امراة من الماضي

امراة من الماضي

17 1

"إرفعوا الشراع، امسِكوا الحبال، شدوا يا رجال" تضرابت الأصوات الصاخبة الخشنة عبر السفينة الخشبية المنطلقة عبر البحر الازرق الممتد الى الأفق و إلى الانهاية، عشرات الرجال بِملابسهم البنية و عِصّابات رؤوسهم السوداء، يحملون ديلان المياه و يحملون الصناديق الفارغة التي ستعود بعد اشهر محملة بالغنائم و الكنوز من انحاء العالم و البحار ، إصطدمت الأمواج بِمقدمة السفينة لتصنع بِذلك لَحناً صاخباً و دوياً مرعباً، دايب جيوني يقف في المنصة المرتفعة للسفينة، بِجانبه دفة قيادة السفينة و على عنقه ناب قرش تدل على خبرته في صيد حيتان البحر و التعامل مع وحوشه، النظرة في أعينه كانت سوداء بِالكامل تماماً كَالكُحل الملتف حولهما، و كَسواد الخصلات الطويلة المجموعة الى الخلف على شكل ضفائر رفيعة و ملتوية، بشرته لامعة و سمراء و حرارة شمس الصيف تنعكس عليها تجعلها أكثر بريقا، و إثارة للإنتباه، كذلك بداية الندبة الممتدة عبر صدره كانت ظاهرة من قميصه المفتوح من الاعلى.، اعينه السوداء كانت تحدق بِكل التفاصيل، و صياح الرجال الممتزج مع صراخ الامواج المتعاركة في وسط المحيط يبدو كَالسمفونية المفضلة لَديه، و بدا كَمَن يستمتع بها، الجميع في السفينة كان يحترمه و يقدره، رغم أنه في ليالِ الانتصارات يثمل معهم و يعتبرهم كأصدقاء لديه، و في أحيان أخرى يعاملهم ببرود و سيطرة خشنة، و لكن ذلك لم يكن سوى موازنة حسّنة بين صلة الأصدقاء التي تجمعهم، و بين العمل الذي ربطهم لِسنوات،. في وسط المحيط، حيث الزرقة هي ما تحيط بِالمكان، السَماء ذات اللون الباهت القريب الى الغروب تمتزج في ألوان تتراوح بين البني و البرتقالي، لِتلتقي في الاخير كَلوحة فنية في الافق مع ملايين الامواج المتحركة الزرقاء الداكنة، بعث اللون الاحمر المتوهج للغروب شعورا رهيبًا مهيبًا بِالنسبة للعمال، و قد توقف بعضهم يحدقون بالأفق و هم يعلمون أن أول ليلة فوق سفينة سالفاتوري سوف تبدأ و سوف تتبعها ليالٍ كثيرة و مديدة، سيركنون في شواطئ لا يعلمون اخطارها و لا كنوزها، سيلتقون بِشعوب او ربما كائنات، مخلوقات و كيانات ، سَيكتبون التاريخ بأيديهم الخشنة التي تقود سفينة سالفاتور، و تعانق الحبال المتينة و السميكة، رفرفت اشرعة السفينة ذات اللون البني القريب للابيض، متحركة حيث تدفعها الرياح القوية المسّائية، دايب يضع يديه خلف ظهره في وقفة مستقرة، أعينه تلاحظ كل التفاصيل، و كل العمال، تحركاتهم و افعالهم، و تصرفاتهم، يسمع كل أمنية؛ كل حديث و كل نكتة تتردد عبرهم و هم يعملون بجد و جهد،. اعينه انتقلت من الطرف الايمن للسفينة المليئة بالديلان و الصناديق الخشبية الخشنة وصولا الى الجانب الايسر، حيث يضعون صنارات و رماح الصيد، و حيث يختبئ البارود يناظر أول شرارة لِيَنفجر؛ و يحطم... لمح دايب بِطرف عينه حركة غير مألوفة، غريبة و ذلك جعله يتتبع الشبح الضعيف المتحرك بين أجساد العمال على سطح السفينة، دايب ليس من الأشخاص الذين يختارون حاشية عملهم بِعشوائية، كل من في سفينة يعرفهم واحدا واحدا منذ سنوات طويلة و يعرف خبرتهم في عمل صعب و معقد كهذا، و بالمقابل هم يتفهمون بروده، يعرفون طباعه؛ و يحفظون تفاصيل مزاجه، و بالتالي عملهم كان منسجماً متناسقاً و لأنهم يعرفون طباعه لن يشعر أحد بالاهانة من بروده لأنهم يعلمون أنها فقط طباعه، لا احد سّيشكي من طريقة كلامه لانهم لم يسمعوه قط تكلم بنبرة ودودة و بالتالي تلك طبيعته، هم يحبونه بِسواده القاتم، و بياضه الخالي؛ و هو ممتن لكل واحد منهم، و يحفظهم جميعا، واحدا واحدا ؛ لدرجة سوف يعرف ظلال اجسادهم، اما هذا الشخص فوق السفينة؟!، يبدو كَطفل فضولي متسلل، او جاسوس لا يعلم مع من يتعامل، . لكنه لم يرد ان يتسرع، ابقى على هُدوءهِ، و على وضعيته، يتتبع ذلك الجسد الضعيف بكل تركيز، حمله للصناديق كان صعباً مترنحًا و ثقيلًا، ما يعني أن بنيته الجسدية لا تساعده حتى في التسلل الى سفينة سالفاتور، فكل شخص هنا ذو بنية قوية بسبب ظروف العمل الصعب؛. خطى دايب عدة خطوات الى الامام كما لو ان الخطى بدت مألوفة بالنسبة له، ضيق اعينه بشكٍ كأنه يستطيع الابصار عبر هذا البعد، لكن توقف دايب عند رؤية الشخص الاخر، يقترب من الحافة، يضع يديه على الحاجز الخشبي للسفينة و يحدق بِزرقة المحيط، رؤية ذلك جعلت دايب يتقدم الى الامام، اعينه لا تتحرك من على الشخص الاخر الذي لم يتحرك، صمت كل من على السفينة يحدقون بِدايب و يرون كيف أنه لم يحدق بأي شيئ عدا ذلك الشخص، ما حعل أعينهم بِكل تسائل و فضول تتوجه ناحيته، ذلك الشخص؟! لم يكن يعلم ان كل الاعين تنظر اليه، كل الافواه صمتت، لانهم استوعبوا سرعان النظر اليه انه ليس جزئا من الطاقم، و ذاك برر لهم تقدم دايب اليه ببطئ، ايديه خلف ظهره، و اكتافه مستقيمة، خطواته مستقرة تتجه الى الامام فحسب حيث شخص واحد، يحدق بالمحيط بسهوٍ و شرود، حيث وصل عنده، لم يتحرك كأن ضجة و صخب المحيط أطرشه عن سماع اصوات غير الحان الامواج الضخمة، لذلك اقترب دايب اكثر حتى تلامست مقدمة ساقه مع مؤخرة ساق الاخر، ما جعله هذا الاخير يتجمد و يستيقظ من شروده، و يرفض الالتفات تماما، رؤية ذلك، لغة جسده كانت توحي بِالقلق، ما جعل دايب يمسكه من خلفية عنقه، و يديره اليه، الاعين حدقت، والافواه صمتت، بَدا الزمن متوقفاً للحظة من الزمن حين ابتلع دايب ريقه يحدق بِوجه الشقراء مقابله، و التي رسمت على وجهها ابتسامة خبيثة، و همست بِخفة اليه تحدق بِالمشاعر المتضاربة داخل عدسته السوداء، و الحالكة! "مفاجئة!" تردد صوتها بلغوٍ في رأسه، جعل نبضات قلبه تتسارع، ارتجفت يده التي تمسك رقبتها حتى شعرت بها بالكاد، كانت ترى الضعف في عينيه، و التحول المفاجئ لكل الهيبة و القوة التي كانت تحيطه منذ أن رأته على الميناء، هبت رياح قوية و دُمجت مع الجو المختنق بالمشاعر السّلبية بينهما، لكنه بقي يشعر بأن أنفاسه تتقطع، لم يقل أي أحد من عمال السفينة شيئا، كلهم سكنوا في صمت و سكون تام، ينتظرون اللقطة القادمة التي يفهمون فيها هذا الصمت،! و بذلك ساعدت تلك الرياح القوية، على إسقاط قبعة رأسها البنية في البحر اسفلاً، تاركة خلفها خيوطا طويلة ممتدة من خصلات شعرها الذهبي، شهقات صاخبة و اخرى مكتومة صدرت من طاقم العمال و هم يرون السيدة التي امسكها قائدهم متلبسة متسللة داخل السفينة! " إمرأة ؟!" " يا إلهي،! ليحفظنا الرب" " من تلك ؟!" ترددت الاسئلة بينهم كَكلمات فضولية و شهقات متسائلة، انعكست اشعة الشمس على وجهها, على شعرها الذهبي ،و اعينها الزرقاء الزجاجية، لتجعله يفلتها و يعود الى الخلف خطوة، يبتعد عنها كأنها سم قاتل، و مرض معدٍّ، بينما هي ؟! نفضت يديها و ملابسها من غبار وهمي كأن حقيقة إقترابه منها تجعلها تشعر بالغثيان، الابتسامة الشريرة على عينيها لم تختفِ، و قد زاد شعورها بالسعادة كلما رأت حالته تزداد سوءا، و اعينه تصبح اكثر ظلمة، و جسده اكثر ارتجافاً؛ قرصان محبوب؛ ثري؛ و مشهور؛ معروف بهيبته و صيته في البلدة الصغيرة بجانب المحيط، كانت الان تندثر امام أعينها كرمل متسرب عبر ثغرة ما، هو نسي انه افتعلها في ماضٍ ما بعيد للغاية، . كل ذلك الجاه الذي يمتلكه كان يسقط حبة حبة، و ذلك حين يرتجف هو حبة حبة، عند كل شبر منها، عند لفظة اسمها، ظِلُ جسدها، في بداية انفاسها حتى تزفر، " آستريد-.." نفضت عن عقلها حقيقة انها على اعين الكل، سمعت شهقاتهم و همساتهم لكنها لم تأبه سوى بأن ترى ألمًا اكثر فيه؛ " اين اختفت شجاعة القرصان دايب؟! لست سعيدا برؤيتي فوق سفينتك العزيزة ؟!" قالت بينما تمسح على الاطراف الملساء للسفينة، و براءة وجهها معاكسة تمامًا لملامح الكراهية و الحقد " مالذي تفعلينه هنا " سؤاله كان ما تريده تماما، لقد انتظرت اعوامًا و صبرت شهورا،ً فقط حتى تسمعه يقول لها هذا بذات الخوف في عينيه، " أتيتُ هنا لأحقق العدالة، التي هربتَ منها في يومٍ ما من ماضٍ مضى؛ " نبرة الكراهية كانت تحرقه، عاد خطوة الى الخلف يعجز عن إيذائها او حتى اخراسها من قذف السم من لسانها اليه، ترددت الهمسات و الشهقات، لكن لم يحاول احد التدخل، فقد كانت الطاقة السلبية و المشحونة بينهما تنفر اي احد من الاقترب، لم يستطع احد سماع ما تقوله لان صوتها هسهس كلسعات شيطانية كانت موجهة اليه فقط و لا احد استطاع سماعها لانها له فقط، هو الوحيد الذي يملك الرفاهية للتلذذ بشيطانيتها! لكنه استقام بوجهٍ بارد من اي ملامح لمشاعر الارتجاف المثيرة للشفقة داخله، اقترب منها يجعلها تعود الى الخلف، في كل مرة يقترب منها تعود هي الى الخلف، حتى ارتطم ظهرها بحاجز السفينة؛ و ذلك كان الشيئ الوحيد الذي يمنعها من السقوط! استرجع قواه ببطئ، رغم ان الشر و الاتهام في لغة جسدها و اعينها كانت واضحة و موجهة اليه تجعله يتردد بعض الشيئ، " اي عدالة تحققينها فوق سفينتي و في موطني يا إمرأة ؟!" رفعت رأسها اليه، و قبل ان تلتفظ نفسا اضاف، تمتم بشرٍ لم تكن تظن انه لا يزال يمتلكه، هوسٌ جعل حياتها فوضى فحسب، " أستيطع رميكِ من هنا، لا احد سيسمع بك، او يأبه بشأنكِ، لن يتجرأ اي بشري على منعي،" كشرت ملامحها كأن جسده الملتصق على خاصتها يخنقها و هي تفضل الموت على لمسه، رغم ذلك رفعت يدها ولمست النذبة الممتدة عبر بداية قميصه، تجعل رجفة باردة من المرور بمؤخرة عنقه و حرارة ترتفع بجسده، مررت اصابعها ببطئ على صدره، بالكاد شعر بها، لكنه فعل! بِبطئ شديد كأنها تملك كل الوقت في العالم، كأنها سيدة البحار السبع،! لكن اعينها لم تحدق في مكان آخر سواه، في حين هو كان يتمنى ان تحدق به هكذا سابقا في ماض ما وَهن و ذهب ،. لمست تلك النذبة كأنها تذكره بمن افتعلها، و كيف افتعلتها،! و حين استوعب ما تفعله و بتلك النظرة في عينها استدار الى ساحة السفينة يرى الجميع ينظر لهما، الصراخ و الصياح الذي ملأ سالفاتوري سابقا الان قد اختفى، و حل مكانه سكون مهيب، و في اللحظة التي رأى فيها البحارة التفاتتهُ لهم، حتى سارعوا يكملون ما كانوا يقومون به، و يمسك كل احد اول و اقرب شيئ لهم، مختلسين بذلك النظر لهما مرة بعد مرة من حين لآخر، بفضول شديد، و تسآل كبير،. ذلك مجرد جزء من هالتها و تأثيرها، فخلال دقائق استطاعت ان تصمت بحرا بأكمله، استطاعت ان تخرس اقوى و اصخب رجال البحار السبع، استطاعت هي خلال دقائق ان تصمت سفينة سالفاتور التي لا تصمت سوى في الميناء،! و فقط تذكره لهذه الحقيقة بشأنها جعلته يستوعب أنها اتت للسفينة من اجل فعل شيئ واحد و لن تغادر الحياة او السفينة سوى بعد فعله، لذلك امسك معصمها، و سحبها للذهاب لِغرفة القيادة على الاقل للتحدث بطريقة حضارية و هادئة، لكنها شدت يدها تبعده عنها مع علامات غضب منه، " يبدو انك احمق بما فيه الكفاية لِتلمسني، تذكر مالذي حدث آخر مرة جرى تلامس بيننا دايب اياك ان تخطئ مجددا !!" نبست بغضب غير راغبة في ان تجعل احدا آخر غيره يسمع تهديدها، لقد كاد يخسر حياته، في اخر مرة لمسها و حاول تقبيلها، و ذلك ما يبرر وجود نذبة طويلة على صدره، . لذلك تنهد ببطئ، و هو يقترب منها مجددا يرى انفاسها تتقطع، لم يكن ذلك سوى إلهاء مرضي و كافي حتى ينحني في جزء من الثانية و يمسك خصرها يرفعه للاعلى يحملها على كتفيه يراها تحاول النزول بعناد شديد، اعين العمال تنظر بخفاء، تقهقه بخفوت، و تتكلم خفية عن كم انهما يبدوان ظريفان و ان خلف كل هذا قصة ما قديمة و لطيفة، لكنه فقط عابس غير قادر على التصديق بأن هذا اليوم قد جاء، حيث يفترض به ان يقول الحقيقة، و يتكلم مجددا عن ليلة زفاف احدهم، كان من المفترض ان تكون ليلته هو، مع من يحب، لكنه فقط تحمل تلك الضربات العنيفة منها وصولا الى غرفة القيادة يغلق الباب خلفه بِصخب و يضعها على الارض ، فور أن وضعها كادت أن تصرخ لكنه دفعها غلى الحائط لِترتطم بِشدة، تأوه بسيط غادرها بألم مع شتيمة أسفل انفاسها، و قبل حتى أن تحاول أن تتكلم أو تصرخ و تذمه ثانية، امسك فكها بقوة و قبلها يخرسها أنه لا يستطيع التحمل بعد الان،؛، فقط قبّلَها...... -------------------------------------------------- انتهى الفصل الاول ⛵💦 آمل اني منحنكم فصلا ظرفيا، و ممتعا، اراكم الفصل القادم انشاء الله، 💞 THNX FOR READING UNTIL NEXT TIME

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سالفاتوري | غبار نجوم البحار

المؤلف hibastila
2025/07/27 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة