الفصل 8: Initium (إينيشيوم، نقطة الانطلاق) "ثمة لحظات لا تحدث في الزمان، بل تحدث داخلك. كأنك تصل إلى مكان لم تسافر إليه، وتكتشف أنك كنت تقصده منذ البداية." كانت ليلة طويلة، طويلة على نحوٍ لا يُقاس بالساعات، بل بالصدق. لم تكن فيها رماز تلك الفتاة التي تُخبّئ الألم خلف ضحكاتها العالية، بل كانت عاريةً من كل ما اعتادت ارتداءه. جلستا حتى انطفأ القمر، يتحدثان في تلك الغرفة الضيقة عن أشياء لا تُقال عادة. لم يكن هناك حكم، ولا أقنعة، فقط الحقيقة. فقط ليل بارد، وحقيبة ممتلئة بهموم لا تُوزن بالكيلوغرامات. – "أحيانًا أحسّ أننا لا نُخلق، بل نُبعث مجددًا في كل وجع." قالتها رماز وهي تحدّق في السقف، وكأنها تحاول أن تقرأ وجعها بين الشقوق. ليا لم ترد. كانت تلك اللحظة لا تحتاج إلى صوت. كانت تعرف أن بعض المشاعر إذا وُضعت في كلمات، تفقد صدقها. في الصباح، كانت ليا تمشي وحدها. لم تقل وداعًا، لم تلتفت إلى الخلف. كانت المغادرة هذه المرة أشبه بخلع الجلد. غادرت بلادها، غادرت طفولتها، غادرت كل الأشياء التي كانت تنتمي إليها، أو تظن أنها تنتمي. وحدها، أصبحت أكثر وحدة. عندما فتحت عينيها، لم تكن في سريرها. كانت على التل. نسمة باردة صفعت خدها بلطف، وكأنها تذكّرها أنها ما زالت هنا، وإن تغيّر كل شيء. أول فكرة خطرت في بالها أنها لن تعود. قلبها ارتجف ألماً، لكن عقلها... صاح فرحًا. هل هذا هو التحرر؟ أم الهروب؟ أم كليهما؟ سارت بخطى بطيئة، كما تفعل دائمًا حين تفكر. كانت تبحث عن شيء لا تعرف اسمه. وصلت إلى الشجرة. التلة بدت كأنها تنتظر. وهناك، عند طرفها، جلس هو. كايل. كان هادئًا، كما لو أن العالم لا يعنيه. يرسم في دفتر صغير، ملامحه ساكنة، لكن في سكونه نوع من التحدي. شعره الأسود الطويل يتدلّى على جبهته، يخفي جزءًا من عينيه، ويزيدها غموضًا. عيناه سوداوان، عميقتان، فيهما نظرة لا تُقرأ، لكنك تشعر بثقلها. رموشه الطويلة منحت عينيه ظلًّا طبيعيًا، كأن الكحل أُسدل عليهما دون يد. ملامحه حادّة، غريبة التكوين؛ قد تراه لأول مرة، وتظن أنك تعرفه من مكان بعيد. بشرته سمراء خفيفة، توحي بأنه لا ينتمي لمكان واحد، بل لكل الأمكنة. جسده رياضي، بلا مبالغة، فقط ما يكفي ليبدو حاضرًا دون أن يتكلّم. لكنّ أكثر ما فيه جذبها، كان الصمت... الصمت الذي يشبه سؤالًا مؤجلًا. اقتربت بخفة، خائفة من أن يرفع رأسه ويُفسد المشهد. مع كل خطوة، كان يصبح أوضح، أكثر هدوءًا، أكثر كمالًا. كايل، الذي لم يكن يشبه أحدًا. يده اليمنى تلامس القلم، بعروقها الظاهرة، كما لو كانت تعزف لا ترسم. لحظة مقدسة. لكنه شعر بها. رفع رأسه ببطء، كأنما لا يريد للوقت أن يتوقف، لكنه يفعل. ابتسم، تلك الابتسامة التي تُقال فيها أشياء كثيرة دون أن تُقال. – "أهلًا بعودتك." – "أهلًا." أجابت ليا بصوتٍ أقرب للهمس. أغلق دفتره ووضعه جانبًا، وأشار لها بالجلوس. فعلت. سكتا قليلًا. الريح كانت تلعب بأطراف ثوبها، وبخصلات شعره. – "كايل... ماذا ترسم؟" أجاب دون أن ينظر إليها، كمن يقول شيئًا اكتشفه للتو: – "شيئًا يشبهني، أو يشبه من أكون." نظرت إليه طويلًا، ثم ابتسمت بخفة، وقالت: – "وأنا أكتب لأتذكر من كنت." ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تُرى بل تُحسّ. – "إذًا نحن لسنا بهذا الاختلاف." – "لكنّنا لسنا متشابهين أيضًا." – "ولا يجب أن نكون." قال كايل، ثم نظر إلى الأفق، وكأن الجواب هناك. لكن الصوت الذي قطع الصمت لم يكن صوت الريح، بل فتاة. – "لم أتوقع أن أراك تتكلم يومًا." التفتا في آنٍ واحد. كانت واقفة عند حافة التل، بثوب بلون الرماد، وشعر طويل بلون الشاي الداكن. لم تكن جميلة الجمال التقليدي، لكنّ فيها شيئًا يربك التوصيف. خطواتها كانت هادئة كأنها لا تلامس الأرض، ونظرتها ثابتة، لا تلمع ولا تخبو. ابتسم كايل دون مفاجأة. – "أورا." أومأت له بإيماءة بالكاد تُرى، ثم نظرت إلى ليا وكأنها تقرأها لا تنظر إليها. – "أنتِ غريبة." – "وأنتِ... لستِ كذلك؟" ردّت ليا بابتسامة خفيفة. جلست أورا دون دعوة، وكأن المكان يعرفها. حدّقت في السماء، وقالت: – "الغرباء هم أول من يصيرون جزءًا من كل شيء." سألتها ليا، بنبرة مزاح هادئ: – "هل تقولين هذا لكل من تقابلين؟" – "لا. البعض لا يحتاجون سماعه." أجابت أورا، ثم أضافت بهدوء: – "لكنّكِ تحتاجين أن تتذكري." كايل كان يراقب بصمت، كعادته حين تشتعل النار، لكنه لا يطفئها. – "ماذا عليّ أن أتذكر؟" سألت ليا، لكنها لم تتلقّ إجابة. في تلك اللحظة، ظهر شاب من جهة الشجرة، يتقدّم بخطوات واثقة، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة. – "أوه، محفل الأرواح الضائعة مجتمع اليوم. هل هناك دعوة سرية لم تصلني؟" ضحك كايل لأول مرة، تلك الضحكة النادرة، وقال: – "نيڤن." – "بعينه، للأسف." قالها الشاب وهو ينحني باستهزاء خفيف. كانت عيناه رماديتين، بشرته بلون الرماد الدافئ، لا لحية على وجهه، لكنه بدا أكبر قليلًا من عمره، كمن عاش أكثر مما ينبغي. له صوت خشن رغم شبابه، ونظرة لا تخلو من مكر ذكي. جلس بقربهم، ناظرًا إلى السماء. – "كلما صعدت إلى هذا التل، شعرت أنني في بداية أسطورة." ليا رفعت حاجبها. – "أسطورة؟ أي نوع من الأساطير تقصد؟" – "النوع الذي لا يؤمن به أحد، ثم يستيقظ فيه الجميع فجأة." أجاب، ثم نظر إلى أورا وأضاف: – "أورا تؤمن أننا نعيش داخل أسطورة لم تُكتب بعد. أليس كذلك؟" أورا لم ترد، فقط أغمضت عينيها للحظة. كايل التقط ورقة صغيرة كانت قربه، وطواها ببطء. – "الأساطير تبدأ حين يتوقف الناس عن البحث عن منطق." همست ليا: – "لكنني أبحث عن المنطق..." سكتوا جميعًا. هدأت الريح، وشعرت ليا أن شيئًا غير مرئي يتحرك في المكان. كأن الأرض نفسها تحتفظ بأسرار، تنتظر اللحظة التي يقرر فيها أحدهم أن يسمع. نهض نيڤن فجأة، وتمطّى بتكاسل، ثم قال: – "سأذهب. رأسي لا يتحمّل هذا الكم من الفلسفة صباحًا." ومضى بعيدًا بخفة ساخرة، كأن كل ما قاله لم يكن سوى مزحة، رغم أنه لم يكن كذلك. أورا تبعته بعد لحظات، لكن قبل أن تنهض، قالت لليا: – "أحيانًا، ما نظنه بداية، يكون في الحقيقة نهاية شيءٍ لم ننتبه له." وبقيت ليا مع كايل، تحت الشجرة، حيث الظلال كانت أكثر وضوحًا من الضوء. قال كايل بعد صمت طويل: – "هل تريدين أن تكتبيها؟" – "ماذا؟" – "هذه اللحظة." نظرت إلى يديه، إلى دفتره، إلى أثر الريح على أوراق الأرض، ثم إلى قلبها. – "لا... هذه سأحتفظ بها لي." كايل أومأ برأسه. ثم قال: – "إذن نحن نبدأ أخيرًا." وها هي التلة التي تشبه النهايات، صارت أول الطريق. وغادرا معًا، تاركين خلفهم دفترًا مفتوحًا على صفحة فارغة. •-------------------------------• أول تعليق هنا 🖤 أدري إن الفصل قصير، بس صدقوني حاولت أمده وما قدرت. حسيت المشهد يطلب ينتهي كذا، كأنه فصل قاطع فعلًا. ظهور البطل هنا كان متعمد، وحبيت أركز على حضوره أكثر من أي شيء ثاني. شخصيته مختلفة، وبتتضح أكثر قدّام. أما الرسمة اللي ظهرت؟ وراها قصة، مو شيء عابر. بتفهمونها بعدين، خلوها في بالكم بس. هذا كمان أول ظهور لشخصيات جانبية، حبيت أقدّمهم ببساطة، بدون شرح زايد. كل شخصية منهم لها خط واضح راح يبان مع الوقت. أبغى أعرف رأيكم... من لفت نظركم؟ ومين تتوقعون يكون له دور قوي قدّام؟ رأيكم يهمني كثير، وأنا أقرأ كل شيء. الفصل الجاي مختلف شوي، نبدأ فيه خط الأحداث بشكل أوضح. نشوفكم هناك.
Jou Ri