لم تكن اللحظة التي تلت وابل الرصاص مجرد صمت. كانت رياحاً عاتية تجتاح وعياً كاملاً، وتعصف بكل ما كان مؤكداً قبل ثوانٍ. ثم جاءت الرصاصات كسياط نارية، تمزق أجساد الجنود الأمريكيين الذين وقفوا قبل لحظة جلادين، فصاروا فجأة ضحايا في لعبة لا يعرف قوانينها أحد، ولا يمكن التوقع من هو الفائز فيها، فحتى الحليف والصديق يمكن له أن يغدر ويخون.
تساقط الجندي القائد أولاً، رصاصة قناص دقيقة اخترقت صدره من جهة اليسار، حيث لا تحمي وثائق ولا دروع. سقط على ركبتيه، ثم انهار كجذع شجرة أُطيح به بعنف. تلاه الجندي الثالث والرابع وسط صرخات مذعورة، والدماء ترسم لوحة حمراء على الثلج الأبيض. وإريك فاغنر، بتلك الابتسامة الشيطانية، كان ينظر نحوهم، ثم يحوِّل بصره نحو عدسة القناص التي تلمع من بعيد، ويتراجع خطوة إلى الوراء، ثم ينتظر بصمت.
الجندي الخامس فقط نجا بصعوبة، زحف تحت الشاحنة المحطمة، عيناه مذهولتان، يلهث كسمكة خرجت من الماء.
في قلب هذه الفوضى، وقف إريك فاغنر كمن خُلق للعواصف. لم يركع، لم يختبئ، بل انتصب كعمود في زلزال، وعيناه تجوبان الغابة باحثتان عن الظل الذي أطلق النار، متسائلاً عن وسيلة اختفائه وتغيير مكانه. على الرغم من تلك الراحة النفسية، إلا أنه كان يشعر بالشك في أن يكون هذا البطل هو أبو بكر.
الرشاش MG 42 سكت فجأة. القنص توقف. وعاد الصمت، لكنه هذه المرة كان صمتاً يتنفس، صمتاً مليئاً بالأنين والدماء والبارود.
إستر كانت لا تزال تحضن عائشة، جسدها يغطي الفتاة الصغيرة كدرع بشري. رفعت رأسها ببطء، فرأت جثتين أمريكيتين على الأرض، ودماء تسيل في ثلوج بولندا الباردة، وإريك لا يزال واقفاً، مسدسه مرتخٍ في يده، وعيناه تلمعان كجمرتين تحت رماد الحرب.
كوهلر كان يجثو على ركبتيه، يرتجف كطفل ضاع في عاصفة ثلجية. شولتز كان ينظر إلى السماء، لا إلى الأرض، شفتاه تهمسان بدعاء لم يسمعه أحد، مما يجعلك تتيقن أن الإنسان لا يتذكر ربه إلا عند الشدائد أو عند اقتراب الموت.
جاك ومايك كانا لا يزالان على قيد الحياة. جاك سحب مايك خلف إطار الشاحنة، وعيناه تتابعان كل حركة في الغابة.
الجندي الخامس زحف نحو جاك، بصوت مبحوح مرتعب:
الجندي الخامس: (بالإنجليزية)
Who... who are they? Who's shooting?!
("من... من هم؟ من يطلق النار؟!")
جاك: (بنبرة جافة)
I told you. We're all targets. Now shut up if you want to live.
("قلت لك. نحن جميعنا أهداف. الآن اصمت إذا أردت أن تعيش.")
من بعيد، من بين الأشجار الكثيفة، سمعوا صوت خطوات. خطوات ثقيلة، واثقة، تقترب ببطء دون خوف. كل العيون تطلعت نحو الغابة، قلوب الجميع تدق بسرعة، وأيديهم تبحث عن أي سلاح قريب.
ثم خرج من الظل... أبو بكر لكنه لم يكن أبو بكر الذي عرفوه. كان يرتدي معطفاً ثلجياً ممزقاً، وبندقية قنص Mosin-Nagant على ظهره، ورشاش MG 42 في يده اليسرى. لكن العيون... العيون كانت مختلفة. كانت تحمل شيئاً من الجنون الهادئ، شيء من الانتظار الطويل، شيء من الثأر الذي لم يكتمل كأنه تغير كليا فالحرب تخرج شيطان الانسان وتنسيه الانسانية و الحضارة التي نحن البشر ندعيها.
توقف على بعد خطوات من المجموعة، ورمى الرشاش على الأرض بصوت عالٍ. ثم رفع عينيه إلى إريك، وابتسم ابتسامة غريبة، لم تكن ابتسامة فرح، بل ابتسامة شخص وجد ما كان يبحث عنه بعد غياب طويل.
أبو بكر: (بصوت هادئ، يكاد يكون طبيعياً)
لم أتأخر كثيراً، أليس كذلك يا إريك؟
لم يرد إريك. كان لا يزال يحدق في الرجل الذي أمامه، يحاول التوفيق بين ذكرى شخص عرفه... وهذا الشبح الذي يقف أمامه الآن.
إستر زفرت بارتياح حذر. عائشة رفعت عينيها الصغيرتين لترى من أنقذها، لكنها لم تفهم تماماً ما كان يحدث.
شولتز نظر إلى أبو بكر بعيون مليئة بالحيرة والامتنان والخوف في آنٍ واحد فهذا حدث من قبل ، هذا التحول المفاجئ ليس غريب عنهم لكن كل مرة تختلف الاسباب و الضحايا هو أريك و الالمانية النازية .
كوهلر توقف عن البكاء، وحدق في الرجل الذي بدا وكأنه جاء من العدم لذلك العراقي الذي غرست في قلبه الرجولة وحب الموت ليزال نفس الشخص الذي كان سندهم و الجبل الذي يحميهم من عواصف الغذر و الخيانة ، ربما هو مرتزق لكنه وفي و مخلص لمن يدفع أكثر وفي هذه العائلة الغربية سقط مبدا المال لكي يستبدل بالحب و الوئام.
تقدم أبو بكر خطوة، ثم نظر إلى الجثث الأمريكية الملقاة على الأرض، ثم إلى جاك ومايك والجندي الخامس، ثم عاد إلى إريك:
أبو بكر: (ببرود)
لدينا الكثير لنتحدث عنه. لكن ليس هنا. وليس الآن. الغابة لا تزال تسمع، وأشباح أخرى قد تأتي.
نظر إلى إستر ثم إلى عائشة، وابتسامته أصبحت أكثر دفئاً للحظة:
أبو بكر:
أنتما بخير؟ لم يمسسكما شيء؟
هزت إستر رأسها لا، لكنها لم تستطع أن تنبس بكلمة.
أدار أبو بكر ظهره لهم، ونظر إلى أعماق الغابة:
أبو بكر: (بحزم)
تعالوا. أعرف مكاناً آمناً. ليس بعيداً. لكن يجب أن نتحرك الآن. كل دقيقة هنا قد تكون الأخيرة.
بدأ يمشي دون أن ينظر خلفه، واثقاً أن الجميع سيتبعونه. وبالفعل، بدأوا بالتحرك واحداً تلو الآخر: إريك أولاً، ثم إستر تحمل عائشة، ثم شولتز يساعد كوهلر، وأخيراً جاك ومايك والجندي الخامس، يحملون جراحهم وأسئلتهم فلا تسمع همسا كلهم يتبعونه كالقطيع الذي يسير خلف الراعي .
كانت الغابة البولندية تبتلعهم واحدة تلو الأخرى، كما تبتلع الذئاب قطيعاً ضالاً. فوقهم، كانت السماء الرمادية تعد بمزيد من الثلج. وخلفهم، بقيت الشاحنة المحطمة والجثث الملقاة، لتشهد على لحظة تحول مصيري، حيث انقلبت كل ولاءاتهم، وانهارت كل تصنيفاتهم، وبدأوا رحلتهم الجديدة خلف رجل غامض، يحمل في عينيه أسئلة لا يجرؤ أحد على طرحها فليس لكل سؤال جواب وهنالك اسئلة اذا انتابك الفضول من اجلها فتاتيك الإجابة و ملك الموت يرافقها.
والطريق أمامهم كان طويلاً... وموحشاً... وربما بلا نهاية، لأن لا أحد يعلم ما يخبئه لهم القدر. والجميع يعلم أنه مهما تنوعت الأشكال والأنواع، سيفترق الجميع عند نقطة معينة، ولن تبقى هذه العائلة الغريبة المتماسكة. ربما أنا متشائم، لكنني واقعي: لا يمكنك أن تهزم النظام أو تراوغه. فكلنا بيادق نُحرَّك ونُقاد نحو الموت، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
Imad chelloufi