لم اتسائل يوما عن سبب ذلك الحب القنيع تجاهها. و الذي كاد ان يُميتني مرتين إن صح القول.. تسلل البرد عبر الجو الى اعمق الاماكن في روحي. و انا احدق الى الافق عبر عتبة الباب الباردة. لم اكن بحاجة ذلك القميص المرمي أرضاً بجانب السرير الذي تستلقي فوقه آستريد. لاني لا اشعر بالبرد بعد الان. خصوصا و هي حولي. كل مشاعر الحب التي عرفتها يوما انوقدت الليلة داخلي و شنت حربا عبر اللمسات المباشرة و الجريئة التي حدثت قبل ساعات قصيرة فوق السرير الدافئ.. الفرحة تغمر كل جزء مني لدرجة اريد الرفرفة كَفراشة سعيدة.. كل ما حولي ازرق. يمثل اعينها التي لطالما جذبتي نحوها حتى لو كانت على الحافة.. لذلك لطالما تواجد في القعر بعيدا عن كل ما هو محسوس و شاعري.. لاني اتبعتها كل يوم الى الحافة و حين اصل عند اعينها كنت اسقط.. لم استطع ان اسدل الستائل التي تغطي مشاعري على الاقل و التظاهر بالصعب و العبث.. فقد كنت-ولازلت- ساقطاً ببلاهة.. تنفست بعمق ذلك الهواء الصيفي لليلة جميلة كهذه. و بدت السماء كمن تراقب بصمت و تستمع لكل الاماني كما فعلت دوما.. قمت من مكاني.. حيث كل ما يغطيني هو سروالي البني و قلادة ناب القرش تداعب عضلات صدري تبعث حساً غريباً للتسلل الى صدري. وصولاً الى الشاطئ. توقفت خطواتي ببطء و انا اشهق الهواء بعمق لاني اريد التأكد في كل لحظة تمر ان ما عشته ليس حلما واهيا بل حقيقة بحتة. ربما صلاة ذاك الاحد تحققت.. و تتبعت حياتي رغم كل ما حدث و رغم كل الصعوبات التي واجهتنا.. Flach back : الحرارة تشعل بلدة الملح الشهيرة بصيد الحيتان و قربها من المحيط. رغم ذلك يتجه معظم السكان الى الكاتدرائية الرئيسية التي تعتلي الهضبة، بخطوات سريعة اتجهت ناحية البوابة التي توافد اليها الجميع في هذا الوقت المبكر من صباح يوم احد جميل كهذا، و ليسامحني الرب.. فقد الححت اليوم على الاستيقاظ باكرا للحضور هنا من اجل الحصور على مقعد بالمدرج الاول.. ليس لاني اريد ان اسمع الموعظة بشكل جيد.. و لا لأخشع في الدعوة.. بل لرؤيتها.. للتأكد من نظراتها و من ان تلك التلميحات ليست مجرد اوهام اسقي بها جوع عطشي.. تزايدت دقات قلبي اليافع حين وقعت اعيني على خاصتها... كانت تبدو زرقاء و الزجاجية للغاية رغم البعد الشديد اضاء جمالها بوابة الكنيسة، و ألقى عليها العجائز التحية و بعض الاحاديث عند العتبة هناك حيث المدينة اسفل الهضبة هي ما يقابل الحافة و المحيط بعيدا يلمع اسفل شمس الصباح، استطعت ان ارى كيف تسترق نظرة من جهتي من حين لآخر.. و أحياناً تطيل النظر تجعلني معلقا هنا في مقعدي.. غير قادر على الجلوس و لا الوقوف مستقيماً.. أناملها تعبث بقلادة الصليب التي تدلت عبر عنقها بخفة الى شق صدرها الذي لم ينجح فستانها الصيفي الابيض الضيق من الاعلى من تغطيته.. لكن سرعان ما اشحت بنظري انظر الى الصليب الضخم في مذبح الكاتدرائية.. اسمح لساقاي بالجلوس بارتعاش.. و اناملي تتشبث ببعضها البعض في خلاص. انوطئ رأسي في خشوع تام.. مسلم لحقيقة اليأس التي تتربص بقلبي و افكاري مع كل نظرة بيننا.. كلمات تغادر شفاهي كهمسات غارق لا يستطيع الصراخ و انما يريد الخلاص و النجاة.. ازدادت دقات قلبي و انا اضم اصابعي و اغلقها على فراغات يدي الاخرى.. الدعاء للقاءنا يوما ما في حب حقيقي، الدعاء لتحقق كل الاماني العفيفة و الطاهرة التي تشغل تفكيري قبل النوم،. و الدعاء لان يكون كل هذا الذي يحدث هنا حقيقيا.. لا مجرد سراب يجذبني نحو اعجاب--حبٍ لا اعلم كيف اتى و لا من اين هدّ اصوار قلبي الضعيف و اليافع، لكن تعود الاصوات الفوضوية للوافدين الى الكنيسة الى رأسي و تخلل التأمل و النشوة التي اعتلت جوارحي.. حين شعرت بنكزة على كتفي، تفاجئت حين رفعت رأسي و قابلتني ابتسامتها التي لم استطع الا ابادلها ببلاهة. " هل يمكنني الجلوس ؟!" تمتمت بخجل و اعينها الزرقاء تلمع كأمواج خجولة تعذر عن المضي عبر البحر.. ابتعدت قليلا عبر الكرسي الخشبي للكنيسة اسمح لها بالقعود.. أغمضت عيناي اشكر كل ذرة في هذا الكون سمحت لهذه الجلسة الصامتة بأن تحدث. لا احد شعر بنبضات قلبي المهتاجة. او ارتجافة يدي التي تعانق اطراف قميصي الابيض الهش،. و التي زادت حين شعرت بيدها-- باردة و ناعمة تلامس خاصتي اسفل الطاولة.. لمحتها بطرف عيني.. فلا شجاعة لي للنظر مباشرة.. وحفدتها تبتسم بخفوت، و ظلٌ وردي خافت من الخجل يعتلي وجنتيها بطريقة جعلتها اجمل من صباح يوم احد مقدس. ابتلعت ريقي. لعلي ارطب جفافي لكن بدون جدوى تزداد العواطف و تنجرف عبر صدري كموجات و تصطدم بضلوعي كأنها ستدمرني و تذيب جوارحي. تتبعتها بعيني حين رفعت يدها الاخرى و وضعت قلادتها السابقة فوق الطاولة ثم جرَتها ببطئ ناحيتي.. نظرت بحيرة حين خانتني الكلمات و لم يكن لي شيئ لفعله سوى مبادلة النظرات اليها و الشد على يدها التي تعانق يدي بقوة، و باليد الاخرى امسك القلادة و شددتها عبر كفي بخشونة كأنها الهواء الذي يملأ روحي بالحياة. منذ يومها استيقظ كل احد. و اضع قلادتها لتعانق صدري مثلما فعلت سابقا بخاصتها. اجري الى الكنيسة و نبضات قلبي تحثني للإقتراب نحوها. و كل مرة نجلس في نفس الكرسي. داخل نفس الكنيسة. ندعو بنفس الايمان و اليأس.. للحصول على بعضنا البعض و ان تصبح اللقاءات بيننا اكثر واقعية.. تلك النظرات الصامتة. و الاحاديث الفارغة، هي ما تملأ طاقتي كل اسبوع الى وصول الاحد القادم، و في كل مرة كنت اشد على تلك القلادة و اقبلها في نهاية كل صلاة. ادعو يوما ما.. ان تعبر اليها بطريقة ما، عفيفة و طاهرة، تماما كما تكون آستريد،. --------------------------------------------- " لقد استيقظتَ بالفعل " وصله صوتها، رقيقاً و ناعماً عبر هواء الفجر و نسمات الصباح، لذلك استدار لها حيث يجلس. فوق صخرة الشاطئ و البحر يلامسه، هز برأسه موافقاً ثم اعاد اعينه الى الزرقة التي كانت تسمع الى اصوات شكوه و همومه دوما في ما سبق.، جلست بجانبه، حيث فستانها الابيض يلامس الرمال الذهبية و المياه البطيئة التي تعرج الى الشاطئ بكسل.، يدها تعانق كتفه و اعينها معلقة الى حيث ينظر لطالما عرفت انه يحب البحر و المحيط، منذ ان التقته في المرات الاولى، و في مواعيدهم بعدها، كان الامر واضحاً وضوح الشمس فالطريقة التي ينظر بها الى الامواج كأنها صديقته في الهموم و صحبته في ايام سعده، كيف انه يجلس اسفلا بالميناء يحدق بالبحر، و لا يفوت ليلة الا و هو جالس على شاطئ يلامس اطرافه، مثلما فعل الان كأنه يجدد طاقته كلما كلّم البحر و لمس مياهه، ابتسمت لهذه الفكرة حين انحدرت اعينها من زرقة الامواج اليه هو و ملامحه الحادة. من بشرته السمراء إلى اعينه السوداء التي حدقت بذبول الان-- لحيته الخفيفة و غمازاته التي نادرا ما تظهر حين يبتسم او يتكلم، تنهدت كأنها تشعر بالارهاق في كل مرة تنظر له و تتذكر انها حطمت رجلاً بهذه التفاصيل، لكنه فاجئها حين أدار رأسه اليها و نظر لها بذات الذبول في اعينه و الهدوء بملامحه، كأنه كان يسمع افكارها. ظلٌ خفيف من الوردي لامس خدها حين اقترب من وجهها و حدق بملامحها بهذا القرب يشعر انه محظوظ تماما لحصوله على هذه الميزة، " هل تشعرين على ما يرام ؟!" رفع لها حاجباً بخبث يشير بأعينه إلى منزله حيث قضيا ليلتهما الآثمة.. و لانها لم تقم بحديث كهذا سابقاً شعرت بالاحراج و ابعدت اعينها فورا عنه تنظر بعيدا.، " انت لن تتغير دايب " قالت مع ضحكة خافتة تعلم انه يحب اسفتزازها، لكنه فقط لم يقل شيئا بل احاط يده على كتفها و دلكه ببطء يجعلها تشعر بالراحة بعض الشيئ، لكن ولانه دايب لم يستطع ان يمنع نفسه من الحديث مجددا بعد ثانيتين، " تعلمين اني خبئت كنزي في هذه الجزيرة و طلبت رفث رفاتي في البحر " اتسعت اعينها و ابتلعت ريقها تنظر اليه من هنا تنتظر منه ان يقول انه يمزح.. " ما سبب تكلمكَ عن هذا الان دايب!؟" ابتسم يرى كيف تحولت ملامحها فورا الى قلق مفاجئ من كلماته، لكنه وضح فورا،. " كل قرصان مدفون بتلك المقبرة دفن معه كنزا على هذه الجزيرة، أنا بالفعل املك قبرا هنا، لذلك من المعقول اني دفنت كنزي كذلك.. ما تبقى مني سيعود للبحر لاني ابن البحر و منه " تقضيبة اعتلت وجهها و هي تستفسر " أيّ كنز ؟!" اتسعت ابتسامته بشدة كأنه كان ينتظر هذا السؤال بالظبط، و بحماس شديد واضح عبر نبرته و صوته تمتم بشبه همس، " هل تريدين إلقاء نظرة ؟!" --------------------------------- لم تجد آسريد شيئا لقوله و هي تحدق في الصندوق الخشبي المفتوح امامها، كان مدفونا اسفل شجرة، و بجانب حجرة منبع مياه عذبة، تحيطه الورود الإستوائية و الظل الذي ترافقه نسمات منعشة، اخبرها ان الكنز متعلق بها، و انه دفنه هنا في مكان كهذا لانه احب كل شيئ يشبهها كهذا المكان، طبيعي و جميل " صنعت هذه حين اخذني اللحية السوداء الى اليونان.. هناك وجدت الكثير من الموارد التي الهمتني لصنعها، و بكل خطوة كنت اتذكر وقع انفاسك على قلبي فيزداد جمال المرآة لدي " حملت المرآة النقية من بين يديه و تفقدتها بخفة كأنها تخشى كسرها، اطارها من خشب ابيض و رطب، مصقول بعناية و على حوافها نقش بالفضة على طول حدودها بطريقة جعلتها تريد البكاء، لأنها كانت غائبة طوال هذه السنين من حياته، بل سبب في يأسه، « آستريد.كما آراها، لا كما ترى نفسها » ارتجفت شفتها السفلى في ضعف تام، رغم ذلك كافحت هذا الشعور المقيت بالحزن و منعت نفسها من الدمع، على الاقل كي لا تفسد اللحظة الممتعة،. " في كل رحلة كنت اجتمع مع ميشيل لجمع اللؤلؤ، و يومها وجدت هذه.. رغم انها سوداء الا انها مميزة..لم تكن ثمينة بالسوق لكني شعرت انها ثمينة على قلبي، بطريقة ما ذكرتني بكِ، و رفضت ان اصنع بها قلادة لكِ رغم اصرار ميشيل... تركتها هكذا مع مجموعة من بياض اللؤلؤ. لتذكرني بكل مرة كم انكِ كنتِ مميزة لي " حدقت به بعمق ووجدت انها كانت فاشلة في هذه العلاقة تماماً. رغم ذلك هو لم يحسسها بالنقص بل حشر يده في ذلك الصندوق الخشبي يخرج ورقة مطوية كتب عليها بحبر جافٍ و داكن، بدا كمن مر عليه زمن طويل من امدٍ مشحون بالتغييرات و الاحداث، فتحها ببطء كأنه يفتح جرحاً قديماً و نذبة مؤلمة، لكنه بالاخير ابتسم كما لو انه في كل مرة يرى جراحه يتذكر كما انه من الجميل العيش و الحب و المعاناة.. "انتظركِ بفارق الشوق.. كَملاكٍ ساقط من السماء.. على ابواب الكاتدرائية-.." تمتم ببطء كأنه و مع كل كلمة تغادر حلقه من هذه القصيدة كان يتخلى على شيئ ما من داخله من اعماق حبه، لكنها لم تسمح له بالاكمال خصوصاً مع صوته الضعيف الذي بدا كما لو انه سينهار، بل امسكت يده كأنها تذكره بأنها هنا الآن و كل ما حدث قد اختفى و زال، و أنها ستدعمه و تسانده، رغم كل ما حدث سابقا، لذلك اكملت عنه القصيدة التي لطالما انهيا بها كل دعاء و حلما بها كل دعاء للقاء موعد على ابواب الكنيسة، " .. بِالزهور في يدي.. و الأحلام بِقلبي" ابتسم يشعر بالبهجة تتسلل الى قلبه، نظر الى الصندوق بتعب واضح و لم يرفع اعينه مجددا. " أردت أن أحمل أثرك على جلدي... حتى لو لم تعودي إليّ يومًا. لذلك وشمت القصيدة في اقرب ضلع لقلبي" ابتسم يتذكر كم عانى من انعدام خبرة ميشيل وهو يقوم بوشم هذه العبارة في صدره.. لكن الامر يستحق المعاناة الامنية و الحلم.. يستحقان كل الالم. " كذلك وعدتُ نفسي أنه إن عدتِ لي، سأُعيد نبض هذا الصندوق للحياة، و إن لم تفعلي" صمت قليلا يبتلع ريقه و همس يخبرها بسرهِ " ان لم تعودي، فَسيبقى هنا كَدليل على أني كنت يومًا رجلًا يحبكِ أكثر من النجاة." - النهاية - ولان الحب لا يرسم بالؤلؤ والذهب بل بالمواقف التضحيات و المشاعر الصادقة اهديتكم هذه الرواية و صنعتها بكل حب و صدق حتى و لو لم تكن مثالية و لا حتى صحية شكرا على القراءة
hibastila