كمان العتمة

كمان العتمة

18 1

لا بد ان عودة آستريد الآن الى حياته هي فرصة اخرى تقدمها النجوم له، لانه و اخيرا و بعد تلك الحادثة، يستطيعان النحدق كشهصين بالغين و يستطيع هو ان يبرهن لها كم انه احبها و بقي يفعل بعد ما حدث سابقا، رغم ان الجرح قد التأم و لكن قلبه لا يزال مفتوحا لها، ان ماضيهما قد وهن و لكنه لا يزال عالقا به فقط بسببها، لكنه لا يملك شيئا بين يديه سوى لان يبتسم، كأنه ساخر من حقيقة العاشق الموهم الذي يعيشها تجاه فتاة هي فوق سفينته ووسط طاقمه تنوي قتله، حدق بالنجوم الليلة التي أنارت اول ليلة على سفينة سالفاتوري بعد انطلاقها من الميناء، ثم تنهد بخفة مع نصف ابتسامة ينوي الاتجاه ناحية المطبخ حيث يقبع العمال من اجل اخبارهم بشأن الوجهة التالية، لكنه-ورغم ان هذا ليس من مبادئه- وجد دايب نفسه يضع خطواته فوق خشب الارضية بخفوت لأيلا يعرف من في الداخل انه اقترب، فهو يتخلى عن كل مبادئه و دفاعاته حين يسمع اسمها على لسان رجل اخر، " لست وحدي، شانغ هارب من السجن و ميشيل قتل رجلين و هو مطلوب للعدالة منذ سنين، كيف لنا أن نثق بها ؟!" " دخلت غرفتها سابقاً للتنظيف، رأيت اسلحتها، خناجرها و بضعة شفرات، لماذا أحضرتها إن كانت حبيبته السابقة؟!" " لا أظن أن خفض دفاعاتنا تجاهها سيكون أمراً جَيداً.. !" " لم يخبرنا حتى بإسمها حي-....." عُقدة تشكلت في جبهة دايب و هو يحاول أن يفهم السبب الذي يدفعهم لِقول ذلك، لكن لا يلومهم رغم انهم يتحدثون عنها، فلو كانت تملك نوايا حسنة لما تسللت الى السفينة، و عدم التصريح بأي شيئ تجاهها كان خطأً منه، تقدم الى الداخل يوقف عملية التجسس الدنيئة التي كان يقوم بها، و حين رأوا ملامحه صمتوا فورا يعلمون انه سمع كل شيئ.؛، لذلك وضع بعضهم كؤوس الروم على الطاولة الصغيرة المنخفضة وبعضهم بقيّ ينظر فحسب لانهم يعلمون انهم قالوا الحقيقة فَحسب، " آستريد... إسمها آستريد، و هي هنا لقتلي." صمت حل بالمطبخ و لا احد حدق بِمكان آخر غير ملامح وجهه ينتظرون منه أن يضحك، أو يخبرهم أنه يمزح..... لكنه لم يفعل ابداً، بقيّت ملامحه جامدة، ساكنة، ذاتها التي دخل بها، لم يُشعرهم بِالذنب لأنهم تكلموا في ظهرها، و لم يشعرهم بالشفقة حين اخبرهم انها هنا لقتله، كأن كل ما يحدث هنا هو امر عادي للغاية، لا أحد امتلك الشجاعة للتحدث, سوى شانغ لأنه يعرفه منذ زمن، منذ أن كان دايب مجرد قرصان مبتدأ يمسح الارضيات و يسحب الزيت من داخل الحيتان.. " هل تظن أن اخبارنا بإسمها سيجعلنا نطمئن ؟!" "لا. لكن على الاقل لتعلموا أن خناجرها لن تمر سوى بين اضلعي أنا!" جواب دايب كان سريعاً و عملياً كما لو أنه كان ينتظر سؤال شانغ، لِذلك عقد هذا الأخير حاجبيه و انتظر عدة ثوانٍ حتى يضيف بِصوت منخفض بعض الشيئ، ليس خوفاً بل احتراماً؛. " ماذا إن كانت خدعة، لن أضحي بِحياتي و العودة الى الزنزانة الرطبة فقط بسبب خجلك من دفعها بعيدا،.." ابتسامة ساخرة غادرت حلقه قبل ان يتقدم الى الامام بإِنفعال لأول مرة و يقول بِصوت حازم، صارم متشبث بكل كلمة، " انت لن تضحي بِحياتك لأنها هنا من اجلي انا على اية حال، فقط حاولوا عدم التدخل-..." لم يكمل كلامه لان ما قاطعه كان صوت شانغ المرتفع و الغاضب، " لن اسمح لها باعادتي الى ذلك البرج المهجور فقط لانك لا تزال خائفاً من الحبِ، وجود امرأة فوق هذه السفينة بدون إرادة طاقمها ليس منطقاً،" صمت غريب و مميت جعل المطبخ اكثر توتراً، الاعين تحدق بما سيحدث بينهما، و معضمهم يستعدون لمنعهما من القتال، لانهما نظرا لِبعضهما البعض بشدة، و قول شانغ ان دايب لم يتخَط الحب خوفاً فتح النذبة التي في صدره و شعر بِحرقة في حلقه، لم يستطع البقاء اكثر، لان الافكار التي تهمس له بان شانغ محق كانت تزداد، لذلك و لانه قرر ان يتنازل هذه المرة عن تمرد احد افراد الطاقم، ضيق حاجبيه بعض الشيئ قبل ان يتمتم بصوت منخفض كأن كلمات شانغ امتصت كل الطاقة لديه " إن خانتكم فأنا من علمها الخيانة، وإن قتلتني فأنا من زرع السكين لديها، فإحترموها كما تحترمونني، أو اتركوني معها وحدي." لم يجد اي مبرر للبقاء بعد قوله هذا, تركهم خلفه في المطبخ، صمت يحيطهم و كل ما يتكلم هو الاعين بعضهما بغضب و اخرى بندم او ربما ذنب دايب غادر و في اللحظة التي وقعت اقدامه خارج الباب وجدها هناك، تحدق به، كأن رؤيته يدافع عنها و يخسر ثقة طاقمه به فقط بسببها تجعلها تريد قتله لأنها تبرهن مدى حبه السخيف لها، و هي حقاً لا تتوقف عن التساؤل لما تريد قتله في كل مرة تراه يحبها و ينظر إليها بِذات الطريقة التي أبصر بها الان، " دفاعكَ عني لا يعني أني لن أحشُر سكيني بك، و هذه المرة سوف تنزف روحك حقا!" تنفس هو بضعة مرات بينما لاحظت هدوء اعصابه و انخفاض ملامحه تصبح اكثر اعتيادية عن اقتضابها السابق، لم يتكلم و ذلك جعلها تغمض اعينها بغضب و تتنهد كأنه لا حل له سوى الموت، " انت غبي لكي تخسر طاقم سفينتك من اجل إمرأة هي هنا لقتلكَ " " الموت على يدكِ اهون لي على التنفس امام من يبغضكِ، " قال بِنبرة منخفضة بِالكاد سُمِعت، كأنه اقتلعها من روحه، و أخبرها بها يخبرها بِسّر خطير، تسارعت دقات قلبها، و شعرت بحرارة في وجنتيها، حين اضاء بدر الليلة سطح السفينة، و لمعت المجوم من بعيد كأنها تشاهد بصمت شديد، كاد ان يتفوه بشيئ احمق اخر عن الحب لولا ان صوت عزفٍ قريب جعله يتوقف حين عادت هي إلى الخلف عدة مرات تطل إلى أعلى المنصة حيث تواجد ميشيل، عَصابة رأسه كانت حمراء غامقة، و يده الخشنة الآن كانت تحمل الكمان بيد ناعمة و تسند بقيته على كتفه، كان يقابل المحيط اعينه مغلقة و يده تستمر في صنع الالحان قدوماً و رجوعاً بحركات مدروسة و محفوظة، روحه هو ما كان يعزف حدقت آستريد به و علامة إستفهام تشكلت في ملامحها الشقراء المضيئة و التي انعكست مع ضوء القمر تجعل وجهها و معالمه ظاهرة، دايب يقف خلفها و اعينه تحدق بالمنظر الاعتيادي بالنسبة له، "إنه ميشيل.. لقد افترق مع زوجته، و هو يقف في كل ليلة من كل يوم على المحيط، و يعزف للنجوم ينتظر منها ان تنقل الأعازيف لِزوجته، لَعل النجوم يوما ما، تحقق امنية لقائهمَا،" نظرت اكثر تريد اختراق المنظر الجميل بأعينها، تنهدت بخفة و اضافت بِصوت منخفض كما لو تشعر بِالخجل من السؤال " افترقا؟! لماذا " لم يبعد أعينه عن ميشيل و بقي خلفها و رائحتها المِسكية تحيطه، شعر بِكل دَقة و كل نبضة و هو قربها، يشعر تماماً أنه قرب النعيم خاصته، و سيحاول حقا ان يبرهن لها، أنه لا يزال، يحبها، لكن قبل ذلك اخبرها، بقصة افتراقهما،. " زوجته.. حاول سكيران الاعتداء عليها لكنه ضربهما بشدة لدرجة أصيبا بِكسور في ضلوعهما وعنقيهما، أحدهما عانى من كسر شديد لِشهر، و قررت المحكمة سجنه، لذلك هرب، و بقي على اتصال معها رغم ذلك، يعزف من أجلها في كل ليلة، يكتب لها كل صباح، يتلوان الصلوات كل احدٍ، من اجل لقاءٍ واحد " استدارت له حيث يقف قريبًا منها، ابتلعت ريقها و اعتلى توتر ملحوظ وجهها، لذلك منعها من الحديث، حين قاطعها يضع يده على خاصتها يجعلها تشعر ببعض الامان و السند, " كونِي مُطمئنة آستريد، على عاتقي سَتبقين فوق هذه السفينة آمنة، لن يتجرأ أحد على لمسكِ،" تزايدت ضربات قلبها حين لمسها لذلك عادت للخلف تنتزع يده من على خاصتها، و حرصت على عدم اي اتصال بصري بينهما، كأن لَمسة منه تحرقها و كل كلمة يقولها تغوص في صدرها، لأنه يُحيي مشاعر ميتة داخِلها هي لا تريدها أن تحيَا، بل أن تبقى مدفونة خلف تلك التهمة التي اصابوه بها بِالباطل، لِذلك تمتمت بِذات النبرة وبعض الخوف الذي يتزعزع في صدرها ببطء، خوف من أن تحبه مجددا، فهي لا تتحمل نظرة اخرى من اعينه، ذات سواد الليل، "إذاً كُن الأول ولا تَلمسني" ----------------------------------- يَكاد الصبح يفرد ستائره على المحيط، حيث بدأت السمَاء تصبح أكثر إضاءة، و زرقتها اقل غمقاً و أخف على المحيط نسماتٌ خفيفة و باردة كانت تمر في هذا الفجر الصيفي المنعش، لا أحد مستيقظ على سفينة سالفاتوري لأنهم يضعون مناوبة لِحراسة الدفة، و لأن الصبح قد حل فإن دور شانغ كان هذه المرة لكي يحرس الاشرعة من عدم اهتزازها من موقعها مع النجوم، كانت خطواته خفيفة على خشب السفينة، مرّ عبر العرفة الجانبية التي خصصها دايب لِآستريد، لكنه لمح بِطرف عينه، احداً جالساً هناك، و ذلك ما جعله يقترب، وقد تفاجئ حين استطاع أن يتأكد أن الشخص الجالس هو دايب، قارورة شراب بجانبه، و يده متشبثة بعنق القارورة كأنها اخر ما يسحبه للواقع، ملامحه كانت غير مرئية لان السماء لا تزال مظلمة بعض الشيئ رغم اقتراب شروق الشمس، لكن اعينه كانت مفتوحة و سواد غريب يلفها، " دايب مالذي تفعله هنا ؟!" لا شيئ يدل حقا على أن هذا الأخير حي، سوى تنفسه البطيئ و إحكامه الشديد على عنق القارورة، و قد أخذ بعض الوقت لِيجيب بصوت منخفض وبِبحة كأنه يخاف من ان تسمعه نسمات الصباح، "أنا أحرسها" انعقد حاجبَا شانغ بخفة و هو يلمس جبهة دايب يحاول معرفة ما ان كان يعاني حمة ما تجعله يهلوس هكذا، لكن لا شيئ يحيطه سوى البرد، و هذا جعل شانغ قلقاً اكثر، " تحرسها من ماذا دايب، هل تخشى ان يأكلها الكراكن!!" قالت بنبرة سخرية، من خوف دايب على آستريد من اللاشيئ استنشق دايب ماء انفه و حدق بعيدا ، لم يصدر منه اي صوت سوى بعد ثوان مرت بصعوبة على قدرة شانغ للتحمل "ما زلت لا أستحقها، لكني أحتاج أن أكون قريبًا منها، " تمتم بهذا ببطئ، و بدا كما لو ان شجاعته و قوته انهارت خلال هذه الليلة، " أخافُ ان يمسها مكروه وهي بعيدة عني،" اضاف بذات النبرة و بذات درجة الصوت، خائف من ان يوقضها من نومها، اصطدمت الامواج التائهة المنخفضة بمقدمة السفينة محدثة طربها الخاص بالمحيط الازرق الذي بدأ يُضاء بِشعاع شمس اليوم الثاني على سفينة سالفاتوري، مرافقة الرياح و النسمات الخفيفة التي تمر عبر جلودهم تجعلهم يقشعرون برداً، "أعلم اني لم اتخطى حبها، مر وقت طويل منذ اخر مرة رأيتها و لكني لا زلت معلقاً عند حروف اسمها، " ما قاله لتوه جعل شانغ يتدارك خطأة الليلة الماضية، حين اخبر دايب بانه لم يتخط الحب بعد، قوله لذلك جعل دايب يمر بِلحظة ادراك، لحظة ضعف و فشل حرفياً، و ذلك سيئ بالنسبة لقبطانهم المجروح، لان ما جعلهم اصدقاء هو انهم كانوا يداوون جروح بعض ببطء و روية، و ليس فتح مواضيع الماضي التي لا تزال نذباتها حارقة ضد مشاعرهم البشرية الهشة، " دايب، اعتذر عن البارحة، لا اظن انه كان من الشهامة إعادة فتح ذلك الموضوع امام الجميع-.." لم يكمل كلامه لان دايب قاطعه، لم يسمح له بالحديث. "لا داعي للإعتذار يا رجل، لقد قلت الحقيقة، جميعكم فعلتم، لكن رغم ذلك، لن اسمح لكم ابدا بلمس شعرة منها انها-..." توقفت كلماته حين ارتشف المزيد من القارورة، "لا داعي لِترهق نفسك يا رجل، جميعنا نتفهمك، و نثق بك، تعلم اني املك مشكلة مع النساء، هن ماكرات ويحملن نوايا خبيثة خلف كل لمحة، لديك ثقتي لكنها لن تحصل عليها ابدا، هذا كل ما لدي لقوله، " اومأ دايب برأسه دون قول شيئ، هو لا يملك حتى الطاقة لذلك، ذهب شانغ يكمل مناوبته، و دايب بقي هناك، معلقا عند عتبة غرفتها، لايستحقها، لكن يحتاجها ------------------------------------------ الان مع بعض التطورات ماالتوقع بشان القادم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سالفاتوري | غبار نجوم البحار

المؤلف hibastila
2025/07/27 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة