حول نار الجزيرة

حول نار الجزيرة

14 1

في ليلة ساكنة تقودها النجوم، و على شاطئ الجزيرة بِجانب المياه، و حول النار التي تُلقي ظلالها المتراقصة في وجوه القراصنة و السكان، كلهم نظروا إلى وجهٍ واحدٍ و أعين واحدة كانت تحمل ظلالَ أعماقِ البحر داخلها...دايب الذي بدأ لِتوه يسرد لهم القصة التي لو سمعوها مئة مرة لن يملوا منها، و التي طالبوه مجددا بِسردها، إنه أشبه بِتقليد لِكل لَيلة أولى على الجزيرة، دايب يجلس بِجانب النار و يقلب بيده الخشنة ذات النذوب التي تحكي سنيناً من العمل و الكفاح فوق السفن إحدى الحطبات المشتعلة التي ألقت بِشراراتها البرتقالية لِتتصاعد بِالجوّ و تنشر لهم رائحة الإحتراق البطيئ لِلحطب، صمت يقود المكان، بدا كما لو أن الليل صمت لسماع قصة العاشقان على لسان احدهما، بدا كما لو أن الطبيعة تأخذ أنفاسها... شهيق و زفير مع كل موجة، " التقينا أول مرة عند بوابة الكنيسة، رداءها من حرير و شعرها من ذهب, لم نتحدث ابدا كل ما جرى أنها منحتني قلادة الصليب خاصتها، كأنها تعلن لي بداية رحلتنا على متن الحب الجديد و الهش بين قلبين يافعان،" كانت صوته جهوريًا رجوليًا يقطع الصمت بين الحطب المحترق و الأنفاس المقطوعة للمستمعين، " التقينا بعدها كثيرا، اسفل كل شجرة نخيل ضائعة، و بِجانب صفيحة المياه العذبة، أغلب احاديثنا كانت صمتاً لأن الكلمات لم تستطع أن تُعبر عن جوارحنا الحقيقة، كنت كل صباح أحدٍ أمسكُ قلادتها بشدة كأنها حبل نجاتي، و أدعو الرب أن يجمعني مع أعينها الزجاجية، " صمَت قليلاً يسمح لِكلماته بأن تترك أثرها على مسامع الحضور, خصوصاً آستريد التي تجلس مقابلهُ، أعينها لم ترمش و أنفاسها تقطعت و هي تستوعب أنها-.... قصتهما! حقيقة أنه يسرد قصتهما في ليلة مميزة كهذه كل مرة يأتي للجزيرة جعلتها تشعر بِالذنب لانها تركت به اثراً لم تُرِد تركه أبداً، " لكن، يتدخل طيف عجوز القصة حين يكتشف الليالي العفيفة التي مرت على العاشقان دون علمه، لكن لا شيئ يصوله إلى حدود غضبه سوى حين امسكت يدها و سحبتها نحوي امام وجهه مخالفا قواعده، و اخبره انها ملكي رغماً عنه، " تنفس بعض الشيئ كأنه كل مرة يسرد القصة يقتلع جزئًا من روحه معها و يرسلها عبر الرياح يترك نفسه يموت ببطء مع كل كلمة و كل ذكرى " كانت غلطة شديدة، لأن العجوز الغاضب يسلمني للموت حين يقرر اخذ صديقي لها زوجاً..... لم تتقاطع الطرق بيننا مجددا و بدت بوصلة العيش خاصتي معطلة بدون اعينها، تتسلل كل رجفة خمر الى جسدي كَالسّم الذي يسحبني الى هاوية مظلمة أخطر من قعر المحيط و أضيق من قبر قديم، " ابتلع ريقه عدة مرات يرفض تماما النظر اليها، لانه يعلم انه ان فعل و تجرأ على النظر الى اعينها وسط القصة سَتسقط دفاعاته، و سّيضعف اكثر لانه قرصان شجاع قد يقتل طاقماً كاملاً لكنه لا يستطيع النظر في اعين صائدة الجوائز التي جاءت لِقتله، " فجأة و في منتصف ليلة العرس الهادئة، تخلل صراخ عظيم في منتصف البلدة، و نشب حريق... أكل كل لوحة خشب و إلتهم كل روح داخل ذلك المنزل، جاعلاً كل الأصابع تتهم قلباً واحداً جريمته الوحيدة كانت أنه احبها، ليلتها كل ما ندم عليه كان أنه احتفظ بِقلادة ناب قرش، ليس لأنها كادت أن تكون سلاح موته، بل لانها كانت سلاحاً ضد حبهِ" ارتجف صوته مع كل كلمة و هذه المرة لم يستعد استقراره لانه نظر إليها و وجد فاهها منفتحا بذهول أعينها حزينة بأسى و اكتافها ساقطة بخذلان، لم تكن تعلم انها فعلت كل هذا، لم تكن تعلم انها حطمت رجلا عظيماً بهذه الطريقة، " عفوا، احتاج بعض الهواء النقي" همست بهذا تنهض تسمح لفستانها الابيض بالمرور على الرمال المنطفئة في هذه الليلة، كل الانظار الصامتة توجهت لها و كذلك اعين دايب و ربما هذا ما جعلهم يوقنون ان لآستريد علاقة بالقصة، نهض فورا ليتبعها، على الاقل ليتحدث معها، لكن قبل ان يغادر سمع ناي تسأله بصوتها الناعم و على ما يبدو في وجوه الجميع انها سألته ما يريد الجميع معرفته، " إن كانت آستريد هنا لِقتلكَ، لماذا احضرتها للجزيرة " لم يستدر لهم، بل بقيت أعينه السوداء تحدق في هيكل آستريد الذي يبتعد عبر الشاطئ، لذلك نطق و قد استطاع الجميع هنا و حتى الاطفال ان يتذوقوا المرارة في صوته، " لأنها المرأة التي طعنتني بِقلادتي، و رغم ذلك لم تقتلني " لم يترك لهم المجال لِسؤال اخر، فقط تركهم هناك في صمت و سكون حول النار و بجانب المياه، و تقدم بخطوات سريعة و مستقرة يلحق بآستريد، وجدها تمشي على طرف الشاطئ الذي يبلل طرف فستانها الابيض الطويل، و هي تلف ذراعيها حول نفسها تحاول تدفئة نفسها، او ربما هناك شعور مقيت يزحف تحت جلدها يجعلها تشعر بالرجفة رغم دفئ جسمها، لكن كل ذلك تبدد و تحول الى أمر آخر من مشاعر مدفونة, حين شعرت بذراعه تحيط كتفيها يقربها اليه، التفتت اليه و نظرت إليه بهذا القرب حيث يعانقها جانبياً، أنفاسه الحارة ترتطم بها و نبضات قلبه الغير مستقرة بالقرب منها، " لا اعلم كيف استطعت ان اجعلكَ تتألم لهذه الدرجة، " نبرتها خرجت غير مستقرة و منخفضة، بدت خجولة حتى من الكلام في الموضوع ثانية و فتح الجروح في ليلة جميلة لا تقبل الدموع، " و لا اعلم كيف استمررت بحبكِ رغم ذلك" شعرت بإبهامه يطبطب على كتفها من الجانب، و بدفئه يحيطها كلها، هالة غريبة سيطرت على كيانها حين كانت تحاول ان تتجرد من حبه،.؛ " كيف سمح لكِ والدكِ بأن-... تصبحي صائدة جوائز؟!" رغم ترردهِ سألها و انتظر بفارغ الصبر اجابتها و ذلك ما منحته " لقد....- توفى " قالتها بعد ثوان، قالتها كأنها انتزعتها من مكان عميق للغاية داخلها، و كأنها لم ترد أن يسألها بشأن هذا أبداً، " آسف على خسارتكِ" " لا تعتذر، لم تكن غلطتكَ" قالت بحزم ترفض النظر اليه صمت احاطهما لثانيتين قبل ان تنطق هي تسمح لصوتها العازف بإطرابهِ، " لقد اختار الموت بِنفسه، كان يرفض العلاج من كل طبيب و من كل منطقة" لا بد ان الغضب و الحزن الناتج عن مآساة وفاة والدها لا تزال جمرة حارقة في صدرها، فنبرتها كانت غاضبة كما لو أنها ندمت عفى أنها لم تجبره على العلاج رغم رفضه، لكن بعد كل شيئ، لا يمكن تصحيح الماضي ابدا، لم يجد شيئاً لقوله، فهو لا يشعر حتما معنى فقدان العزيز، كانت آستريد الشخص الاول الذي احبه و اعزه طوال حياته قبل ان يلتقي باللحية السوداء و طاقم عمله، لكن لولا آستريد لما امتلك شعور الحب بحياته، لانه حتى و اللقب المعلق خلف اسمه لم يكن خاصته بل مسلم له عبر مركز رعاية اليتامى، نفض تلك الافكار من رأسه عازما فقط على ايصالها الى مرقدها بأمان على الاقل دون فتح موضوع تلك القصة من الماضي ثانية، لانها إن تكلمت تجاهه بِشاعرية مجددا، فإنه لن يمتنع عن تقبيلها ثانية حتى و إن كان ذلك يعني خنجراً آخر على عنقهِ.....!! ----------------------------------------- مع كل الاحداث التي تتطور كيف تشخص الابطال

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سالفاتوري | غبار نجوم البحار

المؤلف hibastila
2025/07/27 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة