وفي عمق المختبر الذي يعجُّ بأنفاس العلم وأصداء الصمت، جلست "إليورا" بهدوءٍ يشبه سكون الفجر، مرتديةً قميصًا ناصع البياض يحتضن قسمات جسدها العلوي بحياء، وسِروالًا فضفاضًا بلون الورديّ الباهت، تتراقص أنسجته حول ساقيها كنسيمِ السَّحر، يُخفي أكثر مما يُظهر، ويمنح خُطاها وقارًا وهيبة، كأنها ظلُّ أنثى من نور. كانت قد رفعت شعرها في كعكةٍ فوضوية، ثبّتتها بمشبكٍ على هيئة زهرَةِ التوليب، فيما استقرّت نظّارتها على أرنبة أنفها، تشدّها للتركيز على ألماستها التي تصنعها كأنها تحيك قمرًا من نثار الضياء. وبينما السكون يلفّ المكان كعباءةٍ من خشوع، قطع خلوتها دخول صديقتها جوان، تمشي بخفّة ولكن بعينين مشعتين بالفضول، وتجلس على الأرض كما اعتادت، تسند رأسها إلى عقبيها وهمست بسؤالٍ لا يخلو من الإثارة: "أما علمتِ آخرَ الأخبار؟!" رفعت إليورا طرف عينيها دون أن تغيّر من جلستها، وردّت بصوتٍ هادئٍ ناعم: "كلا، أنتِ من تجيئينني بغرائب الأنباء، فهلمي وأخبريني..." تنهّدت جوان بمللٍ مصطنع، وقالت بلهجة المتندّر المشاكس: "أتذكرين صديقتنا المصونة... تلك التي غادرتنا منذ ثلاث سنين؟!" أجابت إليورا بلا مبالاة ظاهرة: "بلى، ما شأنها؟" اقتربت جوان كأنها توشك أن تهمس بسرّ، وقالت: "خُطِبَت... ثم ما لبثَ الرجل أن فرَّ هاربًا حين سمع أخبارها!" تقلّصت ملامح إليورا في دهشةٍ صامتة، وقالت ببطء: "وأيُّ أخبارٍ تلك التي تُرعب الخُطّاب؟!" قالت جوان بصوتٍ منخفض، وقد امتزجت نبرتها بين الشكّ والسخرية: "قيل - والعهدة على من قال - إن عزيزك قد خطبها من قبل! ولكن بيني وبينك، أنا لا أصدّق... ثلاث سنوات - بل الرابعة الآن - وهي معه، عياذًا بالله! أيُّ علاقةٍ تلك التي لا يرضاها الشرع ولا يرضاها عقلٌ سليم؟!" نظرت إليها إليورا نظرةً مشوبةً بالضيق، ثم قالت بلهجةٍ صارمةٍ وقلبٍ ملتاع: "حرامٌ عليكِ أن تغتابيها هكذا، يا جوان، فقد كانت يومًا من جماعتنا، وبيننا وبينها ماضٍ لا يُنسى، ثم إنني لا أملك عزيزًا من أمثال هؤلاء، ولا أريد أن أملك، وما كان لي أن أربط نفسي بأحدٍ لا يُقيم لله وزنًا، فذاك اسمٌ لا يُنسب لي، ولا تقولي 'عزيزي'، أترغبين أن يكون لي عزيزٌ في علاقةٍ يغضب اللهُ لها؟ دعكِ من الغيبة، فإنها لا تُرضي الله ولا ترفع قدركِ." ضحكت جوان ضحكةً متمردة، وقالت بلهجةٍ فيها روح دعابة وشيءٌ من التحدّي: "ولكن... ولله الحمد لم تعود كذلك! أستغفر الله من زلّتي، ولكن إن قلتُ لكِ: عزيزُكِ... ماذا ستفعلين؟!" رفعت إليورا رأسها بهدوءٍ قاتل، ونظرت إليها نظرةً باردة وقالت: "أفرم رأسك، وأبعث به هديةً لماركس، كلب جارنا محمد." شهقت جوان بصدمةٍ مصطنعة: "أهُنتُ عليكِ؟!" فأجابت إليورا بثقةٍ لا تلين: "أجل، هِنتِ." أجابت جوان، وهي تقلب عينيها: "لستُ أُبالي..." تنهّدت جوان، ثم رمقت إليورا بنظرةٍ ماكرة وقالت: "غريبٌ أمركِ يا إليورا... حين يُذكر اسمه، يتغيّر بريق عينيكِ، ولو أنكِ تكابرين!" لم تُجب إليورا، واكتفت بإزاحة نظّارتها قليلًا لتنظّفها بطرف ردائها، وكأنها تمسح شيئًا عالقًا... لكن الحقيقة أن شيئًا ما انكسر في داخلها، ولم يُصلَح بعد. استدارت إليها جوان، وقالت وقد خفَّت نبرتها: "أكنتِ تُحبّينه؟" سكن الهواء من حولهما... رفعت إليورا رأسها ببطء، وفي عينيها طيفٌ من ماضٍ دفين، ثم قالت بصوتٍ خفيض: "لم أحبّه... ولكني ذات يوم ظننت أنني سأرتاح معه. كنتُ صغيرة، أبحث عن ظلّ، لا عن شمسٍ تحرق." هزّت جوان رأسها، وقالت: "ولِمَ إذا تغيّرتِ حين سمعتِ اسمه؟" أجابت إليورا: "لأن اسمه... كان دعوةً في السحر لم تكتمل، وكانَ وعدًا لا يجوز أن يُقال لقلوبٍ طاهرة. لم أكابر، ولكني تبت." سكتت جوان، ثم همست بصدق: "سامحيني... لم أكن أعلم أن الجرح ما زال فيكِ." ابتسمت إليورا أخيرًا، ولكنها ابتسامة باهتة كخيط الفجر حين يُمزّقه الليل، وقالت: "ما عاد يهمّ، من أرادني يومًا لغير الله، فلن يجدني في دنياه ولا في آخرته." ثم قامت ببطء، توضّأت من قارورةٍ صغيرة في الزاوية، وأخذت سجادتها. قالت جوان بتنهيدة: "إلى أين؟" قالت إليورا وهي تتجه إلى زاوية الغرفة: "إلى صلاةٍ، تُقيم ما اعوجّ من القلب، وتغسل ما علق من الذاكرة." نبست جوان بصدق مشاعر تبعد المزح عن كلماتها تجعل إليورا تستشعر صدقها قائله: "اسمعيني يا إليورا... واللهِ ما أحببتُ أحدًا كما أحببتكِ، ويشهد الله أن مكانكِ في قلبي لا يُزاحمه أحد. ما سُقتُ إليكِ هذا الحديث لأُنبّش وجعًا قد اندمل، ولكن لأطمئنّ على جَرحٍ طالما بكيتُ لألمه معكِ. أعلم يقينًا أنكِ تخطّيتِ، بل ووقفتِ على قدميكِ بعد عثرةٍ كادت تكسركِ، والحمد لله الذي ثبّتكِ. ردّكِ ذاك... كان آيةً من آيات العافية، وصوتكِ اليوم أقوى من الأمس، وأنا يا إليورا... واللهِ فخورةٌ بكِ حتى آخر حدودِ قلبي. أتذكرين حين انهرتِ بين يدي؟ حين جفّت الكلمات في فمي وأنا أراكِ تتفتّتين؟ تعبتُ يا أخت روحي وأنا أجمعكِ من رمادِ الخذلان، وأخبّئكِ عن ريحِ الذكرى، لكنكِ عدتِ... عدتِ طاهرةً، صلبةً، أنقى، وأقربَ إلى الله... فالحمد لله الذي لا يُخيب من صدق التوبة، ولا يخذل من نوى الرجوع." وَبِنَفَسٍ هادئٍ كالنسيم، وبصوتٍ مبلولٍ بالعبراتِ المكظومة، ردّت إليورا وهي تُمسك بكفّ جوان كأنّها تتشبّثُ بها من عمقِ زمنٍ لم يُشفَ بعد: "جوان... ، كأنّ الله أرسلكِ رحمةً يوم جفّت الأرضُ من حولي... ما رفعتُ رأسي إلّا وكان وجهكِ أولَ مَن رأيت، وما سقطتُ إلّا وكنتِ حضنَ الرجوع... صدقتِ، لقد تخطّيتُه... لا لأنه لم يكن يعني لي، بل لأنني أحببتُ الله أكثر... وما كان قلبي ليرضى بعزيزٍ لا يرضى الرحمنُ عنه. وجعي ما عاد يُوجِعني، لأنكِ صِرتِ بلسمَه، وذكراه ما عادت تُرعِبني، لأنكِ كنتِ سَندي بعد الله. فشكرًا لكِ... لا، بل الحمدُ لله الذي رزقني أختًا تُبكيني حين أحتاج، وتُرمّمني حين أضعف." والآن يا عزيزي القارئ... فلنغص معًا في بحور الماضي، حيث تلتقي الأمواج برمال الذاكرة، وتهمس الرياح بأسرار لا يمحوها الزمن. هناك، في زوايا القلب العميقة، حيث تتراقص ظلال الفرح والحزن، تُنسج حكايات إليورا وجوان، مشاهد محفورة كنجوم لا تغيب، تضيء سماء الروح بثباتٍ لا يُكسر. لنعد معًا ثلاث سنواتٍ مضت، إلى تلك اللحظات التي شكّلتنا، وخلّفت فينا أصداء لا تزال تُرن في صدورنا... فاستعد، يا رفيق الرحلة، لأن تعيش قصّة لم تُروَ إلا بين السطور، وعبر نبضات قلبين لا زالت تغني للأمل. في الزاويةِ المشرّعةِ من ساحة المدرسة... ٢٧ يوماً من الصمتِ، من الصراع، من دفنِ الوجعِ حيًّا... كانت إليورا قد ذبُلت، لا ذبولَ الزهرِ في صقيع، بل ذبولَ قلبٍ أُحرِق في سُراديبِ الخذلان. يوم التاسع والعشرين من يناير لم يكن يوماً عاديًّا... بل كان طعنةً مؤجّلةَ النزف... حين رأتهُ بأمّ عينها... ذاك الذي كانت تُكحّلُ دعواتِها باسمه... ذاك الذي أقسمت أن لا تحبه إلا في طريقِ التوبة... كان يُحادثها... تلك الأخرى... من وراء ظهرها... بكلماتٍ كانت تحسبها مُلكَها وحدها. ولم تصرخ... لم تبكِ أمام أحد... اكتفت بأن تُخفي جمرةً تحت أضلعها، كلما اشتعلت ابتسمت، حتى لا يراها أحدٌ تحترق. وفي السابع عشر من فبراير... كان اليومُ الذي نطقت فيه الجراح. وجدت جوان وحدها، عند السور الحجريّ العتيق الذي ألفَ لقاءهما، فنادتها بنداءٍ لم تُخطئه جوان يومًا: "جوان... أيمكنني أن أستودعكِ بعضي؟" نظرت جوان، وقرأَت في وجهِ إليورا شيئًا لم تُبصره منذ سنين... وجعُ المُتعبِ الذي أنهكهُ الصبرُ حتى صار الألمُ فيهُ صمتًا مُزمنًا. اقتربت، دون سؤال، وجلست تُمسك بيدها، كأنّها تُنقذها من غرقٍ محقّق. همست إليورا: "حين تُحبّين لأجل الله، تظنّين أن الله سيكافئكِ بصِدقِ من تُحبّ... لكنّي... كنتُ واهمة." تناثرت الكلمات من بين شفتيها، كأنها شظايا: "رأيته... معها... بنفس الكلمات... بنفس الوعد... كأنّني ما كنتُ إلا بروفةً للحبّ... وكان العرضُ معها!" تنفّست إليورا بحرقةٍ، ثم قالت: "وهي... خليلتي... مَن وضعتُ كفّي في كفّها... ضحكت معي، وبكت، وخطّت اسمي على دفاترها... خانَتني فيّ، وفيه." نزلت دمعة، ما بين الحزنِ والخذلان، وسقطت على كفّ جوان... فضمّتها ضمًّا يُنبت العافية من الجُرح، وقالت: "وما ظنّكِ بربٍّ إن كسركِ، إلا ليرفعكِ؟ ألم أقُل لكِ عنها؟ ألم أُنذر قلبكِ مرارًا؟ لكنكِ كنتِ تُجمّلين القبح لأنّك طاهرة." ثم مسحت على رأسها، وقالت بنبرةٍ لا تخلو من العتبِ المغلّفِ بالحبّ: "قلبكِ لا يستحقُّ الطعن، بل التهليل... لا يستحقّ الخيانة، بل الوفاء. وأنتِ قد تبتِ قبله، وسألتيه أن يُلحق بكِ في طُهرِ الطريق... فلمّا لم يجد قلبكِ خفيفًا على ذنبه، باعكِ لمن يُشبهه." وضعت جوان جبينها على جبين إليورا، وقالت بصوتٍ كأنّه عهدٌ أبدي: "قال رسول الله ﷺ: «المرءُ على دينِ خليله، فلينظُر أحدُكم من يُخالل» رواه أبو داوود بسندٍ حسن. وقد اختاركِ قلبي خليلةً، لا لشيءٍ إلا لأنّكِ من دينٍ وصبر... من صدقٍ لا يُشوّه." ابتسمت إليورا، من تحت الدموع، وقالت: "لو كنتِ لم تخلقي إلا لتمسحي على قلبي عند كلّ عثرة، لكفاكِ ذلك شرفًا." فردّت جوان، وعلى محيّاها نورُ الطمأنينة: "وأنا خُلقتُ لأكون ظلّكِ حين يَفرّ الجميع من وهجكِ." وبينما كان الحزن يغلف صدر إليورا كغطاءٍ من الليل، ارتفعت في صدرها همسةُ إيمانٍ لا تخبو، تنهض من بين الركام وكأنها زهرٌ في صحراء موحشة. قالت بصوتٍ خافتٍ، يملؤه الإصرار واليقين: "إني على يقينٍ أن الله لا يخذل من توكل عليه، ولا يترك عبده وحيدًا في ظلمات الخيانة والخذلان. إنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولا يبقى لليأس في قلبي مكانٌ، فالأملُ هو شمسي التي لا تغيب." نظرت إليها جوان بعينين تفيضان حكمةً وصبراً، وقالت: "صدق الله العظيم حين قال: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). وها نحن اليوم نُمسك بيدِكِ، نخطو معًا على دروب الصبر والرضا، نبتغي وجه الله وحده." همست إليورا، والدمع يزفّر على خديها: "ربي، اجعلني من الصابرين، ومن الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون." وابتسمتا معًا، كأنهما تجدّدا بروح جديدة، عازمتين أن يثبت القلب على طريق النقاء، وأن يمضي بهدوءٍ وثقة نحو غدٍ أفضل، ينثر فيه الله الرحمة والمغفرة.
T.écriture✍🏼🌿