابة من الكوكيز، وكاد زاريوس أن يستسلم ويختار أي صنف ليُنهي المهمة، لكنّ إليورا صفّرت بصوتٍ خفيف كأنها تحذّره من ارتكاب جريمة: "هيه! ليس هذا النوع الذي نأخذه يا سيد الذكاء." نظر لها باستنفار، حاجباه على وشك رفع بلاغٍ عاجل: "ما بكِ؟ كلّهن نفس العلبة، نفس الشكل، حتى نفس الظلال!" قالت بابتسامة ماكرة، تُخفي وراءها كتيبة من التفاصيل: "أوه لا… النوع الذي نأخذه هو هذا، أسفل الرف. هو الأصلي، أما البقيّة فـتقليد مغلف بجمال كاذب." أخذ زاريوس الصنف المرغوب بصمت، لا لاقتناعه، بل لأنّ النقاش مع إليورا يُشبه المصارعة مع السحاب. سلّمه للموظفة، وأضافت إليورا لنفسها كوكيز آخر، وحلوى ببذور الشيا، وهي تهمس كأنّها تشتري أسرار العالم. خرجوا معًا، ولكنّ خطى إليورا توقّفت فجأة، ونظرتها أخذت تتجمّد: "ياخي المصون… أليسو من هناك هم توأم المهزلة؟!" شاركها زاريوس النظرة ذاتها، وقال بنبرة من فقد الأمل في الحياة: "بلى… إنّهم هم." لمحتهم إيلثيرا، ولوّحت لهم بجنونٍ يُشبه حركات الكرتون، فردّت عليها إليورا بمرح، بينما زاريوس رفع رأسه للسماء كأنّه يطلب الصبر من الأعلى. سحب شقيقته بلطف نحو السيارة، مرددًا في نفسه أذكار النجاة، بينما كان أدونيس يسحب تؤامه الأخرى وهو يقول لها بوجهٍ مشدود: "والله، ما آخذك معي مره ثانيه… حتى لو دفعولي ذهب."
T.écriture✍🏼🌿