خطوات ضعيفة.. و مسافة قصيرة تفصلها عن مبيت دايب.. ربما تود الاعتراف لكن في قلبها نبضات تجذبها للابتعاد رغم رغبتها الشديدة في إصلاح دايب بعدما حطمته.. ألقت إبتسامة لطيفة على ناي التي مرت بِجانبها بِتنورتها البيضاء القصيرة.. ثم عبرت الى المنازل الجانبية تقف أمام عتبة بيت دايب و تدق الباب بِخفة. اخفضت رأسها ثم دقت مجددا بِذات الخفة كأن عار يُسقِط رداء شجاعتها و لأنه لم يفتح تمتمت ببطء " دايب اعلم انك هنا.. انا سادخل حسنا .. و آمل أن نحظى بِحديث صائب" ترددت بعض الشيئ قبل أن تمسك المقبض لكنها رغم عن ذلك امسكته بشدة و فتحت الباب تدخل.. منزله لم يكن كبيراً.. و كان فارغاً من أي علامات الحياة.. فقط أثاث صامت و رثيّ مع تقضيبة فضولية مررت أعينها على كل التفاصيل ببطء كأنها تأخذ وقتها. مرت عبر الرواق الصغير إلى الغرفة الجانبية خاصته حيث لم تجد شيئاً سوى سريره و مكتب صغير به ورقة فارغة و حبر.. مررت أصابعها عبر حافة المكتب ثم استقرت على الدولاب الجانبي لِتفتحه ببطء ثم تُخرج قبعة القرصان خاصته.. تلمستها بأناملها و تفحصت حوافها التي تبدو كَمُرافقهِ في العواصف و المعارك.. اخفضت نظرها و جذب بصرها حزمة من الرسائل الموضوعة هناك.. لِذلك و بذات الفضول و بدون تردد أخرجت الحزمة و جلسّت فوق كرسيّ المكتب.. مجدداً مررت أصابعها على حواف الرسائل المجمعة معاً كأنها تريد أن تحسّ بِالحكايا المندوبة على أطرافها الهشة، فتحت أول رسالة.. كانت تحمل منظراً قديماً و لونًا بنيًا مع تعرجات تبلل قديم.. لذلك و بكل عناية خائفة من افسادها .. فتحت الطوية و رأت خط دايب ينعرج بِحبر جاف على كل أطراف الورقة بإتقان و بِطريقة عبقة للغاية.. تنفست و لم تستطع أبدًا منع نفسها من التدخل و القراءة. « إليكِ.. يا من لا أعرف كيف أصفه، لأن كل الكلمات تبدو صغيرة أمام أثر العقد الذي يلف عنقي و الذي خَلَفَهُ أول لقاء بيننا كَرفرفة سعيدة لِقلب مرهق . أتذكر كيف ضحكنا معا.. و جرينا في الحقول .. كيف جمعنا الزهور و خاطبنا الخيول.. اتذكر كيف حادثنا البحر و عانقنا الصدور بضحكات خافتة كأن الضحكة خرجت من صدر الغيم لا من حلقنا. كنا نحاول فهم ما يعنيه الحب لنا و وجدنا انه فقط نحن، لم يلوث عشقنا قبلة لم تُحطهَا آثام بل كنا فقط مشغولين بالتمايل مع نسيم اللحظة و موجة كل حديث عبَّر مثل ورقتين اتفقتا على أن تطيرا معاً، دون خطة و دون وجهة او منعرج. فقط لأن الهواء بدا أجمل حين كنا فيه معاً. و بدت زرقة المحيط ابهج حين كنتِ بجانبي.. الان انا هنا وحدي.. زرقة السماء هي ما تحيطني و الحزن هو الوحيد الذي يؤنس وحدتي.. لطالما حلمت يوما ما ان تمسكيني في عناقٍ ابدي.. تحتضنين مشاعري.. يدي في يدكِ و الموج حديثنا.. لكني مجددا هنا.. الزرقة تعيسة و انا اكثر لم نعلم قط الى اين سنذهب.. الى اي اتجاه او اي مصير، لكننا كنا نحلم برقصات طويلة لنا و عواصف خفيفة علينا فوق المحيط.. لكني مجددا هنا.. الزرقة حولي حزينة و تذكرني بحزن اعينكِ.. انا مجددا هنا اتخبط في عشقٍ غير مسموع.. وواقع غير مرئي..» آستريد.. دمعة يتيمة سقطت عبر وجنتها المحمرة و صمت شديد إلتف حولها يُدفئها بِمشاعر حزينة كَلحافِ ذكرياتٍ ضاع عبر صدرها.. لقد حطمته.. كل ذرة به.. كل مشاعره.. و كل احلامه.. و بسببها أصبح قرصانا عظيماً لكن تعيسا .. خاليا من الحب تائها عبر المحيط.. مجردا من البهجة.. رفعت ابهامها تمسح الدمعة و بذات المشاعر فتحت الرسالة الثانية. « إليكِ.. يا من قطعتِ نياط قلبي و سمحتِ للموت بِالتسرب الى قلبٍ احبكِ، و الحريق يتهم اصابعًا صنعت الامل لكِ.. يا من اطفئتِ النور بعين رأتك تحملين الموج في شعركِ و البحار بِروحك و المحيط في عدسة عيناكِ.. آمل أننا ننظر لذاتِ النجوم في كل ليلة.. حيث الشوق يغلفني و الندم يحيطكِ، لِتعذيب قلبٍ مال مع كل نسمة لمستكِ و كلمة قصدتكِ، في كل بدرٍ يغلف ليلي.. و كل نجمة تلمع فوق ظلمة بحري.. ألمِس صدري، و اعانق قلادتكِ.. لاني أردت أن أحمل أثرك على جلدي... حتى لو لم تعودي إليّ يومًا. و لأنكِ كنت آخر ما اردت ان اتذكره و انا انزف.. سمحت لكِ بأن تقتليني في كل ذكرى إعلمي ان الشوق رفيقي على سطح السفينة.. و الحب المندثر يؤرق نومي فوق سريري.. كل زفرة تغادر رئتي تتلو اسمك.. تبعثر ذكراكِ عبر كل موجة.. عبر كل نسمة.. مع املٍ مني في ان تصطدم تلك الامواج في أطراف ميناءكِ.. و تدق النسمات عتبة بابكِ..." آستريد... وضعت الاوراق فوق الطاولة و ملامحها تنبض بالحزن. لم تستطع اكمال الباقي لان الامل قد تجدد في كل خلية منها و الذنب يحرق كل مفاصلها.. كيف.. كيف تجرأت ان تحضر هنا على مطلع جزيرتهِ.. و فوق سفينته لاعادة الموت لقلبهِ؟!. مسحت الدموع المالحة من وجنتيها و نهضت من مكانها تمسك فستانها الابيض الطويل و ترفعه حتى لا يعيقها.. لانها جرت قدر المستطاع تترك الباب مفتوحاً خلفها و تتقدم الى الامام تتفادى الاشجار للوصول الى الشاطئ و هناك وجدته جالساً.. على طرف الشاطئ حيث تلمسهُ كل موجة و تقبلهُ كل قطرة مالحة من محيطهِ.. تقدمت منه تصرخ بأعلى صوتها و بأشد شوقها لأنها أخيرا استوعبت القلب الذي لَطالما أحبها.. رغم بغضها و السم في قلبها و الأنانية في طبعها.. استوعبت الخطأ الذي اقترفته.. و الدم الذي اسالته.. و الروح التي كادت تقتلها.. جرّت و غصة في صدرها تقتلع روحها ببطء.. تخنق أنفاسها بشدة.. و تؤرق افكارها المظلمة.. إلتفت إليها هناك حيث يجلس علامة استفهام على وجهه و الغروب ينعكس على ملامحه السمراء و أعينه السوداء التي بدت لامعة بشدة.. " آستريد هل انت بخي-..." قاطعته تسقط امامه و تنظر اليه بهذا القرب.. لذلك اقترب منها ليطمئن عليها. لكنها منعته تلف ذراعيها حول جذعه العلوي. تشعر بجسده يتجمد تماماً في غير استيعاب لما يحدث و كيف ان آستريد تعانقه.. " هل تريدين طعني من الظهر بعد عناق أخير " همس بهذا عند اذنها يجعلها تضحك و تمسح دموعها في كتفه.. و هنا حين شعر بها تفعل ذلك فصل العناق و أمسك ذقنها بين اصبعيه يرفع ملامحها الانثوية الصارخة ناحية بصره حتى يرى جيداً.. يراها هي و وجها الذي أسقطه في بئر عميق من حبٍ سميكٍ. " هل تبكين ؟!" هزت رأسها بِنعم دون ان تنطق بحرف.. و لم يفصل اصبعيه عن ذقنها.. بل فقط اقترب منها يُشعرها بأنفاسهِ على بشرتها.. " و من أبكاكِ " ارتجفت شفتها السفلى في شفقة تامة على أعينه التي تنبض بالحياة في كل حركة منها.. لذلك اسنشقت ماء انفها و مسح هو الدموع الساقطة عبر خدودها. " لماذا بقيت تحبني بعد كل ما فعلتهُ لك دايب ؟!" نظر الى المحيط بعيدا .. تقضيبة تكشر وجهه.. و المحيط يكسر الصمت الذي أثاره هو " دعينا لانتكلم-..." قاطعته بشهقة باكية جعلته متفاجئاً " اريد اجابة.. اريد ان اعرف لما.. لماذا احببتني دايب رغم كوني وقحة و غير مستحقة"؟! نظر حوله كأن الكلمات تمتنع عن الظهور حين تكون حوله و حين تتصل عينها بِعينه.. بِقرب كَهذا و مشاعر كَهذه. الشاطئ يلمس أطراف اقدامهما.. و الرمال حولهما مبللة و ذهبية تلمع رغم الطقس الممطر و الغائم.. " أحببتكِ حتى وأنتِ تؤلمينني.. لأني كنت أعرف أن الذي طعنني لم يكن انتِ بل الخوف فيكِ، و لان قلبي تشبث فيكِ كملجأ لطفل فقد عائلته ووجد الحنان و الحب فيكِ" ابتلع ريقه يحدق بها بهذا القرب النسمات تقيدهما في لحظة عابرة.. و القبلة قريبة للغاية لكنها لا تأتي أبدا.. لا أحد منهما يملك الشجاعة للإقتراب و الكلمات لا تجد السبيل للخروج.. ربما يوما ما ستفعل بطريقة احسن و في حالة افضل.. حيث لا خنجر حول رقبته و لا ذنب يغلف روحها.. " لاني كلما اردت كرهكِ.. تذكرت روحكِ و كل تفاصيلكِ.. تذكرت دقائق تجمعنا.. و آمال تحيطنا رغم العوائق و الرفض.. كنت دوماً اتذكركِ ليس كالمرأة التي أرادت قتلي، بل حلمَت أن تكون زوجتي. و رفيقة الموج معي. " تنفست بهدوء.. و نسجت كل الكلمات في عقلها أولا و روحها ثانياً و أبدا.. نبضات شديدة تعانق صدريهما و تردد كبير يقودهما للجنون.. ظلام يحيط فكرة قبلة.. لانها لم تكن قط و حين كادت كاد الموت.. لانها لم تقترب منه الى الحافة و حين اقترب هو كادت ان تقتله هو عشقها بِهيام آسر كَنور القمر.. و نسيم يهز الروح بدون تعب .. حبها صار جزئا من وجوده و زفرات من أنفاسه.. حبها غرام رقيق يحيي زهور شبابه و شغف يزيد النشوة في كل موجة من بحار الهوى كَالولهان التائه في متاهة زرقة اعينها... يبحث عنها في كل منعرج.. و مع كل خطوة.. حبه جذبه إليها عبر عبق قديم من ذكريات لطيفة و أماكن خالدة في بلدة بعيدة عن كل نجمة..و رغم المنع و الرفض و الحرمان.. تعلق القلبان في توهج رقيق شده البحار و ربطه الليل و النجوم.. ليجتمع العاشقان.. فوق السفينة و بأطراف الشواطئ.. حيث تلمسهما الامواج.. و تعانقهما الرمال.. حيث تشاهد السماء. و ينبض كل قلب بإسم الاخر.. بدرجات من التخلل و العشق و الولهان.. و ينير شهاب حارق السماء المسائية التي اشتعلت فيها الليلة كحلقة موقدة من جمرة الحب.. ليشق السماء بخطٍ جذب الانظار و اصمت جزرا و بحار.. ربما لانه مرّ سابقا من ذات الجزيرة.. حدق ذلك الشهاب بقرصان تائه يبحث عن أمنية صغيرة و فرصة اخرى.. و ذلك ما يحدث حين تحدق النجوم و تصغي البحار.. تتحقق الاماني و يجتمع القلوب في صمت مثير و انجذاب عامر.. يده في يدها.. الذهب هو حبهما و الخنجر ليس سلاحاً لقتله بعد الان.. نظرت آستريد له بشدة لمعة في اعينها.. و حب ينبض به قلبها .. " لقد كنت احلم كذلك.. برقصات حميمة و قُبل كثيرة بدون ذنب او حرمان.. شعرت بكل دقة قادمة من النسيم و مصحوبة من بحار النعيم.. جذبتني طول الطريق الى قرصان منقذي... لم آتِ لاحياء نصف روحكِ بل لجعلهِ يُنسى في أثر حبنَا.. دعهُ يندثر أسفل الرمال لأني أنا هنا.. لا اتجرأ على التنفس إلا و إسمكَ هو أول شهقة..و حبُكَ آخر زفرة.. " ابتسم يقترب منها يشعر بالرغبة التي تأكل حواف وعيه و اعينه التي تجرفه الى قاع ذلك المحيط الهادئ الازرق.. الى نعيمه الازرق.. ليس الى ذلك التعيس.. بل الى البهجة.. الى النشوة "لا سيف طعن بي ما عينكِ فاعلة و لا لقاء عاصفة البحر مثل لقياكِ.. لو بات موت القدر في قلبي ما نال مني ما نالته عيناكِ " ____________________________
hibastila