لم يكن هناك صمتٌ يلي العاصفة، بل فوضى صاخبة من المعدن المُلتوى، وزجاجٍ مُتطاير، وأناتٍ إنسانية تختلط مع صوت محركٍ يحتضر. كانت الشاحنة الأمريكية قد تحولت إلى فخ حديدي محطم، ينحني حول جذع شجرة البلوط العملاق كما لو كان يستنجد بها.
الدخان كان أول ما غزا الحواس - رائحة حادة لوقود مسكوب وزيوت محترقة. ثم جاء البرد القارس الذي تسلل من النوافذ المكسورة ليعضّ وجوه الناجين. وأخيراً، كان الصمت المطبق للغابة المحيطة، الذي بدا فجأة أكثر تهديداً من أي ضجيج.
إريك فاغنر كان أول من هزّ الصدمة عن جسده. رغم القيود التي ما زالت تكبل معصميه، كانت عيناه الضيقتان تمسحان المشهد بعقلية القائد الذي لم تمت فيه تماماً:
· الزجاج الأمامي المبعثر والدماء التي ترسم خريطة مروعة عليه.
· الجندي جاك يجثو بجانب السائق الميت، يداه ترتجفان وهو يضغط على جرح في كتفه.
· مايك يحبو بعيداً نحو الباب الخلفي، عيناه واسعتان من الرعب.
· إستر تحمي عائشة بجسدها، كتلة واحدة من الخوف والذهول.
لكن أبعد من ذلك، كانت الغابة. تلك الكتلة الخضراء الداكنة التي أطلقت الطلقة القاتلة. إريك حدق نحوها، عقله العسكري يحسب:
زاوية الطلقة... ارتفاع الشجرة المحتمل... المسافة... بندقية قنص سوفيتية... لماذا السائق فقط؟
كوهلر كان أول من كسر الصمت الداخلي:
كوهلر: (بصوت مكتوم، منتشياً)
قناصنا! إنه واحد منا! الرايخ يرسل الإنقاذ!
شولتز: (ينظر من النافذة المكسورة)
أو قد يكون قناصاً سوفيتياً... يريدنا أحياء للاستجواب.
لكن إريك هزّ رأسه ببطء، وعيناه لم تترك الغابة.
إريك: (بهمس حاسم)
لا... لو كان سوفيتياً لاستهدفنا جميعاً. وهذه الطلقة... كانت تحذيراً. أو رسالة.
إستر رفعت رأسها. صوتها خرج هادئاً لكنه واضح في الفوضى:
إستر:
رسالة؟ لمن؟
إريك: (يلتفت نحوها للحظة، عيناه تلتقيان بعينيها)
لمن يملك الجرأة لقتل أمريكي في منطقة يسيطر عليها الحلفاء الآن. هذه ليست طلقة حرب... هذه طلقة إعدام.
فجأة، صرخ الجندي جاك من المقدمة:
جاك: (بالإنجليزية، بصورة مذعورة)
We're sitting ducks here! We need to move! Now!
("نحن أهداف سهلة هنا! يجب أن نتحرك! الآن!")
لكن مايك أشار بيد مرتعشة نحو الغابة:
مايك:
And go where? Out there? He's still out there!
("ونذهب إلى أين؟ إلى الخارج؟ إنه لا يزال هناك!")
كانت الحقيقة القاسية تظهر: الشاحنة المتحطمة أصبحت قفصاً مكشوفاً. لكن الخروج منها يعني التعرض لرصاصة القناص المجهول.
عائشة بدأت تبكي بصوت خافت، نحيب طفل جائع وخائف. إستر احتضنتها أقوى، لكن عينيها كانتا على إريك. لاحظت كيف أن يديه المقيدتين تحاولان فحص الباب الجانبي، كيف عينيه تدرسان شكل الشجرة والأرض تحتها.
إستر: (تخاطب إريك مباشرة)
ماذا ترى؟
إريك: (دون أن ينظر إليها)
أرى أن الشجرة حمت الجانب الأيسر. الظل هناك أعمق. إذا خرجنا من هذا الباب...
يشير بذقنه بينما يتفقد المكان حوله بحذر وريبة.
قد نكون محميين لمسافة عشرين متراً. بعدها هناك منخفض في الأرض.
كوهلر: (مستنكراً)
تريدنا أن نخرج؟ إلى العراء؟ هذا انتحار!
إريك: (بنبرة جليدية)
البقاء هنا انتحار أبطأ. القناص لم يطلق طلقة ثانية لأنه... إما ينتظر، أو قد تحرك. وفي كلا الحالتين، نحن ليس لدينا ترف الوقت.
نظر إريك إلى الجندي جاك الأمريكي الجريح. كانت اللغة حواجز، لكن لغة البقاء عالمية.
إريك: (بإنجليزية مكسورة)
أنت... قائدهم الآن. قرر.
تجادل جاك مع مايك بنبرة مذعورة سريعة. أخيراً، التفت نحو إريك:
جاك: (بصوت مرتفع)
Fine! But you go first! You and your men!
("حسناً! لكنك تخرج أولاً! أنت ورجالك!")
ابتسم إريك ابتسامةً مريرةً لا تصل إلى عينيه.
إريك:
بالطبع... لحوم الدبابة، كما كنا نسميها.
لكن قبل أن يتحرك أي أحد، سمعوا صوتاً.
لم يكن صوت طلقة. بل كان صوت حفيف أوراق قريب. ثم خطوات خفيفة على الثلج الرطب.
الجميع تجمد. إريك أشار بإيمونة سريعة للصمت. حتى عائشة توقفت عن البكاء.
من بين أشجار الصنوبر الكثيفة، على بعد ثلاثين متراً فقط، بدا ظلٌ يتحرك. لم يكن واضحاً، لكنه كان شكلاً بشرياً يتحرك بانسيابية صياد.
ثم سمعوا صوتاً مألوفاً، لكنه جاء محملاً بتعبير جديد:
الصوت: (بالعربية أولاً، ثم بالألمانية)
ما أضعف الإنسانية... تبحث عن النجاة في أحضان من كانوا سيقتلونها.
ثم بالألمانية:
Kommen Sie alle raus. Langsam. Hände wo ich sie sehen kann.
("اخرجوا جميعاً. ببطء. أيديكم حيث أراها.")
إستر انحنت نحو عائشة وهمست:
"هل تعرفين هذا الصوت؟"
رفعت عائشة رأسها، عيناها تلمعان فجأة:
"إنه... أبو بكر؟"
لكن إريك حدق نحو الظل المتقدم، وعيناه تضيقان. كان هناك شيء مختلف في النبرة... شيء أكثر برودة، أكثر حرفية. هذا لم يكن صوت أبو بكر الثائر الساخر. هذا كان صوت محترف يعمل.
الظل تقدم خطوة أخرى إلى حافة الغابة، والضوء الرمادي للشتاء كشف قليلاً عن معطفاً أبيض ثلجياً للتخفي، وبندقية قنص طويلة على ظهره.
لكن الوجه... كان محجوباً بقناع.
الصوت عاد مرة أخرى، هذه المبلغ بالإنجليزية:
الصوت:
I won't ask twice. The next bullet won't miss the engine. And you all know what that means.
("لن أطلب مرتين. الرصاصة التالية لن تخطئ المحرك. وأنتم جميعاً تعرفون ما يعني ذلك.")
كان التهديد واضحاً: رصاصة في خزان الوقود ثم انفجار.
إريك نظر إلى إستر، ثم إلى عائشة، ثم إلى رجاله، وأخيراً إلى الجنود الأمريكيين. في عيون الجميع رأى الشيء نفسه: الخوف من المجهول.
لكن في عيني إستر، رأى شيئاً إضافياً: سؤالاً. سؤالاً كان يتردد في رأسه هو أيضاً:
من يكون هذا الرجل؟ أبو بكر؟ أم شبح جديد أرسلته الأقدار لينهي ما بدأه الجميع؟
إريك تنهد، ثم نظر مباشرة نحو الظل في الغابة، ورفع يديه المقيدتين ببطء.
إريك: (بصوت عالٍ)
نحن نخرج. لكن هناك جرحى. وطفلة.
الصوت: (ببرودة)
الجرحى يتحملون. والطفلة... ستكون آخر من يخرج. الآن... تحركوا.
كانت الأوامر الجديدة قد صدرت. لكن من قائد جديد مجهول. وهم، مجموعة من الأعداء السابقين، أصبحوا الآن قطيعاً واحداً، يُقاد إلى مصير مجهول في غابة بولندا الشتوية.
وخلف قناع الرجل في الغابة، كانت عينان تراقبانهم باهتمام بالغ. عينان تعرفان الكثير. عينان تحملان أجوبة لأسئلة لم يُطرح معظمها بعد.
الرحلة من القبو إلى المزرعة إلى الشاحنة... كانت مجرد تمهيد. الرحلة الحقيقية كانت على وشك البدء.
Imad chelloufi