درب الظلال

درب الظلال

13 0

سارت المجموعة في صمت مطبق، والموت يحيط بهم من كل اتجاه. كان الجميع يفكرون فكرة واحدة: "نحن مستعدون للموت كعائلة، ولن ندفن أحداً منا ويبقى الباقي يعيش منتعماً." ذلك الصمت لم يقطعه سوى حفيف أقدامهم على الثلج الرطب، وأنفاسهم المتجمعة كسحب صغيرة تذوب في الهواء البارد. لم يعد أحد يعرف من يقود ومن يُقاد. كان أبو بكر يتقدمهم بخطوات واثقة، كمن يعرف دروب الغابة كما يعرف ظهر يده؛ فخبرته في ميادين الحرب لا تكفيها الأوسمة. لكنه لم يلتفت إليهم ولو مرة واحدة.

خلفه، كان إريك يمشي وعيناه لا تفارقان ظهر الرجل الغامض. يده اليمنى ما زالت قابضة على مسدسه Walther P38، لكنه لم يرفعه. كان يعلم أن أي رصاصة الآن ستكون انتحاراً، ليس لأنه سيُقتل، بل لأنه سيقتل الفرصة الوحيدة للنجاة. فهو عكس أبو بكر الذي لا يهاب الموت؛ أما إريك فيحب طريقة واحدة في الموت، وسوف تكتشفونها لاحقاً.

إستر كانت تحمل عائشة على ظهرها، الفتاة الصغيرة قد أتعبتها الرحلة الطويلة، ورأسها الثقيل كان يستند إلى كتف إستر. كل خطوة كانت تقطر تعباً، لكن إستر لم تشتكِ. عيناها كانتا على إريك، ثم على أبي بكر، ثم على الغابة من حولهم، كمن ترقب هجوماً من كل اتجاه.

شولتز كان يساعد كوهلر الذي لم يتوقف عن الهمس لنفسه. كان يبدو كرجل فقد عقله في طريق الحرب، أو ربما وجده لأول مرة.

جاك ومايك والجندي الخامس كانوا في المؤخرة، يتناوبون على حمل معداتهم البسيطة وجرحهم. جاك كان ينظر إلى الخلف بين الحين والآخر، كأنه يخشى أن تطاردهم أشباح الموتى الذين تركوا وراءهم، أو الأسوأ: ملاحقتهم من طرف جنود الحلفاء والمحور معاً.

فجأة، رفع أبو بكر يده اليمنى عالياً. توقف الجميع كالساعة التي أوقف عقربها فجأة.

أبو بكر: (بصوت هامس، دون أن يلتفت)

اسكتوا. لا تتحركوا. هناك شيء أمامنا.

إريك: (بنظرات خوف)

هل هم جنود المحور؟

ثم أضاف بنبرة سعادة وتعجب قائلا:

هل حقاً سوف يتحقق حلمي؟

تجمدت القلوب. تقدم إريك خطوة حذرة، ومد يده إلى إستر ليأخذ منها عائشة دون أن ينبس ببنت شفة. أخذ الفتاة بين ذراعيه، وشعر بدنو جسدها البارد ورعشتها الخفيفة. لكنه لم ينظر إليها؛ كان يحدق نحو الأمام حيث تشير يد أبو بكر.

في البداية، لم ير شيئاً. ثم رأى وهجاً صغيراً بين الأشجار. ضوء خافت، متذبذب، كأنه شمعة في كوخ بعيد، أو فانوس في يد شبح.

كوهلر: (يهمس برعب)

Was ist das?

("ما هذا؟"

شولتز: (يضع إصبعه على شفتيه)

Pssst.

هشش.

تقدم أبو بكر ببطء، ثم التفت إليهم وأشار بيده أن ينتظروا. انطلق وحده نحو الضوء، متسللاً بين الأشجار كذئب خبير، خطواته لا تصدر أي صوت على الثلج.

الجميع انتظروا. الدقائق مرت كالدهور. برد الهواء كان يخترق العظام. همس جاك لـمايك:

جاك: (بصوت خافت)

I don't trust him.

"أنا لا أثق به."

مايك: (بنبرة مرهقة)

Do you have a choice?

هل لديك خيار؟"

عاد أبو بكر بعد دقائق معدودة، لكن عينيه كانتا مختلفتين. كان فيهما شيء من الارتياح وشيء من القلق المتجدد.

أبو بكر: (بصوت منخفض)

هناك كوخ مهجور. يبدو آمناً. سنبيت فيه الليلة.

إريك: (لأول مرة يتكلم منذ ساعات)

ومن قال إننا سنبيت؟ يجب أن نواصل السير.

أبو بكر: (ينظر إليه ببرود)

أنت لست في الجيش الآن يا إريك. هنا، أنا من يقرر. وأنت تعرف لماذا.

ثم ابتسم قائلاً:

أبو بكر:

إريك... لا تخف. ستحظى بفرصتك، وستنال رغبتك، وسأكون حاضراً فيها.

نظر الرجلان إلى بعضهما البعض طويلاً. كانت عيون أبو بكر تحكي قصصاً لم يروها بعد، وعيون إريك تحاول قراءة ما بين السطور، بينما الباقي لم يفهموا مقصدهما، أو السرَّ خلف كلامهما المشفر.

إستر كانت تراقبهما من بعيد. شعرت فجأة أن هذه الغابة ليست مجرد غابة، وأن هذا الطريق ليس مجرد طريق. كان هناك شيء ما في علاقة هذين الرجلين لم يُكشف بعد. شيء أعمق من الحرب، وأقدم من هذه الرصاصات.

أدار أبو بكر ظهره وتوجه نحو الكوخ بحذر.

أبو بكر: (دون أن يلتفت)

تعالوا. البرد سيموتنا جميعاً قبل أي عدو.

بدأوا يتحركون مرة أخرى، هذه المرة نحو ضوء شمعة بعيدة، نحو ليلة أخرى من المجهول، نحو كوخ قديم قد يكون ملاذاً... أو قد يكون فخاً.

وكانت السماء الرمادية لا تزال تهدد بمزيد من الثلج، بينما كانت الغابة تهمس بأسرار لا يعرفها إلا موتاها. والقدر كان يكتب لهم سيناريو جديداً، حول قصة عائلة تحدت أوامر قادة الحرب من أجل مبادئ إنسانية والحب البشري.

دخلوا الكوخ واحداً تلو الآخر، كظلال منهكة تبحث عن جسد يضمها. كان المكان ضيقاً، جدرانه خشبية متآكلة، ونوافذه مسدودة بألواح بالية تسمح لشظايا الضوء القمري بالتسلل كعيون خائفة تراقب من بعيد. في الزاوية، كانت موقد حجري قديم، لا يزال يحتفظ ببقايا رماد من دفء مضى وذكريات منسية.

أبو بكر كان أول من دخل، وبدأ ينظف الموقد بسرعة، ثم أشعل النار بقداحته النحاسية. اتقدت النار ببطء، وكأنها تستأذن الحياة قبل أن تعود إلى هذا المكان المهجور. سرعان ما انتشر الدفء في الغرفة الضيقة، وبدأ الثلج الذائب من ملابسهم يتبخر في الهواء كدموع متأخرة.

إريك لم يجلس. وقف قرب الباب، عيناه لا تفارقان الغابة من خلال شق في الخشب. كان مسدسه لا يزال في يده، وجسده متوتر كقوس على وشك الانطلاق.

إستر جلست في الزاوية الأكثر أماناً، وضعت عائشة على حجرها، وبدأت تمسح شعرها المبتل ببطء. الفتاة الصغيرة كانت قد أغلقت عينيها من الإرهاق، لكنها لم تنم بعد. كانت تستمع.

شولتز وكوهلر جلسا بجانب الموقد، وجوههما تعكس ضوء النار المتمايل. لم يتكلما. لم يعد لديهما ما يقولانه.

جاك ومايك والجندي الخامس انكمشوا في زاوية أخرى. كانوا لا يزالون يحملون أسلحتهم، لكن أعينهم كانت تظهر أنهم بدأوا يفهمون أن الحرب لم تعد بين ألمانيا وأمريكا. كانت الآن بينهم جميعاً وبين الظلام.

صمت طويل ساد المكان، لا يقطعه إلا طقطقة الحطب وصفير الريح خارج الجدران ثم فجأة، تحدث أبو بكر. لم يرفع صوته، لكن كلماته كانت أثقل من الرصاص:

أبو بكر: (وهو ينظر إلى النار)

أتعلمون لماذا أنقذتكم؟

لم يجب أحد.

أبو بكر: (بعد لحظة)

ليس لأني أحبكم، ولا لأني أؤمن بقضيتكم. أنقذتكم لأن الموت لم يأتِ بعدُ وقتكم فيه.

رفع عينيه نحو إريك قائلا :

بعضكم مدين لي بحياة. وبعضكم... سأطالب بثمنها لاحقاً.

إريك: (بنبرة باردة)

منذ متى وأنت تحاسب على الحياة يا أبا بكر؟ كنت دائماً تبيعها لمن يدفع أكثر.

ابتسم أبو بكر ابتسامة مريرة، كمن يتذكر نكتة قديمة لا يفهمها سواه:

أبو بكر:

كانت أسعار الرصاص غالية، يا إريك. أما الآن... فالرصاص أصبح رخيصاً. الثمن الحقيقي شيء آخر.

نظر إلى إستر للحظة قصيرة، ثم عاد إلى النار.

إستر: (بجرأة حذرة)

وماذا تريد منا الآن؟

أبو بكر: (بهدوء)

أن تبقوا على قيد الحياة. هذه أبسط رغباتي. أما الباقي... فسيأتي مع الصباح.

قام أبو بكر وذهب ليجلس بالقرب من الباب، جاعلاً من جسده حاجزاً بينهم وبين البرد... أو ربما بينهم وبين شيء آخر.

إريك بقي واقفاً. عيناه لم تفارقا ظل أبو بكر طوال الليل. ثم تحدث قائلاً:

إريك:

أبو بكر... سأدفع لك دينك في نهاية هذه الرحلة.

أبو بكر: (ممازحاً)

أعلم أنك ستدفع ذلك، لكن هل هناك شرط محدد؟ فطريقة دفعك للدين أكثر من الدين نفسه.

نظر إريك نحو إستر، ثم سكت. عندها فهم أبو بكر القصة.

أبو بكر:

لك ذلك... لكن لا تتعلق. فأنت لم تُخلق لهذه الحياة.

لم يرد عليه إريك، واكتفى بالصمت المميت.

إستر ضمت عائشة إليها، وبدأت تهمس بأغنية قديمة بالعبرية، عن أطفال يعبرون البحر، وسماوات تفتح لهم أبوابها.

كوهلر بدأ يبكي بصمت، دموعه تسقط على يديه .

شولتز أدار وجهه نحو الجدار.

جاك ومايك تبادلا نظرة طويلة، ثم أغمضا أعينهما دون أن ينطقا بكلمة.

في الخارج، كانت الغابة لا تزال صامتة. الثلج ما زال يتساقط بهدوء، يغطي آثار الدماء والرصاص والخطوات. القدر كان لا يزال يكتب، والموت كان لا يزال ينتظر.

وفي داخل الكوخ، عائلة غريبة مجتمعة تحت سقف واحد، لا يجمعهم دم ولا دين ولا وطن. يجمعهم فقط الخوف والأمل وسر غامض يربط بين رجلين، لا يعرف أحد حقيقتهما بعد.

وامتد الليل طويلاً، والنار تشتعل ببطء، والظلال ترقص على الجدران. والجميع يعلم أن الفجر القادم قد يحمل معه الخلاص... أو قد يحمل معه النهاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وقعت في حب نازي

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/25 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة