لم يكن الصمت الذي أعقب الاصطدام صمتاً عادياً. كان صمتاً مثقوباً بآلاف الأصوات الداخلية: صراخ لم يُطلق، ودموع لم تسقط، وأنفاس محبوسة في صدور تخشى أن يكون شهيقها التالي هو الأخير.
الدخان كان يتصاعد من مقدمة الشاحنة المحطمة، يتلوى كشبح يودع جسداً يحتضر. الزجاج المكسور تبعثر على الأرض كألماس أسود، يعكس ضوء النهار الرمادي الباهت. رائحة البنزين المسكوب اختلطت برائحة الدماء المنبعثة من جثة السائق الأمريكي الملقى على المقود، رأسه منحني بزاوية لا يخلقها إلا الموت.
في المقصورة الخلفية، كان الجميع عالقين بين الصدمة والغريزة.
إستر كانت أول من استجمع وعيها، ليس لأنها الأقوى، بل لأن يد عائشة الصغيرة كانت تضغط على ذراعها بأظافر تغوص في اللحم. ذلك الألم الصغير أيقظها. رفعت رأسها، ونظرت حولها بعينيها البنيتين الواسعتين:
· شولتز الضخم كان قد ارتطم بالقضبان الحديدية، وجبهته تنزف، لكن عينيه الزرقاوين كانتا مفتوحتين، ترمقان الموقف بحذر جندي محترف.
· كوهلر كان يضحك. ضحكة عصبية مكتومة، عيناه تلمعان بنشوة خطيرة:
"قتلوه! قتلوا الأمريكي!"
· الجندي جاك كان يجثو بجانب صديقه الميت، يداه ترتجفان وهو يلمس وجه السائق وكأنه يحاول إيقاظه من غفوته.
· مايك كان قد زحف نحو الباب الخلفي، وجهه شاحب كالثلج، يهمس بكلمات لا يفهمها أحد:
"We're dead... we're all dead..."
أما إريك فاغنر، فكان مختلفاً.
لم يكن يرتجف. لم يكن يضحك. لم يكن يبكي. كان يحدق فقط. يحدق من النافذة الخلفية المكسورة نحو الغابة الكثيفة. عيناه تضيقان ببطء، كعدسة كاميرا تحاول التقاط أصغر تفصيل في الظلام بين الأشجار. كان عقله العسكري يعمل كآلة: المسافة... الزاوية... نوع الطلقة... قناص واحد أم مجموعة؟ لماذا السائق فقط؟
إريك: (بصوت أجش منخفض)
اخفضوا رؤوسكم. لا تتحركوا.
كانت كلماته كالماء البارد على وجوههم. حتى كوهلر توقف عن الضحك.
إستر نظرت إليه. في تلك اللحظة، لم تكن ترى العدو النازي، بل ترى إنساناً يحاول قراءة خريطة الخطر. سألت بصوت يكاد يهمس:
إستر:
ماذا ترى؟
إريك: (دون أن ينظر إليها)
أرى ما لا يراه الآخرون. غابة تنتظر. وقناصاً محترفاً أطلق طلقة واحدة فقط.
يتوقف لثانية ثم يتحدث
هذا ليس هجوماً. هذا... بداية شيء آخر.
عائشة ضمت نفسها إلى إستر، ونظرت نحو الغابة. فجأة، همست بشيء جعل قلب إستر يقف:
عائشة:
هناك... هناك شخص واقف. بين الأشجار.
نظر الجميع نحو الغابة. في البداية، لم يروا شيئاً سوى الظلال الرمادية. لكن بعد لحظة، تحرك شيء هناك. ظل رفيع، يقف بلا حراك منذ زمن، يتلاشى بين جذوع الأشجار كما لو كان جزءاً منها.
ثم، للحظة وجيزة، التقط الضوء البارد شيئاً لامعاً: عدسة بندقية قناص.
شولتز: (يتمتم)
يا إلهي...
كوهلر: (يهمس بانتصار)
إنه واحد منا! جاء لينقذنا!
إريك: (بحدة)
اخــــرس!
الجميع تجمد. حتى عائشة حبست أنفاسها.
كانت الغابة صامتة. القناص لم يتحرك. الشاحنة لم تعد تصلح لأي شيء. الجثة في المقدمة بدأت تفقد حرارتها. والجميع هناك، في هذا القفص الحديدي المحطم، ينتظرون...
ماذا ينتظرون؟
الرصاصة التالية؟ أم رسالة أخرى من الظل؟
إريك أدار رأسه ببطء نحو إستر. التقت عيونهما في صمت مطبق. لم تكن تلك النظرة تحمل شيئاً من الرومانسية أو الندم. كانت نظرة اعتراف صامت بأنهما الآن في القارب نفسه. النازي واليهودية. الجلاد والضحية. أسرى حرب ولاجئتان. كل التصنيفات انهارت أمام خطر واحد قادم من الغابة.
إريك: (يهمس)
إذا أطلق النار مرة أخرى... فسيستهدف المحرك. وسننفجر جميعاً.
إستر: (بهدوء)
وماذا نفعل؟
إريك:
ننتظر. ونأمل أنه يريدنا أحياء.
مايك صرخ فجأة من الخلف:
مايك:
Screw this! I'm not waiting here to die!
وقبل أن يستطيع أحد إيقافه، فتح الباب الخلفي للشاحنة وقفز إلى الخارج، راكضاً باتجاه الغابة الأخرى، بعيداً عن مكان القناص.
كانت الطلقة أسرع من صرخة جاك الذي حاول مناداته.
طَـــقْ!
صوت جاف، حاد، لا يُخطئ.
تدحرج مايك على الأرض، وصراخه يقطع صمت الغابة. لم يمت، لكن رصاصة أصابت ساقه، فسقط يتلوى على الثلج.
نظر الجميع نحو الغابة مرة أخرى. القناص لم يعد يختبئ. كان قد تقدم خطوة واحدة خارج الظل. ما زال بعيداً، ما زال غامضاً، لكن رسالته كانت واضحة:
لا أحد يهرب.
الجميع سيبقى حيث هو.
الجميع سينتظر.
إريك نظر إلى إستر نظرة أخيرة قبل أن يهم بالتحرك:
إريك:
ابقيا هنا. لا تتحركا. سأحاول إنقاذه.
إستر: (ممسكة بذراعه)
أنت مجنون! سيقتلك!
إريك: (بابتسامة مريرة)
ربما. لكنني فضلت دائماً الموت واقفاً على الجلوس أنتظر.
قفز من الشاحنة، وركض نحو مايك المتلوي، تحت مرمى بندقية قناص لا يعرفون من يقف خلفها، ولا لماذا يلعب بهم كالقط بالفئران.
الرحلة لم تكن قد بدأت بعد. ما حدث كان مجرد طلقة البداية.
والغابة، تلك الغابة البولندية الباردة، كانت تخبئ في أحشائها أكثر من مجرد قناص مجهول. كانت تخبئ مصائر لم تكتمل بعد، وأجوبة لم تُطرح أسئلتها بعد.
وبين الأشجار، كان ذلك الظل يراقب. يراقب إريك وهو يجري لإنقاذ عدوّه الأمريكي. يراقب إستر وعائشة في الشاحنة. يراقب الجميع بعينين لا تعرفان الرحمة... أو ربما تعرفان أكثر مما ينبغي.
من يكون؟ لماذا يفعل هذا؟
الغابة وحدها تعرف. والغابة لا تتكلم.
في تلك اللحظة، اتخذ إريك فاغنر قراراً غيّر مسار روحه إلى الأبد. لم يعد يخاطر بحياته من أجل النازية، ولا من أجل أوامر هتلر، بل من أجل الإنسانية التي قررت أن تعود إلى ذلك القلب القاسي بعد سنوات من المنفى. لم يعد هناك فرق بين حلفي ومحوري، بين عدو وصديق، بين جلاد وضحية. كان هناك فقط إنسان جريح يحتاج إلى من ينقذه.
اندفع إريك نحو مايك المتلوي على الثلج، والدماء تنزف من ساقه المصابة. حمل الجندي الأمريكي على كتفيه كأنه يحمل طفلاً، واندفع يجري به عائداً نحو الشاحنة المحطمة. كل خطوة كانت تحدياً للقناص المجهول في الغابة، لكن إريك لم يعد يهتم. صرخ بصوت قائد لا يزال يعرف كيف يُسمع صوته:
إريك:
الجميع! داخل الشاحنة! الآن! اختبئوا! لا تسألوا، فقط افعلوا!
دوى صوته كالرعد في الفضاء الضيق، فتحرك الجميع كأن أوامره لا تزال مقدسة. إستر سحبت عائشة إلى أعمق زاوية. شولتز وكوهلر انكمشا خلف القضبان. جاك جرّ جثة صديقه الميت جانباً ليصنع حاجزاً. الجميع أطاع دون تردد.
داخل الشاحنة، وضع إريك مايك على الأرض برفق، محاولاً تخفيف الألم بقدر ما تسمح به يداه الخشنتان. نظر مايك إليه بعينين تختلط فيهما الآلام الجسدية مع الحيرة النفسية. كان ينظر إلى عيون باردة تحمله، عيون كان يعتقد ساعات فقط أنها لا تعرف الرحمة. بصوت متقطع، تخلله الألم والدهشة، همس:
مايك: (بالإنجليزية، بصوت متقطع)
ليس عليك... مساعدتي. أنت وُلِدتَ قاسياً... وستموت كذلك.
رفع إريك رأسه، ولأول مرة منذ سنوات، انطبعت على وجهه ابتسامة ساخرة لم تكن تخفي شراً، بل كانت تحمل دفئاً خجولاً.
إريك: (بإنجليزية مكسورة، لكن نبرته دافئة)
أنتم... جنود الحلفاء... تتحدثون كثيراً.
ابتسم مايك رغم ألمه. كانت تلك الابتسامة تحمل في طياتها وعداً بشيء نادر في زمن الحرب: صداقة تلوح في الأفق، تولد من رحم العداوة والدماء.
نهض إريك بسرعة، واتجه نحو مؤخرة الشاحنة حيث كان رشاشه الألماني من نوع MG 42 لا يزال معلقاً. ذلك الرشاش الأسطوري الذي أرهب الحلفاء بسرعة طلقاته المذهلة، أصبح الآن في يد رجل لم يعد يعرف في أي صف يقاتل.
لكن قبل أن يستدير لمواجهة الغابة مرة أخرى، سمع جملة تجمد الدم في عروقه. جملة مألوفة بشكل مخيف، بصوت لم يسمعه منذ زمن، لكنه لن ينساه أبداً:
الصوت من الظل: (بصوت هادئ، مخيف، يحمل نغمات دينية مشوهة)
"الموت... مجرد بوابة نحو حياة أخرى. هنالك حياة تنتظرني... ربما أتألم قليلاً، لكنني سأتنعّم إلى الأبد... الدم... أريد أن أرى الدم... الموت للحلفاء والمحور..."
تحول وجه إريك إلى اللون الأصفر الشاحب. يده تشنجت على مقبض الرشاش. حاول أن يستدير ببطء، وصوته خرج مبحوحاً، كمن يحاول ترويض وحش بري:
إريك: (بهدوء حذر)
اهدأ... يا صديقي. أنا إريك. لا تدع الغضب يسيطر عليك. أنت جزء من عائلتي... جزء من...
لكن الصوت انقطع. الظل لم يتحرك، لكن الكلمات التي قالها بقيت معلقة في الهواء البارد كشبح ينتظر. إريك عرف ذلك الصوت. عرف تلك النبرة التي تخلط الجنون بالإيمان. عرف أن من يقف هناك لم يعد ذلك الشخص الذي كان يعرفه.
الغابة صمتت من جديد. الرصاصة القادمة قد لا تكون الأخيرة، لكن الوجوه القادمة ستكون الأكثر رعباً.
وإريك، الذي استعاد إنسانيته لتوه، أدرك أنه قد يواجه قريباً شيئاً أسوأ من النازيين والحلفاء: شبح من الماضي، يحمل في عينيه جنوناً لا يرحم، وفي فمه كلمات دينية تتحول إلى لعنة.
Imad chelloufi