المواجهة الأولى

المواجهة الأولى

20 0

غطرسة وتكبر طغيا على شخصية إريك فاغنر وهو ينزل نحو القبو. رأى إستر واقفةً تحمل بين يديها قطعة حديد صدئة، قررت أن تستخدمها سلاحاً لا يُسمن ولا يُغني من جوع أمام قوة وبطش قائد نازي، اتخذ من عقيدة النازية شريعةً لا يحيد عنها، وماتت ضمائرُه في سبيلها. تقدَّم بخطوات متعجرفة وهو يعدِّل قبعته، مبتسماً ابتسامةً ساخرة.

إريك:

انظر ماذا لدينا هنا! فئران تختبئ في جحرها.

إستر: (تصرخ بصوتٍ مرتفع، يملؤه الرعب والتحدي)

ابتعد! أو سأؤذيك، أيها النازي الحقير!

إريك: (يضحك ضحكةً مكتومةً كهدير الوحش)

أشمُّ رائحةً نتنةً ومقرفة... ممم... أظنها رائحة اليهود.

تقدم نحوها وهو يمسك مسدسه من نوع (Luger P08)، السلاح الشخصي المميز للضباط النازيين، وصوبه نحوها مبتسماً بخبث.

إريك:

بل أظن هناك رائحةً أسوأ...

يتظاهر بتحريك أنفه كانه يشم.

رائحة الخونة... أو قل، أحفاد "الرجل المريض"! الذين خانوا قضيتهم وأسقطوا خلافتهم العثمانية العظيمة من أجل سلطةٍ هزيلة تحت حماية أمريكا النتنة ودُميتها من الحلفاء!

عائشة: (تخرج من الظل، صوتها يرتجف غضباً)

نحن لم نسقط! ستعود أمتنا، أما أنتم فسقوطكم يقترب!

اشتعلت الكلمات في صدر إريك كالنار. انطلق كالبرق، انتزع قطعة الحديد من يد إستر بقسوة، ودفعها أرضاً. شرع يرفس وجهها ورأسها بوحشيةٍ عمياء وهو يصرخ:

"الموت لليهود! الموت للأنذال!"

ثم التفت نحو عائشة، وصفعها ضربةً أطارتْها أرضاً، ثم تبعها بلكمتين قاسيتين حتى أقعَتها. وضع قدمه الثقيلة على صدرها وهي تلهث وتنزف من شفتها، وقال بجبروتٍ مختالاً:

"أين هو ربكِ الآن، أيتها المسلمة الحقيرة؟ أين هي خلافتكِ العثمانية البائدة لتنقذكِ مني؟"

عائشة: (تتكلَّم بصعوبة، لكن بنبرةٍ واثقةٍ لا تتزعزع)

ربي معي... وسينقذني منك ومن شر أمثالك... وسيسخِّر لي من يحرسني، أيها المتعجرف!

ألهبت كلماتها غضبه الأعمى. انحنى، أمسك بها من رأسها، ووضع فوهة مسدس اللوجر في فمها.

إريك:

حسناً! سأرسلكِ إلى الجنة التي وعدكم بها ربكم!

قبل أن يضغط على الزناد، شعر ببرودة فولاذية تلصق بصدغه من الخلف. صوت هادئ وحاسم يتحدث بالألمانية خلفه:

الصوت:

وما معنى هذا المشهد المثير للشفقةفاغنر؟

فاغنر:

أتخالف أوامر قائدك والقائد الأعلى للجيش، أدولف هتلر نفسه؟

التفت إريك ببطء ليرى أبا بكر واقفاً خلفه. كان رجلاً عربياً في منتصف العمر، ملامح وجهه العراقية واضحة: عينان حادتان تحكمان تحت حاجبين كثين، أنف معقوف قليلاً، وشعر أسود متموج يظهر من تحت قبعة الجيش الألماني المائلة. كان يرتدي زي "الفيلق العربي" (Arabische Legion) ولكن بشاراتٍ غير رسمية. وقفته توحي بخبرة عسكرية طويلة، وبرودة أعصاب لا تتزعزع.

أبو بكر: (بلغة ألمانية مكسرة لكنها مفهومة)

القائد الحقيقي لمن يدفع أكثر... لكن حين تتعارض المصالح مع الدين، أختار ديني.

نظر أبو بكر خلفه فوجد جنديين نازيين قد وصلا في صمت، ورفعا بنادقهما تجاهه.

الجندي الأول (الرقيب هاينريش شولتز):كان هاينريش ضخم الجثة، وجهه أحمر وعريض، وعيناه زرقاوان باردتان كالجليد. كان صديق إريك منذ أيام التدريب.

شولتز:

لن تمر هذه الخيانة مرور الكرام، أيها المرتزق القذر.

الجندي الثاني (فريتز كوهلر):شاب نحيل، نظارته المربعة تكبر عينيه الخائفتين.

كوهلر:

لا مهرب لك... استسلم!

ضحك أبو بكر ضحكةً قصيرةً جوفاء، ثم حرك يده بسرعة مذهلة إلى حزامه، وأخرج **قنبلة يدوية (Stielhandgranate) **، ورفعها بيدٍ ثابتة، وإصبعه على حلقة التفجير.

أبو بكر:

بل لن يكون هناك مهرب لأي منا! أراكم جميعاً في الجحيم!

صرخ فريتز خائفاً. تمدَّد التوتر في الهواء الرطب للقبو.

إريك:(يرفع يده فجأة)

انتظر! ماذا تريد؟

أبو بكر: (بنبرة عملية)

نأخذهما معنا. نعتقلهما في منزلي الخاص. نستجوبهما. ربما لديهما معلومات عن شبكات تهريب أو مقاومة. أكثر فائدة من جثتين هامدتين.

هاينريش:

هذا جنون! إنه عصيان صريح! خيانة!

فريتز:

القائد هتلر قال...

إريك: (يقاطعهما، مفكراً بسرعة. نظرة مختلسة إلى إستر المصابة وعائشة المرتعشة)

صمت!

(يتوجه لأبي بكر)

حسناً. لكنك المسؤول عنهما. وهما "أسيران تحت استجوابي الخاص". أي تسريب، وأي فشل، وأنت من سيدفع الثمن.

اقبض عليهما.

ساد صمت ثقيل. نزل أبو بكر بهدوء، وأغلق القنبلة بمهارة وأعادها إلى حزامه. تقدم نحو إستر، مدّ يده ليساعدها على الوقوف. كانت تترنح، نظرة كراهية وارتباك في عينيها البنيتين المنتفختين. لم ينطق بكلمة، فقط أشار لها بإيماءة حازمة بأن تتبعه. فعل الأمر نفسه مع عائشة، مساعداً إياها برقة مفاجئة تتناقض مع خشونته. قادهما نحو الدرج، جسمه يحجبهما جزئياً عن الجنود الذين ظلوا مصوبين أسلحتهم. صعدوا من القبو إلى العالم العلوي المدمَّر، دون أن يتبادلوا نظرة أو كلمة مع أي جندي ألماني.

بعد خروجهم، التفت إريك إلى رجليه، وانفجر الصمت.

هاينريش:(يهمس غاضباً)

إريك، ما هذا الهراء؟ لماذا ترضخ لتهديد ذلك الكلب العربي؟

إريك:(بنبرة باردة وحسّاسة)

لأنه كان سيقتلنا جميعاً. وهذا سيكون إهداراً سخيفاً لثلاثة جنود ألمان مخلصين من أجل حثالتين.

فريتز:

لكن... التقرير؟ الأوامر تقول...

إريك:(يقاطعه)

التقرير سيكون كما يلي: "تم تفتيش المنزل. وجد فارغاً. اشتباه خاطئ". هذا ما سنكتبه. وهذا ما سنشهد به جميعاً.

هاينريش:(محدقاً فيه)

وماذا عن العربي؟ إنه قنبلة موقوتة. يعرف الكثير.

إريك:(عيناه تضيقان)

أبو بكر... مشكلة مؤقتة. لن نبلغ عنه الآن. سنراقبه. وعندما تسنح الفرصة... ستكون هناك "حادثة مؤسفة". ربما أثناء مداهمة. أو هروب الأسرى. فهمت؟

فريتز:(يبلع ريقه ويومئ)

نعم، سيدي.

هاينريش:(بعد لحظة صمت، يومئ ببطء)

كما تريد، ما حدث. بيننا نحن الثلاثة.

غادر الجنود الثلاثة المنزل المهجور، تاركين وراءهم صمتاً مكسواً بصدى العنف والدسائس. في القبو الفارغ الآن، بقيت فقط بقع الدم الداكنة على الأرض الترابية، وقطعة الحديد الصدئة المهملة في الزاوية، شاهدةً على المواجهة التي كادت أن تنهي كل شيء. لكن في شقة سرية في جزء آخر من المدينة، كان مصيران قد انحرفا عن مسارهما المحتوم نحو الموت، بفضل تدخل غامض جمع بين الغضب والبراغماتية والإيمان. كانت لعبة جديدة وخطيرة قد بدأت، حيث تحول الأسيران إلى رهائن في صراع قوى خفي، والجندي النازي وجد نفسه عالقاً في شبكة من العصيان والكذب. وخلف كل ذلك، كان شتاء أوشفيتز القاسي لا يزال ينزل بثقله على المدينة، حاملاً في رياحه الباردة وعوداً بمزيد من العذاب، ومزيد من الخيارات المستحيلة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وقعت في حب نازي

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/25 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة