" إنتظرنِي دايب..!" صرخت آستريد بهذا مع قهقهة سعيدة لكن هذا الأخير لم يستدر لها بل ضحِك و أكمل ما يقوم بهِ يحشر أصابعه المتينة بين فجوات الصخور، صوت المياه القوي من الجانب يُحدث صخباً شديداً لكن لا شيئ كفاية كان يُسمع بالنسبة له عدا ضحكتها و نبضات قلبه المهتاجة، الادرينالين الان يمر بسرعة خارقة في اوعيتهما الدموية و الارتفاع الشاهق الذي تسلقاه لتوهما يمكن ان يقتل احدا ان قفز من فوقه، لذلك في كل مرة ينظر الى الخلف يشعر بانفاسه تنقطع بعض الشيئ، ما يقومان به الان هو تسلق حافة الشلال الذي يحدث صخبا بجانبهما.. و طبعا هذه فكرة آستريد التي لن يرفض لها دايب طلباً وضع يده و أخيرا على الحافة يستند عليها و يرفع جسده مستعملاً عضلات ساعديه للجلوس على الحافة بجانب طرف الشلال تماما، ثوانٍ حتى وصلت آستريد و جلست بجانبه، كانت ترتجف ليس بسبب البرد او الخوف بل بسبب كل ذلك الادرينالين الذي احرق أطرافها و حسّ الخطر الذي جعلها تقهقه لعدة ثواني هنا بِجانبه تجعله يبتسم كَأبله، " هذا ليس عادلا" قالت ذلك بعد ان استجمعت أنفاسها الضائعة، وهي تمسك كتفه و تستند عليه لكي لا تسقط، "لقد سمحت لك بأن تسبقيني بخمس دقائق ذلك ما لم يكن عادلا " قال ذلك محاولا ان يسيطر على ضحكته لكنه لم يستطع لان ملامحها المنزعجة اللطيفة جعلته يضحك لثوان اخرى ، " عليكِ فقط ان تستسلمي، لن تصلي الى مستواي بالتسلق ابدا " دحرجت اعينها بإنزعاج مزيف و شبح ابتسامة يزين ملامحها الشقراء، أطلت عبر الحافة الى الاسفل حيث يتدلى ساقيهما قبل ان ترفع له حاجباً و تهدده ممازحة إياه " يمكنني إلقائكَ من هنا و أتجاوز مستواك المزعوم يا ملك البحار " زمّ شفته يكبح نفسه و يدخل معها في جو التهديد المزعوم خاصتها ، " دعيني اخمن، الموت على يديك..؟ سّيجعلني اقرب الى النعيم عبر النعيم " هذه المرة حين تفوه يغازلها لم ترد بِجحد و لم تُذكرهُ للمرة الألف أنها هنا لِقتله، بل فقط زين احمرار طفيف من طيف اللون الوردي وجنتيها جعلها تبدو اجمل، و قد انعكس شعاع الغروب المتوهج على عدستيها تجعلها تبدو زجاجية تماما و اكثر براءة من ان تكون المرأة التي سببت هذا الجرح الطويل على صدره...!. لذلك ابتسم يراها تحدق بمشهد الشمس في الافق حيث إمتزج لون السماء مع الامواج الضائعة مشكلًا لوحة رائعة من قصة خيالية مبهمة، لكنه لم يستطع إزاحة أعينه عنها، فقط حدق بها بشرود يحدق في المرأة التي سرقت قلبه و عادت مرة اخرى لِتسرق روحه، حدق بها كأنه يتأكد حقا بأنها لا تزال تحمل بعضاً من صفاتها القديمة.. مثل احمرارها حين تخجل، و أنها ترمش كثيرا حين تشاهد شيئاً جميلا مثلما فعلت الان، و انها تبتسم بخفوت حين تكون معه في جلسة صامتة كهذه، كما لو ان الافكار تأخذها في رحلة عبر الغيوم التي تطفو فوقهما و التي انعكس عليها ضوء الغروب الباهت بدورها، رذاذ الشلال البارد جعله يستيقظ من شروده العجيب و يبعد أعينه عنها يتوقف عن التصرف كَعاشق أحمق و ينظر كذلك بعيدا الى البحر الذي احتوى مشاعره فيما مضى لكن لم تكد تمر ثانيتان حتى تجمد جسده في خفقان سريع لِنبضات قلبه المتسارعة كَقرع طبول مبتهج، حين شعر بيدها تلامس خاصته بخفة ثم تشد عليها بقوة كأنها حين تلمسه تشعر بأن ما يحدث هنا واقع و انه ليس حلم اخر حلُم به كلاهما و لم يتحقق سوى الان، ابتسم اكثر-- اتسعت ابتسامته بقوة و شعر بالسعادة تمر عبر أروقة عروقه و توقف تماماً كل خلية عصبية متبقية عن التفكير، تنفس عدة مرات يسيطر على مجرى تنفسه لكنه لم يستطع... انها آستريد بحق الجحيم تتخذ هذه الخطوة و تمسك يده..! ابتلع ريقه، و جعلها حقا تبتهج بشكل مريب حين نطق بخفوت شديد قادم من اعمق نقطة....بين ضلوعه " اتعلمين آستريد" تكلمه جعلها تستفيق من شرودها رغم ذلك لم تفصل يديهما، بل شدت اكثر، " كنتُ دائمًا أتمنى أن أجدكِ في مكان كهذا، حيث لا جروح ولا نذبات... فقط لحظة معكِ." ما قاله جعلها تحبس أنفاسها دون ان تشعر حتى، و تنظر اليه بصمت تسمعه يضيف ممتنعا تماما عن التحديق بها، "متيقن انه إن كانت الجنة على الأرض، فأنتِ هنا..قرب هذا الماء، على هذه الحافة، وبيدي في يدكِ... " همس اخر كلمة يلمحها يعينيه السوداوتين اللتان حملتا توهجا غزيرا نحوها و مشاعر عديدة تمر و تذهب مع كل لحظة، لم يتخذ منه الوقت كثيرا لِكي يقترب منها وجهه لِخاصتها و أنفاسه على جلدها تحرقها في نشوة عارمة، " لا قواعد، و لا احد آخر، فقط نحن..." فرقت شفاهها لان الكلمات علقت في حلقها او ربما فقط لم تجد الطريق اليها,... صمتٌ احاطهما لعدة ثوانٍ، قبل ان تبتلع ريقها و تزفر انفاساً لم تكن تعلم حتى أنها تحبسها داخلها، " دايب لماذا احضرتني هنا؟!.." كان سؤالاً عادياً لكن لم يكن ما توقعه دايب رغم ذلك ابتسم-- ابتسم بخفة بذات الطريقة التي كانت تجعلها تذوب في الماضي و التي جعلت انقباضاً شديداً يحك صدرها الان... " لماذا احضرتني معكَ الى الجزيرة...تمنيت لو أنكَ اعدتني الى الميناء او تركتني اقتلكَ و اعيش في ذنبٍ طوال حياتي..." كانت نبرتها حزينة، لكنه لم يجد جوابها لانه ظن انها تسأله لماذا احضرها هنا للحافة و قرب الشلال، لكن يبدو ان سؤالها كان اعمق و اقوى وقعاً على مشاعره بطريقة تجعله يصمت لبعض الوقت ثم يتكلم بصوت مستقر لم يكن يظن انه سيكون مزيفاً بهذه الطريقة، " هل يزعجكِ وجودكِ هنا..." قولي لا رجاءا قولي لا تراوح الترجي داخل عقل دايب ينتظر منها ان تنهره و يعلم تماماً انها ستفتت مشاعره ارباً بإجابتها و لكن في كل مرة يجد .نفسه حبيساً لتلك الاعين و اسيراً لهذا الحب،... "لا... المكان رائع و السكان لطفاء... لكن " لم تكمل كلامها و زمت شفتها قليلا تضيف بِنبرة منكسرة " في كل مرة اراكَ، اشعر اني انهار... اعلم انكَ احببتني، اعلم انك لم تؤذني بل فقط-... احببتني بصدق لكن في المقابل.." توقفت و شدت قبضتها على خاصته دون وعي منها كأنها ارادت ان تقتل نفسها لهذه الحقيقة و شدة الندم، دايب لا يفهم شيئا مما يجري الان و التقضيبة التي تعتلي وجهه و ملامحه توضح ذلك، " في المقابل كدت اقتل قلباً جريمته الوحيدة كانت أنه أحبني... لا اصدق اني انانية لهذا الحد..و الاسوء انك لا تزال تريدني... رغم كل ما حدث ؟!" " آستريد..أ-أنا.. فقط " تلعثمت كلماته و لعن اسفل انفاسه لذلك، تنهد بتثاقل ثم حدق بها عن قرب و نهض من مكانه يتمتم بخفة، دون النظر لها و لاعينها الزجاجية التي تكاد تسقط دموعاً ، " أحضرتكِ لأريكِ شيئا، و يبدو ان هذا الحديث لن ينتهي بخير سوى ان أريتكِ نصفي الاخر..." ما قاله جعلها تقضب حاجبيها باستفهام، نصفه الاخر؟! .. عن ماذا يتحدث و اي شيئ يريد ان يريها...؟! ذلك ما ارادت معرفته، لذلك نهضت و بذات الاصرار السابق امسكت يده مجددا تسمح له بأخذها... الى النهاية العالم لو اراد ------------------------------------ هل تظنون ان الحب ينسى و يمحى من القلب هل ستعود استريد لدايب
hibastila