المصير المشترك

المصير المشترك

19 0

كان الفجر ينسحب خجلاً من بين غيوم شتوية ثقيلة، تاركاً خلفه ضوءاً رمادياً بارداً يغسل وجه الأرض البولندية المتعبة. في باحة المزرعة المهجورة، حيث انتهت رحلة الهروب وبدأت رحلة الأسر، كانت الحقيقة الجديدة ترتسم بوضوح قاسٍ.

سار إريك فاغنر مقيد اليدين إلى الخلف، خطواته ثقيلة ولكن رأسه مرفوع بعناد أخير. لكن عينيه لم تكنا تنظران إلى الأمام؛ بل كانتا مثبتتين على إستر روزنبرغ التي سارت على بعد عدة أمتار منه، محاطة بحماية رمزية من جنود الحلفاء.

كانت النظرات بينهما تتقاطع في الهواء البارد كسهام صامتة:

نظرات إريك لم تكن نظرات إعجاب، ولا ندم واضح. كانت أقرب إلى ذهول مختلط بتحدٍ مهتز. كان يبحث في وجهها عن شيء – ربما انتصارها الخفي، أو شفقة تذلّ كبرياءه المهشم، أو حتى ذرة من الفهم لما حدث. لكن كل ما وجده كان صمتاً غريباً، كتمثال من الشمع النابض بالحياة.

نظرات إستر بالمقابل، لم تكن نظرات انتقام، ولا شماتة. كانت فضولاً عميقاً ممزوجاً بحذر لا يزول. كانت ترى الرجل الذي كاد أن يقتلها قبل ساعات، تراه الآن أسيراً، زيُه الرمادي ممزقاً، وسلطته مكسورة. لكنها رأت أيضاً الظلال تحت عينيه، وتلك العزلة الشاملة التي تطوقه كإطار غير مرئي.

عائشة كانت تمسك يد إستر بقوة، كأنها تخشى أن تمتصها الأرض إن تركتها. كانت عيناها الصغيرتان تنتقلان بين وجه إستر المتيقظ، وظهر إريك المنكسر، ثم إلى شولتز وكوهلر اللذين سارا خلف قائدهما بخطوات متثاقلة.

كان شولتز يحمل رأسه منخفضاً، كتلميذ مُخجل. أما كوهلر، فكانت عيناه تائهتان في الفراغ، ويداه المقيدتان ترتجفان رغم البرد. لقد انكسرت قناعة "الشعب المختار" أمام نيران البنادق الأجنبية، ولم يبق سوى الخوف العاري.

وراءهم، دفع جنديان أمريكيان من قوات الحلفاء الأسرى بقسوة عملية، غير عنيفة لكنها حازمة.

الجندي الأول: (بالإنجليزية)

Move it! Faster!

("تحركوا! أسرع!")

الجندي الثاني: (يدفع كوهلر بلطف بعصا بندقيته)

The party's over, Nazi.

("انتهت الحفلة يا نازي.")

لكن إريك لم يكن يسمعهم حقاً. عالمه تضاءل إلى نفق ضيق، في نهايته تقف إستر – المرأة التي كانت يجب أن تكون رقماً في تقريره، لكنها أصبحت المرآة التي يرى فيها انهيار عالمه كله.

رنت في أذنه كلمات أبو بكر الأخيرة الساخرة: "صيامنا هو تقرب إلى الله... وصيامكم هو عن الإنسانية نفسها." ثم تلك الإشارة البذيئة التي كانت القشة الأخيرة. والآن، ها هو يصبح أسيراً، وأبو بكر – ذلك العربي "الحقير" حرٌ طليق في مكان ما.

التقطت إستر نظرة إريك الأخيرة قبل أن يُدفع نحو شاحنة نقل الأسرى. كانت نظرة معقدة:

· جزء منها يقول: "انظري ما آلت إليه أمري."

· وجزء آخر يسأل: "هل أنتِ راضية الآن؟"

· وجزء ثالث، ربما كان الأعمق، يصرخ بصمت: "لماذا لم أقتلكِ عندما كان الأمر ممكناً؟"

لم تبتسم إستر، ولم تعلّ رأسها انتصاراً. فقط أدارت وجهها ببطء نحو عائشة، وضمتها إليها. كانت المعركة من أجل البقاء قد انتقلت إلى ساحة جديدة، وقواعد لعبة لم تعرفها بعد.

أبواب شاحنة الأسرى أُغلقت بضجيج معدني أخير. من خلال الشباك الحديدية الضيقة، التقت عينا إريك وإستر للمرة الأخيرة في ذلك الصباح. لم تكن هذه نظرة الوداع، بل كانت نظرة بداية فصل جديد – فصل حيث السجّان يصير أسيراً، والضحية تصير شاهداً، والخط الفاصل بين الخير والشر يتشوه تحت وطأة التاريخ والذاكرة.

ووسط هذا كله، كانت غابة أوشفيتز الصامتة تحتفظ بسرِّها الأكبر: أين اختفى أبو بكر؟ ومن أين سيظهر مرة أخرى، وفي أي صورة؟

ساد الصمت داخل شاحنة النقل المغلقة، لا يُكسر إلا بهدير المحرك وصوت العجلات على الطريق الوعر. كانت شاحنة عسكرية أمريكية مكتظة، تفصل قضبان معدنية بين مقصورة السائق ومقصورة الأسرى.

في الزاوية الأمامية، جلست إستر وعائشة تحت حراسة جندي شاب. في الجزء الخلفي، جلس إريك وشولتز وكوهلر مكبلين.

لحظات من الصمت القاتل لكن الصمت كان أثقل من أن يتحمله شولتز. التفت نحو إريك، وعيناه الحمراوان تلمعان بإخلاص أعمى:

شولتز: (بلهجة ألمانية محكمة، منخفضة)

Es ist eine Ehre, neben Ihnen zu sterben, Herr Hauptsturmführer.

"إنه لشرف أن أموت بجانبك، سيدي القائد."

من الجانب الآخر، هز كوهلر قيوده، ونطق بنبرة حارة:

كوهلر:

Für den Nazismus! Für Hitler! Wir sterben, damit die deutsche Flagge über den Trümmern Europas weht!

"من أجل النازية! من أجل هتلر! نموت لترفع راية ألمانيا فوق أنقاض أوروبا!"

لكن إريك لم يرد. كانت عيناه مثبتتين عبر القضبان على إستر. كانت هي أيضاً تنظر إليه، ليس بكراهية، بل بنظرة مراقب هادئة. ثم ابتسمت له ابتسامة خفيفة، غامضة، تحمل شيئاً يشبه التعاطف الحزين. كانت ابتسامة تذيب الجليد في قلبه المتجمد، وتثير فيه ارتباكاً لم يعرفه من قبل.

بعد عدة دقائق، تجرأ إريك على كسر الحاجز. نطق بصوت أجش، غير معتاد على النبرة اللطيفة التي حاول إخراجها:

إريك: (بالإنجليزية مكسورة)

أنتِ... جرحكِ. رجلكِ. هل تؤلمكِ كثيراً؟

رفعت إستر حاجبيها مفاجأة. عائشة توقفت عن لعبة أصابعها وانتبهت.

إستر: (بهدوء)

إنه يؤلم، نعم. لكنني عشتُ بألم أكبر. شكراً لسؤالكِ... سيدي فاغنر.

إريك: (يصحح نفسه بتردد)

إريك... اسمي إريك.

ثم أضاف، وكأن الكلمات ثقيلة في فمه:

"كان يجب... كان يجب أن أتصرف بشكل مختلف في القبو."

لم ترد إستر على هذه النقطة مباشرة، بل سألت:

إستر:

لماذا سألت عن ألمي؟ بعد كل ما حدث؟

تلك النظرة الهادئة أحرجته. نظر إلى يديه المقيدتين.

إريك: (بصعوبة)

لأنني... أدركت أن الألم الذي نُسببه للآخرين... يعود إلينا. بصورة أخرى.

من مقعد السائق، كان الجنديان الأمريكيان يصغيان. انفجر أحدهما ضاحكاً، وصفق على ظهر زميله.

الجندي الأمريكي الأول (جاك): (بسخرية)

Well, well! Look at the romantic Nazi! Hey, Fritz! You were gonna shoot her an hour ago, now you're writing love poems? Why don't you just marry her?

"حسناً! انظروا إلى النازي الرومانسي! كنتَ ستصوب عليها قبل ساعة، والآن تكتب قصائد حب؟ لماذا لا تتزوجها فوراً؟"

الجندي الأمريكي الثاني (مايك): (يضحك)

Yeah! We can have the wedding right here! I'll be the priest! "Do you take this Jewish woman..."

"أجل! يمكننا إقامة الزفاف هنا! سأكون الكاهن! 'هل تقبل بهذه المرأة اليهودية...'"

لم يتحمل كوهلر الإهانة. وقف فجأة، رغم قيوده، وصاح:

كوهلر: (بالإنجليزية مكسورة غاضبة)

You laugh, pigs! But you will see! Germany will rise! The Führer's spirit is not dead!

تضحكون أيها الخنازير! لكنكم سترون! ألمانيا ستنهض! روح الفوهرر لم تمت!"

شولتز: (بصوته الجهوري)

You insult an officer of the Reich! You have no honor!

أنتم تهينون ضابطاً في الرايخ! لا شرف لكم!

قفز الجندي جاك من مقعده، وفتح الباب المعدني الفاصل بسخرية.

جاك:

Oh, honor? You want honor, Nazi? Let's see your honor with your hands tied!

الشرف ، هل تتحدث عن الشرف؟ ايها النازي! ماذا سوف تفعل وانت مكبل الايدي

دفع الباب ودخل مقصورة الأسرى. مايك يترك استر و يقف، مبتسماً باستفزاز.

وقف كوهلر كالوحش المكبول. عندما حاول جاك دسه بإصبع في صدره، انفجر.

بحركة مفاجئة، استخدم كوهلر قيوده كسلاح، لفها حول معصم جاك وجذبه بقوة، بينما رفس ركبته. سقط جاك على الأرض مفاجئاً.

شولتز الضخم، رغم يديه المقيدتين أمامه، قام كجدار حي. عندما اقترب مايك، ضربه شولتز بجذعه القوي كالثور، مسقطاً إياه على القضبان المعدنية بصوت عالٍ.

كانت القوة الألمانية المنضبطة تظهر حتى في الأسر، شرسة وعنيدة.

قبل أن يتصاعد العنف أكثر، صرخ إريك بصوت قاطع، سلطته القديمة تعود للحظة:

إريك: (بالألمانية، ثم بالإنجليزية)

Halt! Enough!

توقفوا! يكفي!

ثم نظر إلى الجندي الأمريكي الأول الذي كان يحاول النهوض، وقال بنبرة باردة وخطيرة:

إريك:

"العبث مع ثعلب أوروبا إريك فاغنر... له ثمن. تدفعه دماً."

كانت العبارة تحذيراً وتهديداً. لكن القدر كان يخبئ شيئاً آخر.

فجأة، وكأن إريك استشعر الخطر قبل حدوثه، نظر من النافذة الصغيرة إلى الغابة الكثيفة على جانب الطريق.

صوت حاد وجاف، مختلف عن أي صوت بندقية عادية. طلقة قناص.

لكن الطلقة لم تستهدف الأسرى ولا الحراس. انطلقت من بندقية قنص سوفيتية من نوع Mosin-Nagant 91/30، مخترقة الزجاج الأمامي للشاحنة بدقة قاتلة، لتستقر في رأس السائق الأمريكي.

انحرف السائق فجأة، والشاحنة خرجت عن السيطرة، وانطلقت بعنف نحو جانب الطريق. اريك صرخ:

"اخفضوا رؤوسكم!"

قبل أن تصطدم مقدمة الشاحنة بشجرة بلوط ضخمة بصوت مروع، وتتوقف فجأة.

الدخان يتصاعد. الصراخ. الدماء على الزجاج الأمامي. والجميع داخل الشاحنة في حالة من الذهول والصدمة.

من بين أوراق الشجر في الغابة، على بعد مائتي متر، كان قناصٌ مجهول قد أنجز مهمته. لكن من كان؟ ومن أرسله؟ ولماذا قتل السائي الأمريكي فقط؟

بينما كان الدخان يتصاعد من محرك الشاحنة المعطوب، والجميع يحاولون استيعاب ما حدث، كانت عيون إستر تلتقط تفاصيل المشهد:

إريك كان أول من استجمع وعيه، ينظر بحدة نحو الغابة، عيناه تضيقان وهو يحسب زوايا الطلقة بينما كوهلر كان يضحك بصوت مكبوت، منتشياً بموت الأمريكي على عكس عائشة كانت ترتجف تحت ذراع إستر الجندي جاك كان يجثو بجانب زميله السائق الميت و ينظر نحو مايك الذي يحاول ان يحبو بعيدا ، وجهه شاحب.

في تلك اللحظة الفوضوية، أدركت إستر حقيقة واحدة: الخلاص الذي ظنته مؤكداً مع الحلفاء كان وهماً. الحرب لم تنته، والمعركة لم تكن ضد النازيين وحدهم. كان هناك أطراف أخرى في الظل، تتحرك، تخطط، وتقتل بلا تمييز.

ومن بعيد، من بين أشجار الغابة الكثيفة، كان زوج من العيون الحادة يراقب المشهد. قد تكون عيون أبو بكر، أو عيون قناص سوفيتي، أو عيون خصم جديد لم يظهر بعد.

الشاحنة المتحطمة أصبحت الآن فخاً حديدياً في منتصف الطريق، بين قناص مجهول في الخلف، ووجهة مجهولة في الأمام. والجميع – النازيون، اليهودية، المسلمة، والأمريكيون – أصبحوا رهائن لقدر واحد مشترك، بينما كان شتاء بولندا القاسي يبدأ برمي أولى حبات الثلج، كأنه يريد أن يغطي الدماء التي لم تجف بعد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وقعت في حب نازي

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/25 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة