فإذا بالصدمة قد أرخَت بثقلها على المدى،كغمامٍ متلبدٍ يوشكُ أن يزولَ بأرضٍ نامية،وكان عبقُ الياسمينِ يتسللُ من بين الجدرانِ،كأنه أنينُ وداعٍ خرج من جوفِ الأرضِ حزيناً.رفعت إليورا طرفها إلى نيرة،وثبت كغزالةٍ مفزوعة، تهتف في صدرها أن تبعثَ بخبر،لكنّها توقّفت إذ شقّ الفضاءَ صوتٌ متكسّرٌ، رجعٌ كصيحةٍ تعانقُ الألم، خنقته النارُ وبلّلته الدموع،ذاكَ كان سنانُ، أخوها، قد ارتمى على صدى الغيابِ باكياً: "ويحكِ يا عبقَ الزهورِ، يا نسيمًا مرَّ ولم يَبقَ... لمَ خذلتِ فؤادَ أخيكِ؟ ولمَ جرحْتِ الحشا؟! يا روحي، ويا عزةَ ذي الجلالِ، لو بُحَّ قلبي لَبَاحَ بما يصرخُ في الخفاء... أقسمُ بالذي تَوارتْ عندهُ روحكِ باكيةً، لو علمتُ أن سكوتكِ نداءُ استغاثةٍ أخير، لصرختُ في وجه الدنيا: اتركوا عنها... فإن ما بها ليس بقليل! إنها نارٌ لم تطفئها الأعذار،وسُهادٌ ما رقَّ له السهر، وشكوى ما سمعها سواكِ، يا رباه!" ثم ارتجف صوته، وانحنت قامته،لكنه رفع رأسه كمن ذاق العلقم وابتلعه حتى الثمالة: "قد أرجعني موتكِ من غربتي إلى غربه أعتى! لماذا فعلتِ هذا يا مسك الغيم؟ من ذا الذي ألقي في قلبكِ الوَحشة، حتى عصيتِ مولاكِ فراراً؟ من ذا الذي جعلكِ تهربين من الحياةِ إلى جُبّ الموت؟ من ذا الذي قتلني وأنا حي؟ من ذا الذي سلبنا صداكِ، وضحكتكِ، ودفءَ عينيك؟ قولي لي... من يا مهجة الروح؟ من؟!" ... دخل أخوها الثاني كالسهم القاطع بين هدير الرياح،مرتديًا زيه العسكري المتماسك،قماشُهُ الأخضرُ الداكنُ مشدودٌ على كتفيه بفخرِ المقاتل،وشارةُ رتبتهِ تلمعُ كنجمةٍ تبرق في سماءٍ ملبدةٍ بالغيوم حزامُهُ الجلدي محكمٌ حول خصره، يحملُ معه أثقال الواجبِ والأمانة، وخُطاهُ ثابتهٌ لا تعرف التردد ، عيناها محتقنتان كالغليان، تحكيان عن ليالٍ بلا نومٍ،وفي يده اليمنى كان يحملُ عودًا من الطيب،كأنه يحملُ رسالة وداعٍ أبدية، ،اقترب من جثمانها بصمتِ المحارب،وراح يطيب عنقها ببطء،كأنّه يرسمُ على جسدها آخر لمسة من الحنان،ثم رفع بصره نحو أخيه الأصغر،ونظر إلى أمه التي غابت عنها بهجةُ الحياة،فانحنى رأسه، وانسكبت دموعه كالسيل بين صمت الحزن،فأقبلت عليه روان، امرأته، وضعت رأسها على كتفه بحنانٍ خفي، تربّت على رأسه كأنها تواسي قلبًا ثقيلاً،وتحاول كتم أنينها خلف جدار الصمت. إلّا أنّ كلماتِ زوجها، كالسهمِ إذ يُصيبُ هدفَه، قد ضربت بمحاولاتِ صبرِها في الجدار، فتصدّعت. لم تكن مجرّد مواساةٍ، بل نداءُ رجلٍ انكسر دون أن يسقط، تكلّم بنبرةٍ تشقّ السكون كأنها حكمُ قدر: "ابكي... يا نَخْوَةَ هازم، فإنّ الموت لا يُبالي ببأسِ الفحول، وما انحنى الجبلُ... إلّا حين سُقي بِملحِ الدمع، وما هَزَمَ الموتُ جبّارًا، إلّا حينَ أوجعهُ الفقدُ في خاصرته." فلم تملكْ "روان" سوى أن تهوي عليه باكية، دمعُها انحدرَ على وجنتيها كأنّما الوَجدُ قد تبرعم في مقلتيها،لوّن وجهها بالحزن، خالطه الرجاء،ومسح "هازم" دمعها بأناملٍ خُطّت بالحنيّة،ثم طبع قبلةً على جبينها، فيها ما لا يُقال من الطمأنينة،وانسلَّ عنها كمن يُسلمُ قلبه بيده... وعاد إلى جسدِ أخته، يعودُ إليه كأنّ بينه وبينها عهدًا لم يُبرم بعد. وقفَ متخشعًا، وكلّه سؤال... كيف سكن الهدوء في قسماتِها وهي الراحلة؟ لِمَ لَمْ تفارق الابتسامة ثغرَها، والعبقُ لا يزال يرفرفُ من خصلاتها؟ أبهذا الجمال تُختم الحياة؟ أبهذا الرّوح يُزعمُ انتحار؟ أم أنّ في الزوايا ما تُخفيهُ الأيادي؟ وبينما الأسئلة تتلوّى في صدره كأفعى لا يُروّضها شيء، نبسَ الأب فجأة، وصوته كان كزئيرِ ليثٍ قد طال صبره: "والذي نفسي بيده، والذي ذهبتْ روحُكِ، يا فِلذةَ كبدي، عنده، إنْ كان - وقد كان - موتُكِ بفعلِ فاعلٍ، فواللهِ، لا أُذيقنَّهُ هناءً بعدكِ،ولا راحةً، ولا نومًا يكتحلُ بهِ الجفن... واللهِ، لا يهنأ له عيشٌ،ولا يصفو له مقام،ولا تسكنُ له أرضٌ ولا يظلّهُ سماء... حتى أقيمَ عليه قضاءَ الله،عدلاً لا يعرفُ هوادة،وحسابًا لا يقبلُ منه فرارًا ولا اعتذارًا." ٠٠٠ هَرَبَت زَفْرَةُ وَجَعٍ مِن صَدرِ الأُمِّ المُثْكَل، كأنَّ قلبَها انشقَّ وارتعد. ثمّ انثنى سنان بخُطى حَزينة نحو أخته سبأ، التي لاذت بالصّمتِ المُطبق، كأنّما الحُزنُ قد أقسم ألّا يُفلت لسانها بكلمة. جثا على رُكبتيه حتى صارَ في مستواها، ولم يرفع طرفَه حياءً من نِيرة، تلك التي غدت لها بمثابةِ الأمّ، والملاذِ الذي لا يُساوم عليه قلبُ سبأ في ودٍّ أو فِراق. مدَّ يدهُ إلى كفّها الصغيرة، وقبّلها قبلةً يملأها التبجيل، ثم همس بصوتٍ خافتٍ كأنّه نشيدُ وداعٍ لفجرٍ لم يُولد: "قد اختَطَفَ موتُ بدور صوتكِ يا كوكبَ الدُجى، وسَرقَ الحزنُ نورَ مُحيّاكِ، فليتَ الأيامَ كانت عادلةً، لا فُراقَ فيها ولا نَوى، لا موتَ فيها ولا خَسارةَ حِسّ." لكنها لم تُجبه، بل ازدادت تَمسكًا بـ نِيرة وكأنها تستجدي منها حياةً أخرى. همَّ أن يحملها كما اعتاد في أيامٍ مضَت، أيّام الطمأنينة، لكنها نَفرتْ كفَراشةٍ خائفة، فتراجع كَظيمًا مُنكسرًا. رمقته نِيرة بنظرةٍ فيها اعتذارٌ صامت، فطأطأ رأسَه وقد عَصَفَ به الحُزن. ثم قال بصوتٍ لَفَّه حنانٌ مجروح: "إيّاكِ أن تَغفلي عنها يا هَبَةَ الرّيح، فهي جوهرةُ فُؤادٍ اعتاد أن ينبض لأجلها." أومأت له بخفة، والدمعةُ في عينيها، ثم همست بخشوع: "إن شاء الله." تنحّى سنان مبتعدًا، يطوي الألم في قلبه كما يُطوى السيف في غِمده، وإليورا كانت تقف في طرف المجلس كأنّها جذعُ نخلةٍ يهتزّ ولم تَصبّه صاعقة. ما كانت نبيّةً لتعلمَ ما جرى، ولا مَلكةَ حُسنٍ ليعصمها جمالها من المصاب. إنّما هو قربُها من الله، ذلك القرب الذي ألبسها الصبرَ جمالًا، والرِضا تاجًا فوق رأسها. لكنّ النفس خذلتها، والهواء بات سُمًّا تتجرّعه بلا طائل. حاولت التنفس، لكنّ رئتيها خانتاها، والأرضُ قد دارت بها دَوَرانَ الليل في مجاهيل الصحراء. خرَّت مغشيًّا عليها كغصنٍ انكسر من شدّة الريح. اجتمعت عليها النسوة، وأعانتها إحداهن حتى نهضت بثِقلٍ في جسدها، وإعياءٍ يُهدُّ الأجساد. فجاءت إليها جوان مهرولة، تصيح بانفعال: "هاتيها! إليورا، ماذا أبصرتِ؟ ما الذي رأيتِ؟!" لكن إليورا لم تُجب، بل رفعت يدها كأنّها تُرجئ السُؤال إلى حينٍ آخر. أتتها غاية، بنتُ عمّها، بشغفٍ ولهفةٍ مشوبةٍ بقلق: "إليورا، باللهِ أخبريني، ما الذي اكتشفتِ؟ لا تُطِلي السكوت!" زفرت جوان تنهيدةً فيها شيءٌ من التوسّل: "إليورا متعبةٌ يا غاية، رويدكِ عليها." لكنّ غاية أصرّت، وقد بدا في صوتها حدّةٌ لم تُعرَف عنها: "ألعلّكِ استذقتِ مرارةَ الغرور؟ أم أنكِ صرتِ أنانيةً لا تَرضين أن تَفيضِي بما عَرفتِ؟!" ولم تُكمل... إذ نَفِد صبر إليورا، وصاحت بنبرةٍ جريحة، تختلط فيها آلام الجسد بروحٍ مُثقلة: "كُفي! ما بكِ يا غاية؟! أما تَرَين ما بي؟! أأنا آلةٌ أم حَجر؟! أنا بَشرٌ، تُنهكني الأحزان وتَخنقني الأنفاس!" جوان أيدتها بحدّةٍ لم تُعهد عنها: "إن لم تنزحي عن وجهها يا غاية، والله لن تري خيرًا ما حييتِ!" تنحّت غاية، وقد رمقتهن بنظرةٍ فيها شيءٌ من الحَرج، وذهبت إليورا إلى غرفة الضيوف، حيث الآن مَضجعها، ركنها الوحيد في هذا الفقد العاصف. وهناك، في الزاوية المُعتمة، ظلّ نيرولو قائمًا، كأنّه نخلةٌ شامخة وسط مَهبّ ريحٍ لا ترحم. كان ما يزال يحدّق في الفراغ الذي خَلّفته بدور، تلك التي رحلت أمام عينيه، وقد كان في عينيها كلامٌ لم يُقال، ورجاءٌ لم يُدرك، لكنّ عزرائيل استلب روحها قبل أن تبوح. تقدّم نيرولو نحو رِفاقه، يسألهم عمّا استجدّ. قال زاريوس، بنبرةٍ يُخالطها الشكّ: "لا، والله، ما كانت لتُهوي بنفسها إلا لسببٍ جلل! إنها مُتقلّبةُ الطبع، أجل، لكنّ الجنونَ ما بلغها... معاذ الله أن أصفها بما لا يليق." ضحك ليوناريس بخفةٍ، وفي عينيه دعابةٌ خافتة: "باتت كمجنون ليلى، أستغفر الله... اصمُت، لا نذكر حرمةَ الناس في غيبتهم." زاريوس هزّ رأسه: "صدقتَ، أيها الرشيد." فقال نيرولو، وهو يرفع بصره ناحية القادم: "يا أصحاب اليمين، إنّ أخاها قد أقبل." تلفّتوا جميعًا، فإذا بـ هازِم، شقيق بدور، يُقبل بخُطى الوقار. وقف أمامهم، وهتف بصوتٍ يشقُّ سكونَ الموقف: "أحييكم بتحيّة الإسلام: السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته." أجاب الثلاثة، وقد غَشيتهم هيبةُ الموقف: "وعليكم السلام ورحمةُ الله وبركاته، وعظّم الله أجرَكم." قال هازِم، وهو يُخفي وجعه بصوتٍ مُتماسك: "أجرَنا وأجرَكم، باركَ الله فيكم. لن أُطيل، هل لديكم ما يُعيننا على فهم ما جرى؟" فأجابه نيرولو، وفي صوته جديّةٌ وجلال: "نعم، كنتُ أولَ من شهد هُويانها من الطابقِ الثالث، كانت تريد أن تقول شيئًا، لكن لم يُمهلها القدر. غير أنّ الله قد كتبَ لها أن تختم بالشهادة، فهنيئًا لها الخاتمة، ولو قُطِعَ الكلام." تسمَّر زاريوس في مَكانه، كأنَّ الأرض تجذّرت بأقدامه، حين لمحَ منار تمشي الهوينى على بساط العُشبِ الأخضر، وفستانها الخفيف ينثال برفقٍ كوشاحِ سَحابٍ فوق وجهِ البُرَك. كانت تُردّد ذات التهويدة القديمة، بنبرةٍ خفيّة كصوتِ أرواحِ الأنقاض، فما كان منه إلّا أن التفتَ إلى رفيقهِ وقال، والنظرة في عينيه تشي بكشفٍ شيءا ما: "صديقتها منار... ما فتئت تهمسُ بتلك الكلمات الغريبة، كأنها تعويذة، منذ أن أشرقت شمسُ العزاء." رنّ هاتفُ ليوناريس، فاستأذنهم بأدبٍ فيه وقار، وابتعد قليلًا وهو يُصغي. أما هازم، فرفع حاجبًا، وقال: "وأيّ تهويدةٍ تلك؟ لم أسمع لها همسًا... كأنها تُقال في جوفِ قبرٍ عميق." همس نيرولو، وقد مال بجذعه قُدُمًا: "طلّ الوسيمُ من خلفِ السُّور..." وما كاد يُتمّها حتى تلاها زاريوس، وصوتُه يتلوّن بالدهشة: "طلَّ... وهو من فعلها ببدور! لا... لا... لقد بدَّلت الكلمات الآن! سمعتها، أقسم أنّي سمعتها!" قال نيرولو مذهولًا: "معك حق! لقد رأيتُ حركةَ شفتيها...!" هازم استقام في وقفته كأنما صحا من غفلةٍ، يسأل بنبرةٍ مستنفرة: "وما كانت كلماتها من قبل؟" أعاد نيرولو التهويدة، نبرةُ صوته مزيجٌ من الخوف والحنين: "طَلَّ الوسيمُ من خلفِ السُّور، طَلَّ ولم يدرِ ما جرى لبُدور..." وكان هازم ليُجيب، لولا أنْ أقبل سنان يتبعهُ ليوناريس مسرعًا، قد انعقد بين حاجبيهِ قلقٌ شديد، وقال وهو يلهث: "سبأ... سبأ كتبت على يد نيرة كلماتٍ حين سألتها عن مصير بدور... كانت تقول: «الوسيم قد رماها»." اصطدمت الأفكار في عقل هازم كبرقٍ في ليلٍ مكفهر، تتجمّع وتتلاحق... "الوسيم"، تُراه كناية؟ أم اسمٌ يُخبِّئ وجها قاتمًا خلف قناع الجَمال؟ إذن... بدور لم تُنحر! بل قُتلت، غدرًا وخديعةً...! أراد أن يذهبَ لزوجته ليطلب منها ان تحادث صديقه المرحومه لطلب التوضيح، غير أن جوديا وجوان كانتا قد سبقنه نحوها، فآثرَ الصمت، وغاصَ في لُجّةِ الاحتمالاتِ الكاوية: من ذا الذي امتدّت يداه لزهرةٍ لم تُؤذِ أحدًا؟! ومتى؟! وكيف دَخَل إليها؟! ... فإلى ساحَةٍ خَفيّة، وراءَ الأشجارِ والحِيطان، حيث النسيم لا يصل إلّا هامسًا، كانت نوفريا تجلس على أرجوحةٍ خشبيّة، تعلو وتَهوي بها كأنّها تُحاور الأقدار. جلست الفتياتُ أمامها، تتبادلُ أعينُهنّ نظراتٍ حذرة... كيف يفتحنَ هذا الباب المغلق؟ لكن نوفريا سبقتْهُنّ، وحدّقت في الفراغ، وقالت بصوتٍ غامض: "أعلَمُ أنكنَّ تَرِدن أن تعرفن... ولكن القصّة أطوَلُ من ليالٍ تمرُّ بلا نجوم، أطول من صمتِ الميتة في كفنها... إنّه... صاحب عيونِ النَّسْر... هو من فعلها." شهقنَ بصدمة، ما بين غيظٍ وصَدمة: لمَ لَم تتكلم من قبل؟! لِمَ الآن؟! كأنّه فُكّ لِجامُها! أكملت نوفريا، وصوتها يرتجف: "ما أفاض الكأسَ ليس سوى قطرة... القصّة لم تبدأ بعد، إنما كانت ذروةُ السُّكون الذي يسبقُ العاصفة... لقد أذابَ فؤادها غدرًا، فلمّا واجهتهُ، ما طاقَ فراقها، فأقسمَ أنْ يُعيدها إليه... ولو كان سبيلُه الدماء." ساد الصمتُ من بعد كلمات نوفريا، كأنّ الأرواحَ قد جثَت على رُكبِها، لا تجرؤ أن تتنفس... تلاشت همساتُ النسيم، وانطفأت العصافير عن غنائها، حتى الشمسُ كأنها توقّفت عن المسير. تبادلتِ الفتيات نظراتٍ ممتزجة بين الدهشة والوجل، وكلٌّ منهنّ تشعر بأنَّها باتت تلامس أطرافَ سرٍّ أكبر من أن يُحكى، وأثقل من أن يُحمَل. كانت نوفريا لا تزال تُحدّق في لا شيء، كأنها ترى ما لا يُرى... كأنّ في عينيها بقايا ليلٍ لا فجر له. همست إحداهنّ، وصوتها يُشبه رجفةَ جناح: "وما الذي جرى بعد ذلك...؟" لكن نوفريا لم تُجِب، بل اكتفت أن تُغلق عينيها، وتهمس: "إنّها الحكايةُ التي بدأت بموت... ولن تنتهي إلّا بانكشافِ الغادر... ودماءُ النقيّة... لا تُسكبُ عبثًا." وسقطت ورقةُ شجرٍ صفراء عند قدَمها، كما لو أنّ القدر ذاته، قرّر أن يُسدل الستار... لكن ليس نهايةً، بل إيذانًا بابتداءِ الحقيقة. ثم دوّى في قلب جوديا -ومن حولها- صدى الآية، كأنّ السماء نفسها تنذر: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ - إبراهيم: ٤٢ فرفعت وجهها، وجبينها المتعب قد لامس نور الإيمان، وهمست هي الأخرى، كمن عاهدت ربّها: "إن كان للباطلِ جولة... فللحقِّ وعدٌ لا يُخلف."
T.écriture✍🏼🌿