بعد الحرب العالمية الأولى وخسارة ألمانيا، قرر الطاغية هتلر الانتقام من فرنسا وبريطانيا بإشعال الحرب العالمية الثانية، لتشهد البشرية مجازرَ وحشيةً لا أخلاقية. لكننا لسنا هنا لنلقي درسًا في التاريخ، أو لنخطب في الإنسانية، بل لنسرد قصة جندي ألماني يُدعى إريك فاغنر، الذي قرر أن يقف في وجه آلة النازية من أجل شيء ثمين دخل حياته فجأةً، وقلب عالمه رأسًا على عقب.
فهل أنت مستعد لتعيش هذه القصة معي، أم أنك من أولئك الذين يفضلون القصص العادية؟
شتاء 1942، في مدينة أوشفيتز البولندية المحتلة.
كانت السماء رمادية، كأنها مغطاة بحجاب من الرماد، والهواء باردٌ يخترق العظام. في شارع ضيق بقرية صغيرة، وقف الرجال والنساء والأطفال يرتجفون في ثيابهم البالية، وعيونهم تبحث في الأفق عن شيء مجهول: هل هو خلاص؟ أم موت؟
الجنود الألمان وقفوا في صفين، بزيهم الرمادي، وبنادقهم مسلطة، وعيونهم جامدة كالزجاج. صرخ أحد الضباط بأمر حاد بالألمانية، لم يفهمه أحد، لكن الجميع أدرك معناه: "تحركوا". بدأ الناس يمشون ببطء، وسط دفعٍ وصفعٍ من عصي الجنود. بعض الأطفال بكى، وآباؤهم حاولوا تهدئتهم بأصوات خافتة خائفة، كأن البكاء نفسه جريمة.
في الصف الأول، رجل مسلم يحمل طفله الصغير، وعيناه تنظران إلى الجندي الذي يدفعه. لا يصرخ ولا يقاوم، بل يهمس بآية قرآنية كوداع أخير. بجانبه، امرأة يهودية تمسك بيد ابنتها، وعيناها تبحثان في وجوه الجنود عن إنسان، عن رحمة، لكن لا تجد سوى وجوهًا باردة منحوتة من صخر.
كان القطار ينتظر على الرصيف، عربات الشحن مفتوحة ومظلمة، تشبه توابيت ضخمة. الجنود يدفعون الناس داخلها كالقطعان. رجل يهودي حاول التمسك بتوراته، لكن جنديًا انتزعها منه وداس عليها بحذائه الثقيل. نظر المسلم إلى اليهودي، وهمس: "الله واحد، ونحن واحد في هذا الألم."
أُغلق الباب بقسوة، وساد الظلام. في الداخل، أنفاس مكتومة ودموع ودعوات من دينين مختلفين، ترفع إلى السماء نفسها. بدأ القطار يتحرك، متجهًا نحو المجهول، نحو المصير الذي لا يفرق بين مسلم ويهودي إلا في الاسم، أما الألم فكان واحدًا.
بينما كانت المدينة تشهد القتل والتعذيب، كان هناك بصيص أمل مختبئ في منزل على أطراف المدينة.
في قبو منزل مدمر، تختبئ امرأة حديدية الإرادة لا تنكسر بسهولة. كان القبو رطبًا تنبعث منه رائحة العفن والتراب الرطب، وتُبلل جدرانه تسريبات المياه الباردة. الضوء الوحيد كان شريطًا رماديًا باهتًا يتسلل من فتحة تهوية مسدودة بقطعة قماش ممزقة. على رف خشبي متآكل، وقفت شمعة صغيرة لم يتبق منها سوى بضعة سنتيمترات، تحرس ظلالهما المرتعشة كحراس أرواح خائفين.
جلست إستر – البالغة من العمر ثمانية وعشرين ربيعًا – متكئة على جدار بارد، ملفوفة بمعطفها الرث الذي لم يعد يحتمل البرد. في ضوء الشمعة الخافت، بدا وجهها النحيل رقيقًا كقشرة بيضة. شعرها البني الفاتح، الذي كان يومًا ما لامعًا وكثيفًا، أصبح باهتًا ومربوطًا بإهمال في كعكة من الخلف. لكن عينيها البنيتين الكبيرتين، رغم الهالات السوداء التي أحاطت بهما كإطار من الشجن، احتفظتا ببريق حاد وذكي. كانت تراقب الفتحة بتركيز صياد، وأذناها تلتقطان كل حفيف في العالم الخارجي. جسدها النحيل تحت الملابس الفضفاضة لم يعد يحمل سوى قوة الإرادة.
بجانبها، كانت عائشة – السادسة عشرة ربيعًا – تتقلب في نوم مضطرب، ملفوفة في بطانية رقيقة. ملامحها كانت لوحة جميلة من التقاء عالمين: عظام وجنتين مرتفعتين تذكران بأصولها العثمانية، وأنف أنيق مستقيم، وعينان واسعتان بلون الجوز، تلمعان بذكاء بريء وفضول. بشرتها كانت أغمق قليلاً من بشرة إستر، تذكر بجزائر لم ترها قط، لكن أمها كانت تحكي عنها. شعرها الأسود الكثيف منتشر على وسادة من الخيش.
فجأة، دوي انفجار بعيد يهز جدران القبو. ارتجت الأرض، وتساقط غبار من السقف.
استيقظت عائشة مذعورة، وجلست فجأة، عيناها مليئتان بالذعر.
عائشة:
ليليا!
(تستخدم الاسم المستعار الذي فرضته إستر).
التفتت إستر إليها بسرعة، وصوتها هادئ وحازم كسطح بحيرة في ليلة ساكنة.
إستر:
أنا هنا. إنه بعيد... على بعد شوارع كثيرة.
تنفست عائشة بعمق، ولَفّت ذراعيها حول نفسها.
عائشة:
ذكرتني بيوم القصف في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي.. قبل أن تأخذني أمي ونركب السفينة. كان الدوي نفسه. الرائحة نفسها. الخوف نفسه.
حدقت في ظل الشمعة المتمايل،ثم أضافت:
أحيانًا أخلط بين الأصوات... بين الماضي والحاضر... بين أعدائنا.
انزلقت إستر لتحتضنها، وشعرت برعشة جسد الفتاة المراهقة.
إستر:
الماضي لا يغادرنا، عائشة. إنه يختبئ في زوايا ذاكرتنا، وينطلق عند أي دوي. لكننا هنا الآن، في قبو في أوشفيتز. هذا هو واقعنا الوحيد.
أسندت عائشة رأسها على كتف إستر.
عائشة:
كم بقي من الشمعة؟
نظرت إستر إلى الشمعة.
إستر:
ربما ليلة... ليلتين إذا قسمنا الضوء.
قالت عائشة بصوت حالم:
عائشة:
أتذكر ضوء الشمس في إسطنبول، عندما مررنا بها. كان دافئًا كخبز أمي... أمي التي ربّتني. أتذكر رائحة القهوة والبهارات في البيت العثماني القديم.
سكتت لحظة،ثم همست:
هل تعتقدين أنهم سيجدوننا؟ لأنني... مسلمة بالتبني أعيش مع عائلة يهودية؟
شددت إستر حضنها، وعيناها البنيتان تلمعان بالحزم في الظلام.
إستر:
لا. لن يجدونا. لأننا لسنا مجرد يهودية وفتاة عثمانية. نحن "إستر وعائشة"، سكان هذا القبو. نحن من نعرف كل صوت في هذا المنزل المهجور. نحن من تصدينا للجرذان، ووجدنا مخبأ المياه. نحن من نجا. وسنستمر في النجاة. الحرب تقترب من نهايتها... يمكنني أن أشعر بها في الهواء.
أمسكت إستر بيد عائشة. في كف إستر النحيلة، آثار عمل في الخياطة قبل أن تضطر للاختباء. في يد عائشة الأصغر، ندبة قديمة من سقوط في أزقة الجزائر.
أغمضت عائشة عينيها.
عائشة:
أحكي لي قصة، ليليا... قصة عن مكان لا يوجد فيه أقبية. مكان به نوافذ كبيرة تطل على بحر.
ابتسمت إستر ابتسامة صغيرة شاحبة، أول بصيص من دفء بشري يعلو وجهها الجميل المتعب منذ أشهر.
إستر تبدأ بهمس قصصي
كان هناك مكان يُسمى "البيت ذو النوافذ الزرقاء"...
استمر صوتها الهادئ ينسج خيوط الأمل في الظلام، بينما استمرت الحرب في العواء فوق رأسهما، والشمعة في الذوبان، حارسةً هشاشة الحياة وقوة الروح، في ظل نظام أراد محوهما من الخريطة والتاريخ.
فجأة، انقطع هدؤهما بصوت انفجار قنبلة يدوية وهرولة أحذية ثقيلة فوق رأسيهما مباشرة. ثم سمعتا أصواتًا ألمانية حادة.
إريك فاغنر:
(بالألمانية)
أريد تفتيش هذا المنزل كلياً. كل غرفة، كل زاوية، كل خزانة. فهمتم؟
جندي ألماني:
(بالألمانية)
حاضر، سيدي القائد!
إريك فاغنر:
(يستمر بصوته البارد)
أي يهودي أو مسلم أو بولندي – وحتى أي ألماني يُظهر نقصًا جسديًا أو عقليًا – يُقتل على الفور. نحن الشعب النقي المختار. الضعف ليس له مكان هنا.
إذا وجدتم أحدًا – رجلًا أو امرأة أو طفلًا – من أصل يهودي، مسلم، سلافي، أو حتى ألماني غير "كامل"، لا تترددوا. أبلغوني فورًا، وسأصدر الأوامر بنفسي.
وإذا وجدتم شيئًا: كتبًا، صورًا، رموزًا دينية، أو وثائق مشبوهة – لا تلمسوها. أريد أن أرى كل شيء بعيني. هذا ليس مجرد تفتيش... هذا تطهير.
وقف إريك فاغنر في منتصف الصالة، ينظر حوله بعينين باردتين كأنه يحسب كل حركة، كل نفس. ثم مشى بخطوات ثقيلة نحو باب القبو، ممسكًا بمصباح يدوي. فتح الباب ببطء، وظهر أمامه درج خشبي ضيق يغوص في الظلام. نزل بحذر، كل خطوة تُسمع كصدى الموت. في الأسفل، رأى أعينًا خائفة تلمع في الظلام، ووجوهًا شاحبة، ويدًا تمسك طفلةً مراهقة. رفع المصباح ببطء، وابتسم ابتسامة باردة، وقال في داخله:
"هنا تبدأ الحقيقة... هنا نمحو النجاسة."
Imad chelloufi