الفصل 7: Domus (دُومُس،البيت) "بعض البيوت لا تُبنى من طوبٍ وحجارة، بل من ذاكرة... ومقعدٍ لا يُشغل." كان الجو دافئًا، كما لو أن الوقت قرر أن يتوقف على عتبة المساء. ضوء الشمس كان ينسكب على الأرضية الخشبية كعسلٍ ثقيل، يملأ الزوايا برائحة الطمأنينة. صوت ضحكاتٍ من الغرفة المجاورة، رائحة خبزٍ يخرج لتوّه من الفرن، ولمعةُ الأباريق النحاسية التي لم تتغير منذ الطفولة. كان منزل ليا... مثاليًا. أربع أخوات، أم حانية، وأبٌ يحكي النكات القديمة التي لم تَعُد تُضحك أحدًا سوى قلبه. ليا كانت الأصغر، والأقرب إلى كلّ شيء... وإلى لا شيء، كأنها تضع العالم في صدرها. لكن شيئًا ما ظلّ يطرق في داخلها بصمتٍ لا يُسمع. تلك الليلة، غادرت. لا وداع، لا حقائب ثقيلة، لا أوراق على الوسادة. فقط قلبٌ يُدرك أنّه لا ينتمي، ولا يعرف كيف يشرح ذلك. غادرت بيتها، وغادرت روحها الضعيفة... لتصبح أقوى، ولتجد من تكون. ... لم تعرف كيف وصلت إلى هناك. البيت المتواضع في طرف المدينة، الطريق الضيق، وصوت الباب الخشبي يئنّ خلفها. رِماز كانت تجلس هناك، وحيدة، كأس شاي أمامها، وفنجان آخر... فارغ. نظرت إليها، دون مفاجأة، وكأنها كانت تنتظرها منذ زمن. – "أتيتِ إذن." لم تجب ليا. جلست بصمت، كأنها تعرف أن الكلمات ستأخذ وقتها. – "ما زلت أُحضّر فنجانين." قالت رِماز، مبتسمة بشحوب. "ربما لأنني لم أتعوّد أن أعيش لنفسي فقط." كانت ليا تعرف. رِماز لم تترك شيئًا وراءها. الحرب أخذت كل شيء: أهل، منزل، ضحكة. تعلم أن رغم كل تلك العفوية، فهو قناع. قاطع حبلَ تفكيرها: – "أنتِ غادرتِهم." قالت رِماز، وهي تُمرّر أصابعها على حافة الفنجان. "أما أنا... فكل شيء غادرني." سكن الصمت بينهما. لم تكن المقارنة عادلة، لكنها كانت حقيقية. أرادت ليا أن تقول شيئًا. أن تعتذر مثلًا، أو تشرح، أو تنكر الألم بالمزاح... لكنها لم تفعل. ربما لأن الجرح لا يحتاج تبريرًا، بل من يفهمه دون أن يُسأل. أخذت الفنجان الفارغ، ملأته من إبريق الشاي، ثم شربت بهدوء. كان الطعم مرًا... أو ربما هي فقط. رِماز ظلت تنظر للنافذة، كأنها ترى من خلفها بلادًا لم تعد موجودة، وأناسًا صاروا مجرد ذكرى غير قابلة للاستعادة. – "في الليل، أسمعهم." قالت فجأة. "صوت أمي وهي تناديني... رائحة الخبز في التنور، والزعتر، ولذة مذاق المقلوبة... حتى لعبتي القديمة. كأن الذاكرة تأبى أن تُغلق الباب." – "وأنا..." همست ليا. "أنا أهرب منهم. من الذاكرة. من البيت. من كل ما يُفترض أن يُشعرني بالأمان." نظرت إليها رِماز، بعينين لم تعودا تتوقعان شيئًا من العالم، لكنها قالت بهدوء: – "ربما نحن فقط نبحث عن منزل لا يغادرنا، حتى لو غادرنا كل شيء." ابتسمت ليا ابتسامة خفيفة، ورفعت الفنجان في تحية صامتة، ثم قالت: – "أخبريني... كيف تنجين كل هذا الوقت؟" – "أنا لا أنجو يا ليا. أنا فقط أتعامل مع الألم كما أتعامل مع الشاي... أسكبه، وأشربه، ثم أضع الفنجان جانبًا... وأعيد الكرّة." ضحكتا سويًا، ضحكة خفيفة لا تُشبه الفرح، بل تُشبه حياةً مستمرة رغم كل شيء. وفي تلك اللحظة، شعرت ليا بشيءٍ غريب... شعور لا يُشبه الانتماء، ولا يُشبه التيه... بل يُشبه شخصين قررا أن يتقاسما الصمت لأن الكلام لم يعد مجديًا. في منزل لا يُشبه منزلها، مع صديقة لم تسألها يومًا لماذا، ولا إلى أين، ولا متى تعود... شعرت ليا، لأول مرة منذ زمن بعيد... أنها لا تحتاج أن تشرح. فبعض البيوت لا تحتاج جدرانًا. يكفي أن تجد فيها شخصًا يعرف كيف يحتفظ بمقعدٍ فارغٍ لك... حتى وأنت غائب.
Jou Ri