كان التوتر يُخيّم على زوايا المزرعة المظلمة كضباب كثيف. وقف إريك فاغنر بجوار النافذة المكسورة، محدقًا نحو الغابة التي اختفى فيها الجندي المجهول. يده اليمنى لم تفارق مسدسه من نوع Walther P38، إصبعُه يرتخي على الزناد في حالة تأهب دائمة. كانت عيناه تمسحان الظلام بتوترٍ يشبه حيوانًا مطاردًا يشمّ رائحة الصياد.
في الزاوية المقابلة، جلس شولتز على كرسي خشبي محطم، متكئًا على الجدار كي لا يسقط به الإعياء. كان يتنفس بثقل، وعيناه نصف مغلقتين من التعب. أما كوهلر، فلم يستطع الثبات في مكانه، يتجول بين أركان المزرعة الخالية في حركة عصبية مستمرة، ذهابًا وإيابًا، وكأنه سجين في زنزانة وهمية. كان هزّة يديه المستمرة وشروده البصري يظهران حالة نفسية على حافة الانهيار.
المكان الوحيد الذي بدا فيه شيء يشبه الهدوء النسبي كان حيث جلس أبو بكر بالقرب من إستر. أخرج علبة سجائره مرة أخرى، أشعل واحدة، ثم أدار وجهه نحو إستر مبتسمًا تلك الابتسامة الغامضة التي أصبحت علامته.
أبو بكر: (بنبرة هادئة مبطّنة بالقوة)
لا تخافي، سيدتي. طالما أنا هنا، لن يُمسّكِ أحد بسوء.
لكن عينا إستر لم تكونا عليه. كانتا ثابتتين على ظهر إريك المتصلب عند النافذة. بعد صمت، تحدثت وهي لا تزيغ عنه:
إستر: (بصوت منخفض حازم)
ما قصته يا أبا بكر؟ أشعر أن هناك أسرارًا في ماضيه... أسرارًا تستحق الموت من أجل إخفائها.
ابتسم أبو بكر مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت ابتسامته تحمل مرارة معرفة طويلة. أخذ نفثة طويلة من سيجارته قبل أن يجيب:
أبو بكر:
نعم... لم يكن هكذا دائمًا. كل شيء تغير بعد أن قُتلت عائلته. زوجته... وابنته الصغيرة.
وضعت إستر يدها على فمها، وعيناها اتسعتا من الذهول والألم.
إستر:
يا إلهي... من... من تجرأ على قتل أناس أبرياء؟
من الجهة الأخرى من الغرفة، سمعهم كوهلر، فتوقف عن تجواله العصبي واندفع نحوهم، كلماته تخرج متعالية، مليئة بتلك الغطرسة التي تخفي الخوف:
كوهلر: (بصوت عالٍ)
إريك نفسه هو من أعدَمهم! لأنهم شكّكوا في قضيتنا! لأنهم خالفوا أوامر القائد الأعلى، هتلر!
(يهبط صوته فجأة ليصبح همسًا مأساويًا)
منذ تلك اللحظة... تحوّل إريك فاغنر من ذلك الشخص الطيب المرح، صاحب حس الدعابة الذي كان يُضحك الثكنة كلها... إلى هذا القاتل البارد الذي ترونه الآن. مات معهم شيء فيه... وما بقي هو آلة.
ساد صمت ثقيل. حتى تنفس شولتز عند الجدار توقف للحظة. إستر نظرت إلى إريك بعيون مختلفة الآن – لم تعد عيون الخوف من جلاد فقط، بل عيون فهم مُرّ لجرح إنساني هائل.
فجأة، تقدمت عائشة نحو أبو بكر، وجذبته بلطف من سرواله العسكري.
عائشة: (بصوتها الطفولي الهادئ، لكنه يحمل رنين الجوع الحقيقي)
سيدي... أنا جائعة.
نظر أبو بكر إليها، وابتسم ابتسامة حانية حقيقية هذه المرة. نهض من مكانه.
أبو بكر:
سأحضر لك شيئًا تأكلينه، يا طائرتي الصغيرة.
في الحال، انفجر صوت إريك من عند النافذة، حادًّا كسكين:
إريك:
أين تظن نفسك ذاهبًا، أيها العربي الحقير؟!
التفت أبو بكر ببطء، ولم يعد في نبرته أي أثر للوداعة.
أبو بكر: (باردًا)
ذاهب لأحضر طعامًا لطفلة جائعة، يا فاغنر. إنها ليست جنديًا مثلك يمكنه أن يعيش على الأوامر والكراهية فقط.
إريك: (يصرخ)
لا أهتم! أجبرها على أن تتحمل حتى الصباح! عد إلى هنا فورًا!
بدأ أبو بكر في السير بثبات نحو الباب الخلفي، متجاهلاً الأمر.
أبو بكر: (وهو يخرج)
إنها طفلة. جوع الأطفال لا يحتمل التأجيل، ولا يقبل التفاوض. هذا ما تعلمناه في صحرائنا.
إريك: (يصرخ والغضب يملأ صوته)
إذن أقنعها أن تصبر! كما تصبرون في صيامكم المقدس! صوموا عن الطعام حتى الفجر!
توقف أبو بكر على عتبة الباب، والتفت. نظرة سخرية باردة ومقيتة في عينيه.
أبو بكر: (بنبرة سلسة مسمومة)
صيامنا، يا فاغنر، هو تقرب إلى الله ورحمة بأنفسنا. أما مذهبك النازي، "الاشتراكية القومية"، فصيامه هو عن الإنسانية نفسها. سأخبرها بهذه المقارنة.
أصبح وجه إريك قناعًا من الغضب الأصم. رفع مسدسه مباشرة نحو أبو بكر.
إريك: (بزئير مكبوت)
قلت لك: ارجع! أو أقتلك بيدي!
لكن أبو بكر لم يعد حتى ينظر إليه. كان قد دخل في ظل الغابة. قبل أن يختفي تمامًا، رفع يده في إشارة واضحة ومتعمدة من الازدراء، وصرخ أخيرًا بصوت يملأ الليل:
أبو بكر:
تبا لك! يمكنك أن تقبل مؤخرتي!
ثم ابتلعه الظلام. بقيت كلماته الأخيرة، الفظة والمتمردة، معلقة في هواء المزرعة كرائحة بارود لم تنفجر بعد. كان التحدي قد اكتمل، والمعركة الصامتة بين الرجلين قد تحولت إلى حرب مفتوحة.
تلك الكلمات المستفِزّة والتمرد العلني لقواعد إريك، حوّلته إلى بركان بشري على وشك الانفجار. انفجرت بداخله نوبة هيستيرية من الغضب المكبوت، فالتفت بعنف نحو عائشة، مخرجًا مسدسه Walther P38 وصوبه مباشرة إلى رأسها الصغير.
إريك: (بصوت مكتوم ممزوج بالزئير)
أنتِ... أنتِ سبب كل هذا! أبو بكر لم يكن ليتمرد لولا وجودكِ. سأقضي عليكِ وأعالج تمرده إلى الأبد!
ارتجفت عائشة، وولّت هاربة لتختبئ خلف إستر، التي وقفت فورًا كجبل راسٍ، مفتوحة ذراعيها لتشكل جسدًا واقيًا بين المسدس وأختها. صوت إستر خرج صارخًا، مشبعًا بشرارة التحدي اليائس:
إستر:
ابتعد عنها، أيها الملعون! إذا أردت قتلها، فسيكون عليك قتلي أولاً!
ضحك إريك ضحكة قصيرة مسمومة، مليئة بالسخرية والازدراء:
إريك:هذا... يمكنني ترتيبه من أجلكِ بكل سرور.
رفع المسدس أعلى، مستهدفًا الآن جبهة إستر. إصبعه البيضاوي بدأ بالضغط على الزناد ببطء. في عينيه، لم يكن هناك تردد، فقط عاصفة من الانتقام والرغبة في استعادة السيطرة.
عائشة: (تنتحب من خلف إستر)
ليليا...!
إريك:(يُسمع صوت نقر المعدن)
وداعًا...
فجأة!
انفجر باب المزرعة الخشبي إلى الداخل متحطمًا تحت وطأة حذاء عسكري ثقيل. مجموعة من جنود الحلفاء اقتحموا المكان كالسيل، بزيهم الموحَّد المختلف ( الأمريكي)، وأسلحتهم من نوع Lee-Enfield أو M1 Garand مصوبة باتجاه الجميع.
جندي الحلفاء الأول (القائد، بصوت إنجليزي حاسم)
FREEZE! DON'T MOVE! DON'T EVEN BLINK!
(تجمّدوا! لا تتحركوا! لا ترمشوا حتى!)
تدفقت بقية الفرقة، ملأت الغرفة في ثوان. كان الوضع مفاجئًا وشاملًا لدرجة أن إريك تجمّد في مكانه، مسدسه ما زال مرفوعًا ولكن اتجاهته تخلخلت.
جندي الحلفاء الثاني: (يصرخ)
DROP THE WEAPON! NOW!
(ألقِ السلاح! الآن!)
ارتجف كوهلر ونطق بكلمة:
"أوه، يا إلهي...
" قبل أن يركع على ركبتيه تلقائيًا، ويرفع يديه خلف رأسه. تبعه شولتز ببطء، وعيناه الحمراوان ترمقان إريك بعتبٍ صامت، وكأنه يلومه على إيصالهم إلى هذه الحال.
إريك: (بصوت مكتوم، محاولاً الاستمرار في التهديد)
هذا... هذا لا يعنيكم! هؤلاء أسرى ومطلوبون...
جندي الحلفاء الأول:(يقطع كلامه، صوته مثل الصقيع)
I SAID, DROP IT! LAST WARNING!
(قلتُ: ألقِه! التحذير الأخير!)
نظر إريك حوله. رأى ستة سبعة أفواه لبنادق مصوبة نحوه. رأى رجليه قد استسلما. رأى عيون إستر وعائشة تنظران إليه بنظرة فيها رعب، ولكن أيضًا فيها بصيص أمل غريب بهذا التدخل. أخيرًا، مع أنين داخلي يشبه صوت حيوان جريح، فتح يده. سقط مسدس P38 على الأرض الخشبية بصوت جوفاء معدني.
ركع هو أيضًا، ووضع يديه خلف رأسه.
جندي الحلفاء الثالث: (يتقدم، وهو يربط يد إريك من الخلف)
Look what we have here. A little Nazi party in the barn.
(انظروا ما وجدنا هنا. حفلة نازية صغيرة في الحظيرة).
كوهلر: (بصوت مرتعش)
نحن... نحن فقط ننفذ الأوامر...
جندي الحلفاء الثاني:(ساخرًا)
Ah, the famous "just following orders". We've heard that one before.
(آه، العذر الشهير "كنت أنفذ الأوامر فحسب". سمعنا هذا من قبل).
جندي الحلفاء الأول: (يتوجه نحو إستر وعائشة، بنبرة أقل حدة لكنها لا تزال حذرة)
Are you two alright? Who are you? (هل أنتما بخير؟ من أنتما؟)
إستر: (تتنفس بعمق، محاولة الكلام بينما دموع الارتياح تبدأ بالانهمار)
نحن... نحن لاجئتان. تم أسرنا. هذا الرجل
(تشير إلى أبو بكر الغائب)
حاول حمايتنا... وهؤلاء (تشير إلى إريك) كانوا س...
تتوقف، عاجزة عن إكمال الجملة. تحتضن عائشة بشدة.
جندي الحلفاء الأول: (يومئ بفهم)
Understood. You're safe now.
(فهمت. أنتما في أمان الآن).
ينظر إلى رجاله وقد تم تقييد إريك وشولتز وكوهلر.
جندي الحلفاء الأول:(بصوت عالٍ للجميع)
Secure the prisoners. Search the perimeter. There might be more.
(أحكموا وضع الأسرى. ابحثوا في المحيط. قد يكون هناك المزيد).
بينما يُقاد إريك مقيدًا نحو الباب، يلتفت للحظة. نظراته تلتقي بنظرات إستر. لم تكن نظرة نصر لها، ولا نظرة هزيمة له. كانت نظرة صمت غريب، مليء بكل ما حدث، وكل ما كان على وشك الحدوث. عالمه من السيطرة والنظام انقلب في دقائق. والغريب الذي أنقذ حياته سابقًا (أبو بكر) قد يكون الآن، وبطريقة ملتوية، سبب إنقاذ حياة من كان يريد قتلهم.
أبواب المزرعة تُفتح على مصراعيها على فجر جديد مجهول، يحمل نهاية لأصحاب الزي الرمادي، وربما، مجرد ربما، بداية لأولئك الذين نجوا من ظلهم.
Imad chelloufi