انهارت أسس الإنسانية، وتعرّت حقيقة البشرية التي كانت ترتدي رداء الحضارة والأخلاق والحرية. كانت النتيجة ألفًا وخمسمئة قتيل في ذلك اليوم وحده، شاهدةً على أن النازية لعبت كل أوراقها من أجل الفوز في حربها ضد أمريكا والحلفاء، لكن بثمن باهظ دفعه الأبرياء من دمائهم.
مع غروب الشمس على مدينة أوشفيتز البولندية، حلَّ ظلام قاتل لا يعلم أحد ما يخبئه المستقبل لهذه المدينة التي كانت يومًا رمزًا للسلام والحب والوئام، ومركزًا لتلاقي الديانات السماوية، حيث عاش المسلم والمسيحي واليهودي تحت سقف واحد، إخوةً في وطنهم بولندا. إلا أن دخول شيطان القرن العشرين – النازية – قد قلب كل الحسابات وشتَّت شمل هذه العائلة الإنسانية المتنوعة.
أما بالنسبة لإريك فاغنر، فكان يجلس إلى جانب كوهلر وشولتز في مقدمة شاحنة عسكرية نازية من نوع "أوبل بلتز" (Opel Blitz). الشاحنة كانت مُطلية باللون الرمادي الميداني، بجسمها المُربَّع الواضح، ونوافذها الجانبية الضيقة، والمظلة المميزة فوق مقصورة القيادة. على جانبيها، ظهر الصليب المعقوف ببهتان. كانت محملة بمعدات، وهزتها المطبات على الطرق المدمرة.
في الجزء الخلفي المكشوف، جلست إستر روزنبرغ في صمتٍ أشبه بالصلاة، ماسكةً يد عائشة بقوة كما لو كانت تحاول أن تُرسيها في عالمٍ يهتز. كانت تحدق نحو أبو بكر الذي كان يجلس مقابلها، يلعب بسكينه العسكري الألماني (Kampfmesser) بطريقة احترافية مقلقة، يديرها بين أصابعه بانسيابية قاتلة. كان ينظر نحوهما بين الحين والآخر، مبتسمًا ابتسامةً غامضة، لكن دون أن يتحدث أو يُظهر اهتمامًا مباشرًا.
كسر كوهلر الصمت داخل المقصورة الأمامية:
كوهلر:
كيف هي الأوضاع عندك في الخلف، أيها العربي؟
رد أبو بكر بنبرة ساخرة، دون أن يرفع عينيه عن السكين:
أبو بكر:
مملة... لكنها أفضل من لعب البوكر معك. ليلتك الأخيرة في اللعبة كانت أسوأ من هذا الوضع.
ضحك شولتز بصوته الأجش:
شولتز:
تذمر فاشل مثلك! على الأقل تعلّم اللعبة قبل أن تنتقد.
أوقف أبو بكر دوران السكين فجأة، ورفع عينيه. كانت نظرة ثابتة وهادئة:
أبو بكر:
ربما أكون فاشلاً في لعبة ورق... لكنني محترف في القتل والحرب. وأنت تعلم ذلك جيدًا.
انفجر ضحكٌ قصيرٌ من كليهما، لكنه توقف فجأة عندما صاح إريك دون أن يلتفت:
إريك:
اخرسوا! قبل أن أقتلكم بنفسي.
ساد صمتٌ ثقيل. انسحب كوهلر وشولتز إلى زوايا مقعدهما. في الخلف، أخرج أبو بكر علبة سجائر من نوع "جونو" (Juno) – السجائر الرخيصة الشائعة بين الجنود – كانت العلبة زرقاء باهتة، عليها صورة نسر. نقر عليها بإصبعه، أخرج سيجارة بيضاء رفيعة، وأشعلها بقداحة نحاسية. شهق أول نفثة ببطء، وكانت عيناه لا تفارقان إستر. ثم اتكأ على الجدار المعدني للشاحنة، وبدأ يدخن برقة غريبة، كأنه يراقس شريكًا على أنغام موسيقية صامتة. كل شهقة كانت تُطلِق دوامة دخان في الهواء البارد.
إستر كانت تراقبه. رأت في عينيه شيئًا لم ترَه في عيون النازيين: حزنٌ قديم، وذكاءٌ حادٌ محفور بالتجربة. تجرأت وتحدثت بصوتٍ منخفض، يكاد يُغْلب على صوت محرك الشاحنة:
إستر:
شكرًا... شكرًا جزيلاً لك على ما فعلته. على إنقاذنا، سيدي.
رفع أبو بكر حاجبيه قليلاً، ثم أطفأ السيجارة بحركة دقيقة على معدَن الشاحنة.
أبو بكر:(بنبرة هادئة، تقطر سخرية مُرّة)
أنا لم أنقذكِ. أنا فقط أجَّلت موعد إعدامكِ. لا تخلطي بين الأمرين.
ثم غمز نحوها غمزةً سريعةً وغامضة، غير مفهومة للمراقب، وأضاف بصوتٍ أخفض:
أبو بكر:
عليكِ أن تجدي طريقةً للخروج من هذا الوضع. كوني مبدعة. الذكاء هو سلاحك الوحيد الآن.
إستر: (تحدق فيه، ثم تنظر إلى عائشة الخائفة)
لماذا تساعدنا؟ أنت واحد منهم.
أبو بكر:(يهز رأسه ببطء)
أنا لست واحدًا منهم. أنا رجلٌ يعمل مع من يدفع... حتى تتعارض المصلحة مع المبدأ. وأنتِ... لستِ مجرد يهودية في قائمة إعدام. أرى في عينيكِ شيئًا... ندرة.
عائشة: (تتكلم فجأة، بصوتها الناعم الحاسم)
إنها تقرأ وتكتب بخمس لغات. كانت تعلّم الأطفال في سرّي، قبل أن...
تتوقف،خائفةً من قول أكثر من اللازم.
ابتسم أبو بكر لأول مرة بصدق، نظرة إعجاب خاطفة في عينيه.
أبو بكر:
خمس لغات؟ إذن أنتِ كنزٌ معرفي ضائع في زمن يقدس الجهل. هذا يفسر لماذا وقفتِ أمامه بقطعة حديد صدئة. لم يكن غباءً... كان شجاعة جهلة.
إستر:(بتحدٍّ خافت)
وماذا عنك؟ عربي، مسلم، يقاتل تحت راية الصليب المعقوف... أليست هذه خيانة لدينك وأمتك؟
أبو بكر:(يبتسم بمرارة)
أمتي... قد خانَتْ نفسها قبل أن أخونها. أنا هنا لأن الحرب لا تعرف وطنًا، فقط نُصْرَةً للمظلوم أحيانًا، وسبيلاً للعيش أحيانًا أخرى. أما اليوم... فربما كانت سبقية.
في المقدمة، كان إريك فاغنر يصغي إلى كل كلمة. عيناه ثابتتان على الطريق المظلم، لكن كل حرف يصل إلى أذنيه كقطرة ماء على سطح مُتوتِّر. لم يتحرك، لم يتدخل، لكن يده كانت تضغط على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصله. كان صمته أشبه بهدوء العاصفة.
فجأة، التفت أبو بكر نحو المقدمة كما لو أنه شعر بتركيز إريك، ثم عاد إلى إستر وقال بسرعة، قبل أن ينتهي الرحلة:
أبو بكر:
اسمعي جيدًا. عندما نصل، سيقسموكم إلى مجموعات. المجموعة اليسرى تعني العمل. المجموعة اليمنى... تعني النهاية. مهما حدث، ابذلا كل جهد لتوجيهكما إلى اليسار. وتبدآن بالعمل فورًا. اليد البطيئة هنا... هي يد ميتة.
أدار عينيه نحو عائشة:
أبو بكر:
وأنتِ... أيها الطائر الصغير. حافظي على جناحيكِ مكسورين حتى يحين وقت التحليق. فهمتِ؟
لم يجب أي منهما، لكن نظراتهن حملت فهمًا صامتًا، ومقدارًا من الثقة الهشة التي ولدت للتو في ظل الشاحنة المظلمة.
كانت الشاحنة تقترب من أضواء معسكرٍ بعيدٍ يلوح في الأفق، بينما كان قلبا إستر وعائشة يدقان كطبول الحرب الصغيرة، في رحلة المصير التي بدأت للتو.
فجأة، ومن دون سابق إنذار، قفز جندي ألماني من الظلام إلى وسط الطريق أمام الشاحنة. لم يره شولتز إلا في اللحظة الأخيرة، ففرمل بعنف، لكن المصد الأمامي اصطدم بالجندي وأسقطه أرضًا.
خرج الجميع مسرعين، بما فيهم أبو بكر، الذي التفت سريعًا نحو إستر وعائشة قبل أن يقفز:
أبو بكر:(بهمسة حازمة)
ابقيا هنا. التزما الصمت. تذكروا: أنتما رهينتان مسيحيتان في مهمة استجواب. لا كلمة أكثر.
عائشة: (بسرعة)
حاضر، سيدي.
إستر:(محدقة فيه بعينين واسعتين)
انتبه لنفسك.
ابتسم أبو بكر ابتسامةً سريعةً غامضة، وقفز من الشاحنة. كان إريك قد هرع بالفعل نحو الجندي المسقوط، يساعده الرقيب شورلي. كان الجندي شابًا، لا يتجاوز العشرين، يرتدي زيّ القناصة المخفي (Splittertarnmuster)، ووجهه شاحب تحت قبعته المائلة.
إريك: (بقلق حقيقي)
هل أنت بخير؟ ماذا كنت تفكر؟
شولتز:(منزعجًا)
آسف، لم أرَك!
تقدم كوهلر للمساعدة:
كوهلر:
تعال، سأحملك.
لكن الجندي دفع يد كوهلر بعيدًا، ووقف بصعوبة وهو يتأوه من ألم في ساقه.
شورلي:(بنبرة طارئة، مهموسة لكن واضحة)
لقد رأيت الشاحنة... وكنت في موقع القناصة أراقب من بعيد...
كوهلر: (ممازحًا، محاولًا تخفيف التوتر)
جندي مخلص! يعجبني ذلك.
شورلي:(بحدّة، يقطع المزاح)
هذا ليس وقت المزاح! القناص الذي كان معي... تعرّف على الوجهين في الخلف. نزل مسرعًا ليبلغ القادة.
تجمد الهواء. نظر إريك إلى أبو بكر الذي اقترب بهدوء، ثم عاد إلى الجندي.
إريك:(محاولًا الهدوء)
إنهم مجرد رهائن مسيحيين. نستجوبهما.
شورلي:(يهز رأسه، نظرة عينيه مباشرة وقاسية)
هل تظنني أحمق، أيها القائد؟ أعرف رائحة الخوف الحقيقية. وأعرف الفرق بين سجين عادي... وبين من يختبئ خلف أقنعة.
كوهلر: (مرتبكًا)
لا أعلم عما تتحدث!
شورلي:(يصيح بصوت خافت لكنه مشحون)
توقف عن الادعاء! إذا دخلتم بوابة المعسكر الرئيسي بهما، ستعرضون أنفسكم للإعدام بتهمة الخيانة وعصيان الأوامر! وأنا... لم أركض كل هذه المسافة لأرى ثلاثة رجال يعدمون بسبب غباء!
أدار الجندي رأسه نحو الغابة الكثيفة التي تحد الطريق.
شورلي:(بسرعة)
اهربوا الآن! هناك مزرعة مهجورة على بعد نصف كيلومتر شرقًا، خلف تلك الأشجار. اقضوا فيها الليل. فكروا في مصيركم... وفي مصير رهائنكم.
قبل أن يتمكن أي منهم من الرد، التفت الجندي واندفع نحو الغابة بسرعة مذهلة، رغم عرجه، مختفيًا بين الظلال والأشجار كما لو كان شبحًا.
وقف الأربعة – إريك، أبو بكر، شولتز، كوهلر – في صمت مطبق، لا يسمعون سوى صوت محرك الشاحنة الذي ما زال يدور، وصوت الرياح الحزينة التي تعوي بين الأشجار.
شولتز: (أول من كسر الصمت، بصوت أجش)
ماذا... ماذا كان ذلك؟
أبو بكر :(مرتعبًا)
إنه يعرف... الله أكبر، الجميع سيعرف!
إريك فاغنر:(يتجاهلهما، ينظر مباشرة إلى إبو بكر )
كان قرارك في القبو مجرد تأجيل. الآن أمامك القرار الحقيقي. البوابة... أو الغابة.
إريك محدقًا في الظلام حيث اختفى الجندي، ثم يلتفت نحو الشاحنة حيث تنتظر إستر وعائشة، ثم إلى وجوه رجاله المرتعشة.
اريك فاغنر:
لم يعد لدينا خيار. لم نعد نملك ترف الوقت.
أومأ شولتز وكوهلر ببطء، عيناهما تعكسان ضوء القمر البارد. كان طريق النجاة الوحيد الآن مختبئًا في غابة مظلمة، والعدو لم يعد فقط خلف الأسلاك الشائكة، بل أصبح يطاردهم من داخل صفوفهم هم أنفسهم.
بعد لحظة من الصدمة التي خلفها تحذير الجندي المجهول، انفجر الموقف إلى حركة.
إريك: (بصوت قاطع، يقطع جليد التردد)
إلى الشاحنة! الآن!
لكن إستر، التي حاولت النزول، ترنحت وأمسكت بجنب الشاحنة. الضربات التي تلقَّتها في القبو والجرح النازف في رجلها جعلاها عاجزة عن الجري. نظرت عائشة إليها مذعورة.
قبل أن تتحرك أي يد، تقدم أبو بكر بسرعة. لم يقل كلمة. انحنى، وأدخل ذراعيه تحت جسد إستر الهزيل، ورفعها بسلاسة كاملة، كما لو كان يرفع عروسًا ثمينة هشة. حملها بإحكام ضد صدره، درعًا بشريًا بينها وبين العالم الخارجي.
أبو بكر: (يهمس في أذنها بينما يبدأ بالحركة)
لا تنظري للخلف. أغلقي عينيكِ إذا اضطررتِ.
وانطلق. لم يكن جريًا عشوائيًا، بل كان اختراقًا سريعًا وهادئًا نحو الحافة الشرقية للطريق، حيث يبدأ ظلُّ الغابة. خطواته ثابتة رغم الثقل، متجنبًا الحفر والأغصان بعفوية صياد قديم.
شاهد إريك هذا، ثم نظر إلى عائشة. كانت الفتاة الصلبة تهتز الآن كورقة في مهب الريح. اقترب منها، وبحركة واحدة، أحاطها من خصرها ورفعها على كتفه مثل حقيبة ثمينة من الذخيرة. كانت أخفّ وزنًا، لكن الخوف جعل جسدها متصلبًا.
إريك: (بصوت خشن، لكنه ليس عدائيًا)
تشبثي. لا تسقطي.
انطلق خلف أثر أبو بكر. كان شولتز وكوهلر يلحقان بهما كظلال مرعوبة، ينظران إلى الخلف بين الحين والآخر حيث قد تظهر أضواء مطاردة في أي لحظة.
كانت الغابة تمتصهم واحدًا تلو الآخر. الظلام تحوّل فجأة من عدو إلى حليف. أوراق الشجر الرطبة تُلطَّخ بقطرات من دم إستر الذي تسرب عبر ذراع أبي بكر. أنفاسهم تصعد في الهواء البارد كأشباح بيضاء تذوب في العتمة.
عائشة: (تتحدث بصوت مكبوت، وجها قريب من ظهر إريك)
إلى أين نذهب؟
إريك:(بين أنفاسه المتلاحقة)
إلى مكان آمن... إن كان هناك مكان آمن.
من بعيد، بدا أبو بكر كأسطورة في الظلام، شبح يحمل كنزًا ضائعًا، لا يتباطأ ولا يلتفت. كان يقود المجموعة بطريقة حدسية، كأنه يعرف هذه الأرض عن ظهر قلب. مرَّوا بجدول مياه ضحل، رش الماء البارد على وجوههم المستعرة بالخوف والتعب.
أخيرًا، بينما بدا أن القوة على وشك أن تتخلى عن الجميع، رأوا سقفًا منخفضًا يلوح خلف الأشجار. مزرعة مهجورة، نوافذها مكسوة بالخشب، وبابها الرئيسي مائل على مفصليه.
وصل أبو بكر أولاً إلى الباب الخلفي. رفع ركبته لدعم وزن إستر، ودفع الباب بعنق كتفه. انفتح بصوت عالٍ يقطّع صمت الليل. دخل إلى الظلام الداخلي، متبوعًا بإريك ومن خلفه الرجلان الآخران.
داخل المزرعة، ساد صمت ثقيل مختلف. كان الهواء راكدًا ورائحته ترابية، لكنه كان يحمل وعدًا مؤقتًا بالحماية. وضع أبو بكر إستر برفق على كومة من القش في زاوية، بينما خفض إريك عائشة إلى الأرض.
كان الجميع واقفين، يلتقطون أنفاسهم، آذانهم مصغية لأصوات المطاردة التي لم تأتِ بعد. في الضوء الخافت الذي تسرب من شقوق الخشب، تبادلوا نظرات. لم تكن نظرات ثقة، بل كانت نظرات شركاء في جريمة، وضحايا في قارب واحد، بدأت للتو رحلته في بحر عاصف.
كان الهروب الأول قد انتهى. لكن الليل كان لا يزال طويلاً، والمزرعة لم تكن سوى محطة في درب المجهول.
Imad chelloufi