صرخة الخلاص

صرخة الخلاص

16 0

لم يتحرك إريك للحظة التي تلت سماعه ذلك الصوت. جسده كله تحول إلى تمثال من الجليد، وعيناه مثبتتان على حافة الغابة حيث اختفى الظل تاركاً وراءه تلك الكلمات المشوهة التي لا تزال ترن في أذنيه كجرس إنذار قديم.

"الموت مجرد بوابة نحو حياة أخرى..."

كانت الجملة تتكرر في رأسه كأسطوانة مشروخة. عرفها. عرف نبرتها. عرف الجنون الكامن خلفها. لكنه لم يستطع أن يصدق أن صاحبها لا يزال على قيد الحياة. مستحيل. لقد رأى بعينيه... أو هكذا كان يعتقد.

مايك كان لا يزال يتأوه على أرضية الشاحنة، وجرحه ينزف ببطء. جاك كان يضغط على الجرح بقطعة قماش ممزقة، ويداه ترتجفان. كوهلر وشولتز كانا يراقبان إريك بعيون متسائلة، ينتظران أمراً قد لا يأتي. إستر كانت تحضن عائشة في الزاوية الأكثر أمناً، لكن عينيها كانتا على إريك، ترصدان ذلك التحول الغريب في وجهه، ذلك الشحوب الذي غزا ملامحه كغزو جيش خفي.

إستر: (بصوت منخفض حذر)

إريك... ماذا حدث؟ من هناك؟

لكن إريك لم يجب. كان لا يزال يحدق في الفراغ، وعقله يحاول ترتيب فوضى الذكريات المتصارعة.

شولتز: (بقلق)

سيدي القائد... هل تعرف هذا الرجل؟

الكلمة الأخيرة أيقظت إريك. "القائد". كان لا يزال قائداً، على الأقل لهؤلاء الرجال. كان عليهم أن ينجوا أولاً، ثم يفكر في أشباح الماضي لاحقاً.

إريك: (يتنفس بعمق، يستعيد تماسكه)

لا أعرف شيئاً. ربما كان مجرد... صدفة.

لكن إستر لم تصدق ذلك. رأت في عينيه ما لم يره الآخرون: خوفاً حقيقياً، ليس من الموت، بل من شيء أعمق. شيء له اسم ووجه وذكريات.

الغابة بقيت صامتة. القناص لم يطلق رصاصة أخرى. كان الأمر كما لو أنه يريد فقط أن يرسل رسالة، وأن يبقى هناك كشاهد على ما سيحدث.

جاك: (بصوت مذعور)

We need to move! He could attack any second!

("يجب أن نتحرك! قد يهاجم في أي لحظة!")

إريك: (بنبرة قاطعة)

No. He won't attack. Not now.

("لا. لن يهاجم. ليس الآن.")

نظر إليه الجميع باستغراب. كيف يمكن أن يكون متأكداً؟

إريك نظر إلى الغابة مرة أخيرة، ثم التفت إلى إستر. نظرته هذه المرة كانت مختلفة. كانت تحمل شيئاً من الاعتراف، أو ربما التحذير.

إريك: (بصوت منخفض، لا يسمعه إلا هي)

هناك أشخاص في حياتنا... نظن أنهم ماتوا. لكن الموت أحياناً لا يريدهم. أو هم لا يريدون الموت.

إستر: (تحدق فيه)

وماذا تريدهم أن يفعلوا؟

إريك: (بمرارة)

أن ينسوا. أن يتركونا نعيش.

في تلك اللحظة، سمعوا صوتاً جديداً. لم يكن طلقة، بل صوت محرك من بعيد. اقترب ببطء، ثم ظهرت شاحنة عسكرية أمريكية ثانية على الطريق، تقترب بحذر من موقع الحادث.

جاك: (بفرج)

Reinforcements! We're saved!

("تعزيزات! لقد نجونا!")

لكن إريك لم يشاركه التفاؤل. نظر نحو الغابة مرة أخرى، حيث كان ذلك الظل قد اختفى تماماً الآن. لكنه كان يعرف في أعماقه أن هذا ليس النهاية. كان مجرد بداية لمواجهة لم يكن مستعداً لها، مع شبح من ماضيه كان يعتقد أنه دفنه إلى الأبد.

الأسئلة التي بدأت تتراقص في رأسه كانت أكثر رعباً من أي رصاصة:

· كيف نجا؟

· لماذا ظهر الآن؟

· ماذا يريد من هؤلاء الناس؟

· وهل ما زال ذلك الشخص الذي يعرفه... أم تحول إلى وحش؟

الشاحنة الأمريكية توقفت بجانبهم، ونزل منها جنود مسلحون. لكن إريك لم يلتفت إليهم. كان لا يزال يحدق في الغابة، حيث كانت عينان تراقبان من بعيد، تحملان في عمقهما جنوناً وإيماناً مشوهاً، وتهمس الكلمات الأخيرة التي سمعها إريك:

"الموت للحلفاء والمحور..."

وفي أعماق الغابة، تحت ظل شجرة بلوط عجوز، كان ذلك الشخص يبتسم. ابتسامة مجنونة، عارفاً أن اللعبة لم تنته بعد. بل كانت قد بدأت للتو.

حل صمت رهيب بعد وصول الشاحنة الأمريكية الثانية. كان صمتاً مختلفاً عن صمت الخوف أو الترقب؛ كان صمت الاستسلام، ذلك الشعور الثقيل الذي يغسل الروح حين تدرك أن المعركة انتهت، وأن ما تبقى هو مجرد انتظار لما سيأتي.

كوهلر وشولتز خرجا من الشاحنة المحطمة ببطء، أيديهما مرفوعتان عالياً فوق رأسيهما. وجوههما كانت منهكة، عيوناهما بلا بريق، وكأن الحرب قد امتصت آخر قطرة من روحيهما.

كوهلر: (بصوت متعب، يكاد يهمس)

Das war's... kein Krieg mehr... ich kann nicht mehr.

("انتهى الأمر... لا مزيد من الحرب... لا أستطيع أكثر.")

شولتز: (ينظر إلى السماء الرمادية وكأنه يودعها)

Zum letzten Mal... wir sind müde, so müde.

("للمرة الأخيرة... نحن متعبون، متعبون جداً.")

لكن إريك فاغنر كان مختلفاً.

وقف عند باب الشاحنة، ومسدسه Walther P38 مصوب نحو رجليه، وصوته انفجر كالرعد:

إريك: (يصرخ)

Runter! Runter, ihr Idioten! Letzte Warnung!

("انخفضوا! انخفضوا يا حمقى! آخر تحذير!")

ضحك جنود الحلفاء الذين أحاطوا بهم. كان ضحكاً ممزوجاً بالسخرية والازدراء.

الجندي الأمريكي الثالث: (يقهقه)

Look at this! The Nazi still thinks he's giving orders! Hey, Hitler boy, the war's over for you!

("انظروا إلى هذا! النازي ما زال يعتقد أنه يصدر أوامر! مهلاً يا فتى هتلر، الحرب انتهت بالنسبة لك!")

الجندي الأمريكي الرابع: (يسخر)

Let him shout. It's the only power he has left.

("دعوه يصرخ. هذا هو كل ما تبقى له من سلطة.")

الجندي الخامس: (يقلد إريك بصوت مبالغ فيه)

Runter, ihr Idioten! Hahaha! Sounds like a barking dog!

("انخفضوا يا حمقى! هاهاها! يبدو ككلب ينبح!")

إريك لم يحرك ساكناً. بقي مصوباً نحو رجليه، لكن عينيه كانتا تحترقان بغضب مكبوت. كان يعرف أن أي رصاصة سيطلقها الآن تعني موته المحتوم، لكن الانسحاب أمام هؤلاء كان أصعب من الموت.

إستر نظرت إليه من داخل الشاحنة. رأت ذلك الصراع في عينيه: الكبرياء مقابل البقاء.

خرج الجميع من الشاحنة ببطء. جاك ساعد مايك الجريح على الوقوف، واتجها نحو الجنود الأمريكيين. رفع جاك يديه بعلامة الاستسلام، لكنه بدأ يتكلم بصوت عالٍ واضح:

جاك: (بصوت حازم)

Listen to me, soldiers! It's not what you think! We're in trouble here, and there's no Nazi or American anymore! We're one family until we get out alive!

("اسمعوا أيها الجنود! الأمر ليس كما تظنون! نحن في مأزق هنا، ولا يوجد نازي أو أمريكي بعد الآن! نحن عائلة واحدة حتى نخرج أحياء!")

صمت الجميع للحظة. نظر الجنود الأمريكيون إلى بعضهم البعض في حيرة.

الجندي الثالث: (باستنكار)

What did he just say? Did he call them family?

("ماذا قال للتو؟ هل وصفهم بالعائلة؟")

الجندي الرابع: (بغضب)

Traitors! You've been with the enemy, and now you defend them?

("خونة! كنتم مع العدو والآن تدافعون عنهم؟")

جاك: (بإلحاح)

You don't understand! There's a sniper out there! He killed our driver! We're all targets!

("أنتم لا تفهمون! هناك قناص هناك! قتل سائقنا! نحن جميعنا أهداف!")

الجندي الخامس: (بسخرية)

A sniper? Sure. Maybe it's your new Nazi friends' backup.

("قناص؟ بالتأكيد. ربما يكون دعم أصدقائك النازيين الجدد.")

الجندي القائد: (يتقدم، بصوت بارد كالجليد)

Enough. Traitors in wartime have one fate. Line them up.

"يكفي. للخونة في زمن الحرب مصير واحد. اصطفوهم."

تجمدت الدماء في عروق الجميع. جاك نظر إلى مايك المذهول، ثم إلى إريك وإستر وعائشة، ثم إلى كوهلر وشولتز. كانوا جميعاً يقفون في صف واحد، وكأن الموت قد جمعهم في لحظة مساوية لا تعرف جنسيات ولا أدياناً.

الجندي الثالث والرابع تقدما، ودفعوا الجميع ليقفوا في صف مقابل جدار الشاحنة المحطمة. كوهلر بدأ يبكي بصمت، دموعه تتجمد على خديه في الهواء البارد.

كوهلر: (بالألمانية، بصوت مرتجف)

Ich wollte nur nach Hause... meine Mutter...

("كنت أريد فقط العودة إلى البيت... أمي...")

شولتز: (يضع يده على كتفه)

Es ist vorbei, mein Freund. Wir gehen zusammen.

("انتهى الأمر يا صديقي. سنذهب معاً.")

مايك: (بصوت متقطع)

This is crazy... we're not traitors... we just wanted to survive...

("هذا جنون... لسنا خونة... كنا نريد فقط النجاة...")

جاك: (يصرخ)

You're making a mistake! A huge mistake!

("أنتم ترتكبون خطأ! خطأ فادحاً!")

إستر ضمت عائشة بشدة، وهمست في أذنها:

إستر: (بصوت هادئ، قوي)

أغلقي عينيك يا صغيرتي. لا تنظري. تخيلي أننا في البيت ذي النوافذ الزرقاء... على البحر... تحت الشمس...

عائشة: (بكاء مكتوم)

ليليا... أنا خائفة...

إستر: (تقبل رأسها)

لا تخافي. سنكون معاً. دائماً معاً.

نظرت إستر نحو إريك. كان واقفاً كالجبل الشامخ، لم يركع، لم يبك، لم يرج. وجهه كان صخرة، لكن عينيه... عينيه كانتا على إستر. في تلك اللحظة، قال كل شيء دون أن ينطق بكلمة: الندم، الاعتذار، الوداع، وربما... الحب؟

الجندي القائد رفع يده، وأشار إلى الجنود الخمسة الذين صفوا بنادقهم نحو المجموعة المحتشدة.

الجندي القائد: (بصوت عال)

By the authority of the Allied Forces, I sentence you to death for treason and collaboration with the enemy.

("بسلطة قوات الحلفاء، أحكم عليكم بالإعدام بتهمة الخيانة والتعاون مع العدو.")

كوهلر: (يغمض عينيه، يهمس)

Vater unser im Himmel...

("أبانا الذي في السموات...")

شولتز: (يرفع رأسه للأعلى)

Heil...

("هايل")

ثم توقف. نظر إلى إريك، ثم إلى إستر، ثم هز رأسه.

Nein... nicht mehr..

("لا... لا مزيد.")

مايك وجاك تبادلا نظرة أخيرة، صامتة، تحمل سنوات من الصداقة التي لم تكتمل.

الجنود رفعوا بنادقهم. الأصابع اقتربت من الزناد. الدموع كانت تتجمد على وجوه البعض. الخوف كان يملأ الأجواء كضباب كثيف.

وفي تلك اللحظة، عندما كان كل شيء على وشك الانتهاء، رفع إريك رأسه عالياً، واستنشق الهواء البارد بعمق، ثم صرخ بصوته المدوي الذي لا يُنسى:

إريك:

"الآن يا أبا بكر!"

*طـــقـــطـــقـــطـــقـــطـــق! *

صوت رشاش MG 42 الألماني انفجر من الغابة كعاصفة من الرصاص، ممزوجاً بصوت بندقية قنص Mosin-Nagant السوفيتية التي تطلق بدقة مخيفة.

تطايرت الأعيرة النارية في الهواء. الجنود الأمريكيون سقطوا أرضاً في حالة ذهول. الصراخ اختلط بصوت الرصاص. والظلام بدأ يبتلع المشهد كله.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وقعت في حب نازي

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/25 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة