𝐂𝐡𝐚𝐩𝐭𝐞𝐫 𝟔: 𝐕𝐞𝐫𝐢𝐭𝐚𝐬

𝐂𝐡𝐚𝐩𝐭𝐞𝐫 𝟔: 𝐕𝐞𝐫𝐢𝐭𝐚𝐬

17 2

الفصل 6: Veritas (فِرِتاس... الحقيقة) "يقولون إنني أتوه... لكنني كنت دومًا أعود إلى حيث لا يستطيعون اللحاق بي." كان صباحًا حارًا، من ذلك النوع الذي يُرهق الشمس نفسها. الضوء يتسلل من خلف الستائر البيضاء كما لو أنه يحاول التسلل خلسة، مترددًا أن يزعج أحدًا في هذا المكان المُثقل بالصمت... والاحتمالات. جلست "ليا" أمام الطبيب، ظهرها مستقيم على غير عادتها، ووجهها هادئ بشكل يُثير القلق... لا الشفقة. يدها موضوعة بعناية فوق بعضها على ركبتيها. لا تعبث بخاتمها. لا تطرق الأرض بكعب حذائها. لا شيء يدل على تلك "الليا" القديمة التي كانت تفيض بالكلمات، وتغرق الجميع بفيض من الأفكار والأسئلة والنظريات الغريبة. كانت "ساكنة"... أكثر من اللازم. فتح الطبيب الملف، قلب الصفحات كما يفعل النادل مع قائمة طعام يعرفها عن ظهر قلب، ثم رفع رأسه نحوها وقال بنبرة مَن يُحاول أن يبدو مشغولًا أكثر مما هو عليه: "غالبًا... ما نراه هنا ليس مقلقًا. فقط حالة استمرارية لنمط من التفكير... نشاط ذهني مفرط... ربما ميول انفصالية طفيفة... لا تصل للاضطراب، بل حالة تأملية هروبية..." ثم توقف، رفع نظره من على الورق، وتأملها قليلاً كمن يحاول تذكر اسم فيلم شاهده في طفولته. "هل أزعجك ذلك؟" لم تجب. تابع، بنبرة محايدة كمن يلقي تعليمات تشغيل غسالة: "عزيزتي، أغلب الناس يعيشون في خيالهم... لكنك فقط، تعيشينه بطريقة أكثر... فنية؟" كلمة "فنية" بدت وكأنها مهرب مريح من تشخيص مباشر. كأنها كلمة ملونة حمراء تُلصق فوق شيء هشّ كي لا يُلمَس. لكنها لم تُعلق. لم تهز رأسها، لم تشكر، لم تتنفس حتى بصوت عالٍ. فقط، وقفت. وأخذت التقرير بين يديها برقة، كأنها تحمل ورقة طلاقها من واقعٍ لم يرضَ بها يومًا. كان الطبيب، وللحظة، يشعر براحة غريبة. ربما لأنها لن تعود. أو لأنها لم تجادله كعادتها. أو... لأنها، بنظره، توقفت عن "الثرثرة". لكنه لم يعرف أن الهدوء أحيانًا ليس شفاءً... بل استسلام مؤقت قبل الانفجار. خرجت من مكتبه بابتسامة مهذبة، لكنها لم تكن تُشبهها. ولا يغرّكم هذا الوجه الذي يدّعي السلام، فمن يحدّق جيدًا في عينيها سيعرف أن ما في الداخل لا يُشبه الخارج. وما إن فتحت الباب، حتى زمجرت عيناها بانزعاج حقيقي. السبب؟ أمامها الآن... تقف رئيسة قسم الادعاء والفوضى. أسوأ صديقة يمكن أن تبتلي بها فتاة مثل ليا. خرجت من مكتبه بابتسامة مهذبة، لكنها لم تكن تُشبهها. ولا يغرّكم هذا الوجه الذي يدّعي السلام، فمن يحدّق جيدًا في عينيها سيعرف أن ما في الداخل لا يُشبه الخارج. وما إن فتحت الباب، حتى زمجرت عيناها بانزعاج حقيقي. السبب؟ أمامها الآن... تقف رئيسة قسم الادعاء والفوضى. أسوأ صديقة يمكن أن تبتلي بها فتاة مثل ليا. رِماز كانت ترتدي قميصًا طويلاً برسوم غريبة، وشالًا مربوطًا حول خصرها كأنها خرجت من فيلم مزيج بين قراصنة الكاريبي وسندريلا. بلحظة صياح واندفاع، قالت الفوضوية تلك: "آه ليااا! رؤيتك تخرجين من هذا الباب تجعلني حقًا أرغب في الاسترجاع. إن كنتِ أنتي مجنونة... فماذا أكون أنا؟" رفعت ليا حاجبها الأيسر بلا اهتمام. تابعت الصديقة التي لا تعرف الصمت طريقًا: "ليا، أقسم أنكِ أكثر إنسانة عاقلة تعرفت عليها في حياتي." ردت ليا أخيرًا، دون أن تبطئ خطواتها: "ومن الأحمق الغير عاقل اللي قرر يصادقك أصلًا؟" قالت الأخرى مبتسمة، وكأنها أخذت كلامها كوسام: "أنت؟" تنهدت ليا وهي تسير بجانبها في رواق المستشفى. الرواق لم يكن صامتًا، بل مليئًا بأصوات منسيّة... فتاة تضحك وتبكي في آن، صوت عجوز فقد عقله اشتياقا فبات يغني نشيدٍ قديم يعني له الكثير، وامرأة تنضر الى الجدران وكانها تجادلها . كلهم يتكلمون بصوتٍ واحد. "صوتُ من التهمه خياله، ومن سَحقه واقعه، ومن نفي من وطنه... حتى صار متغربا في زوايا ذاكرته." قالت رِماز (اسم يحمل معنى "التمرد"): "أتعلمين... هذا المكان مخيف أحيانًا، لكن يروقني. لا أحد يتظاهر هنا." قالت ليا، دون أن تلتفت: "كلنا نتظاهر، رِماز. أنا حتى... أكثرهم براعة." سألتها بعد لحظة: "لماذا أتيتِ بعد كل هذه السنوات؟" أجابت ليا، نبرة صوتها كالخيط المشدود: "لأسمع رأيًا أخيرًا... قبل أن أُسكت ضجيج الواقع، وأعود إلى حيث أنتمي.." قالت رِماز: "أنا لا أراكِ غريبة. أنا أراكِ... رواية لم تُترجم بعد." لم تكن رِماز تدري... أنني رواية غير قابلة للترجمة. أكتبني بلغاتٍ كثيرة، لكن لا أحد يقرأني كما أنا. ينظرون إلى الغلاف، يحاولون نطق اسمي، لكنهم لا يسمعون الصمت بين السطور. كنتُ أضحك، نعم، ضحكتي كانت مرتبةً كفقرةٍ افتتاحية، لكن داخلي كان يشبه جملة غير مكتملة. تلك التي تُركت عمدًا... كي لا تُفهَم. في تلك اللحظة، لم أعد أسمع صوت رِماز، بل سمعت صوت الطفلة القديمة داخلي، تهمس كالعادة: "هل أنا حقيقية؟ أم أنني حلمٌ كتبه شخصٌ آخر ونسيني؟" رفعت بصري إليها، ابتسمتُ كي لا تنهار الحروف في عينيّ، وقلت: "وأنتِ... أيّ فصلٍ من حياتي أنتِ؟" ابتسمت المجنونة رِماز، وحدقت في السماء الرمادية قبل أن تقول بنبرة فيها شيء من العبث وشيء من الحزن: "أعتقد أنني الخريف، لأنه فصل الفوضى." فلتت ضحكة قصيرة من "ليا"، ضحكة أشبه برغيف ساخن في صباحٍ بارد. كانت تضحك، رغم كل ما في داخلها من جليد. هذه هي رِماز... الفوضى الوحيدة التي تفهمها. قالت "ليا" برقة ممزوجة بالتوبيخ: "أيتها الحمقاء... الخريف هو أكثر الفصول نظامًا وأناقة. أوراقه تسقط بترتيب، ألوانه متناسقة، حتى موته هادئ." ضحكت رِماز، هزّت كتفيها بلامبالاة وردّت: "إذن أنا أكثر الفصول فوضى. الخريف يشبهكِ، استخدمي عقلكِ." ابتسمتُ. وللمرة الأولى، لم أسأل نفسي إن كنتُ أفهم كل شيء... ولا حتى إن كنتُ على ما يرام. رِماز لا تزال تضحك هناك، بين أوراق الخريف، تعبث بشَعري وتخبرني أن العالم لا يحتاج إلى تفسير، فقط إلى قلب لا يخاف أن ينبض. ربما كنتُ أنا الرواية التي لم تُترجم. وربما لم أُكتب بعد. لكنني الآن... أكتبني. وأدعُ الآخرين يخمِّنون النهاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المُغْتَرَبون - Nowhere People

المؤلف Jou Ri
2025/07/28 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة